علّم "أجيالاً" من العملاء… قصة الجاسوس الإسرائيلي يتسحاق شوشان مؤسس "المستعربين"

الأربعاء 6 يناير 202112:01 م

أحد بُناة إسرائيل، أسطورة تجسس حقيقية، مؤسس وحدات المستعربين، معلم أجيال من العملاء الإسرائيليين، وغيرها من الألقاب والمهام السرية بدأت تتكشف عن سيرة الجاسوس الإسرائيلي السوري الأصل يتسحاق شوشان الشهير بـ"أبو إسحاق" منذ وفاته الأسبوع الماضي عن 96 عاماً في تل أبيب إثر جلطة دماغية.


لم يقف الإعلام العبري طويلاً عند خبر وفاة أبو إسحاق على الفور إذ "لا يعلم  الإسرائيليون جميع أعماله بمن فيهم أبناؤه" حسبما اتضح لاحقاً. لكن نعي الموساد له في بيان وتصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك بأنه كان أحد الذين تعلموا على يديه التضحية لأجل إسرائيل ورثاء العديد من الشخصيات الأمنية والسياسية الإسرائيلية له، هذه جميعها جعلت الإعلام العبري والأمريكي ينبش في قصة حياته.


"أحد بُناة إسرائيل"

في تقرير لها، شددت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية على أنه "حتى اليوم -بعد عقود- لا تزال معظم أعماله ممنوعة من النشر"، ونقلت عن ابنته إيتي قولها: "حتى نحن أولاده لا نعرف كل أعماله" معتبرةً أنه تبين أنه "أحد بُناة إسرائيل" وليس مجرد جاسوس.


وأوضحت الصحيفة أن "أبو إسحاق" كان أحد الآباء المؤسسين لفوج الاستطلاع في هيئة الأركان العامة حيث نشأت أجيال من كوادر الهيئة على يديه، و"أسطورة حقيقية" في صفوف المجتمع الأمني والاستخباراتي الإسرائيلي، مبرزةً أن مهامه السرية تنوعت بين تهجير اليهود من الدول العربية إلى إسرائيل، وإقامة وحدة المستعربين السرية في الموساد، والعمل كضابط اتصال بين الموساد ووكالة الهجرة اليهودية، بجانب إحباط عمليات التجسس العربية على إسرائيل.


ولد شوشان في عائلة يهودية في حلب بسوريا باسم "زكي شاشو" عام 1924 وكان "صهيوني الهوى". تلقى تعليماً للغة الفرنسية، وكذلك اللغة العبرية في مدارس يهودية أرثوذكسية، وانتمى في شبابه إلى الكشافة العبرية الصهيونية. في سن الثامنة عشرة، بدافع من ميله الصهيوني، سافر إلى فلسطين التي كانت تخضع للانتداب البريطاني، وتم تجنيده في غضون عامين من قبل العصابات اليهودية السرية (البلماح) هناك.

ساهم في إعداد نتنياهو وإيهود باراك وإيلي كوهين وحوّل عرباً إلى خونة لأوطانهم… قصة اليهودي السوري يتسحاق شوشان الذي جعله ولاؤه الصهيوني ينفذ التفجيرات والقتل في فلسطين ولبنان فأصبح "أحد بناة إسرائيل"

مع هذه العصابات وحتى النكبة عام 1948، شارك شوشان في العمليات السرية المبكرة، بما في ذلك التفجيرات، ومنها عملية تفجير في محطة الباصات الفلسطينية في الرملة بعد مزاعم بأن المرآب كان ستاراً لعمليات تصنيع عبوات مفخخة. دُمر المرآب والعديد من المباني المجاورة في هذا التفجير الذي أسفر عن مقتل خمسة أشخاص على الأقل وإصابة الكثيرين. 


شارك أيضاً في محاولة اغتيال الشيخ محمد نمر الخطيب الذي اعتبر اليد اليمنى لمفتي القدس الراحل المناهض للصهيونية بشدة أمين الحسيني. كان دور شوشان في المهمة الأخيرة تتبع ركب الشيخ نمر الذي كان مسافراً من فلسطين إلى لبنان للتأكد أنه توفي بالفعل أو الإجهاز عليه إذا كان حياً. لكن الجنود البريطانيين منعوه من الوصول إلى سيارة الشيخ الذي أصيب بجروح بليغة وانتهى دوره في الصراع منذ ذاك الحين تقريباً.


وكان شوشان خلال تدريبه قد انضم إلى وحدة سرية تعرف باسم الفصيلة العربية -لأنها كانت تضم يهوداً يمكنهم التنكر في شخصيات عربية نظراً لأصولهم وإجادتهم اللغة العربية وغالبيتهم من المهاجرين من الدول العربية. كان هدف الوحدة جمع المعلومات الاستخبارية وتنفيذ عمليات التخريب والقتل المستهدف في صفوف العرب.


بحسب ما ذكره يوآف جيلبر، الأكاديمي والمؤرخ المتخصص في تلك الفترة، لصحيفة "نيويورك تايمز"، كانت الوحدة قد أُنشئت ترقباً لنشوب "حرب أهلية في فلسطين بين اليهود والعرب". لهذا الغرض، دُرب أفرادها على جمع المعلومات وإجراء الاتصالات السرية -بالشفرة- بالإضافة إلى تكتيكات الكوماندوز واستخدام المتفجرات، مع دراسة مكثفة للإسلام والعادات العربية حتى يتمكنوا من العيش كعرب من دون إثارة الشكوك.


أكثر من تجسس في الدول العربية

على مدار العامين اللاحقين، 1949 و1950، وتحت الاسم المستعار عبد الكريم محمد صدقي، عمل شوشان مع عناصر يهودية سرية أخرى في لبنان وسوريا والأردن، مساهماً في التأسيس لجهاز المخابرات الإسرائيلي في الدول العربية، قبل العودة إلى إسرائيل والانضمام لجيش الاحتلال.


لكن دوره لم يتوقف عند التجسس خلال وجوده في الدول العربية بل شارك في تفجيرات وعمليات قتل. قال شوشان ذات مرة: "على الرغم من إرسالنا (إلى الدول العربية) لجمع المعلومات الاستخبارية، رأينا أنفسنا أيضاً جنوداً، وبحثنا عن فرص للعمل".

"جلس عربي عجوز في مواجهتي وهو يبكي على ولديه اللذين قتلا في الانفجار الذي شاركت في تنفيذه"... شارك شوشان في قتل العديد من العرب بدم بارد وجلس يستمع إلى ألم ذويهم الذين اعتقدوا أنه فلسطيني مثلهم 

في إحدى العمليات، أُمر هو ورفاقه بزرع قنبلة في يخت فاخر يملكه لبناني ثري تذرعاً -حسب ما قيل لهم- بأن هتلر استخدم اليخت خلال الحرب العالمية الثانية. كانت المخابرات الإسرائيلية تخشى أن تتحول السفينة إلى سفينة حربية لاستخدامها ضد اليهود. لم يؤد الانفجار المؤكد إلى غرق اليخت، لكنه أتلفه بدرجة كافية لعدم استخدامه في العمليات العسكرية.


كانت العملية الأهم للفريق في لبنان هي اغتيال أول رئيس وزراء للبنان بعد الاستقلال، رياض الصلح، والتي كانت مقررة في كانون الأول/ ديسمبر عام 1948. وضعت الخطة عقب تتبع تحركات الصلح، لكن العملية ألغيت في اللحظة الأخيرة من قبل كبار القادة الإسرائيليين، ما تسبب بـ"خيبة أمل كبيرة" لشوشان، على حد قوله.


اللافت أنه خلال وجوده في بيروت، التقى شوشان أقارب من قتلهم في تفجير مرآب حيفا، هؤلاء الذين تحدثوا معه بحرية اعتقاداً منهم أنه فلسطيني. في كتاب مشترك مع زميله السابق في المخابرات رافي ساتون، "Men of Secrets, Men of Mystery"، عام 1990، استذكر شوشان: "قبل ذلك لم أفكر قط في الأشخاص الذين قتلوا هناك. في بيروت، جلس عربي عجوز في مواجهتي وهو يبكي على ولديه اللذين قتلا في الانفجار الذي شاركت في تنفيذه".

كانت العملية الأهم لشوشان ورفاقه في لبنان هي اغتيال أول رئيس وزراء للبلد بعد الاستقلال، رياض الصلح، والتي كانت مقررة في كانون الأول/ ديسمبر عام 1948. وضعت الخطة، لكن العملية ألغيت في اللحظة الأخيرة من كبار القادة الإسرائيليين، ما تسبب بـ"خيبة أمل كبيرة" لشوشان

كان هذا من الأحداث التي غيرت في تفكير الجاسوس الإسرائيلي وفق نجله يعقوب الذي قال: "كان أبي يعلم دائماً أننا إذا استخدمنا القوة فقط، فلن يؤدي ذلك إلا إلى مزيد من الحروب، وكان دائماً يدعم حل ‘دولتين لشعبين‘".


أدى القبض على بعض أعضاء الفصيلة العربية وإعدامهم في النهاية إلى قيام إسرائيل بالتخلي عن استخدام الجواسيس اليهود الذين يندمجون مع العرب، فتحول شوشان تبعاً لذلك إلى سياسة جديدة تقوم على تجنيد العملاء العرب وإدارتهم بعد تحويلهم إلى خونة لأوطانهم.


كما حث شوشان لاحقاً على استئناف برنامج الاستيعاب الذي أدى إلى تأسيس وحدة استطلاع هيئة الأركان العامة الإسرائيلية (Sayeret Matkal) بهدف جمع المعلومات الاستخبارية في قلب الدول المعادية لإسرائيل. كان من الأفراد الذين تدربوا ضمن الوحدة الشاب بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، وسلفه باراك. كان شوشان مسؤولاً عن تدريب الأشخاص الذين سيتظاهرون بأنهم عرب، وقد شارك في رسم خطة تجسس إيلي كوهين الذي تشيّع إسرائيل أنه اخترق الدوائر العليا في النظام السوري في ستينيات القرن الماضي قبل اكتشاف أمره وإعدامه في النهاية.


على الرغم من أن شوشان تقاعد عام 1982، ظلت إمكانية استدعائه ممكنة من وقت لآخر من قبل الموساد لتدريب العملاء، وفي بعض الأحيان المشاركة في العمليات بنفسه. تظاهر أحياناً كرجل عربي عجوز بحاجة إلى مساعدة لدخول مبنى لإجراء مكالمة هاتفية عاجلة أو لإجراء اتصال عرضي مع هدف للتجنيد انطلاقاً من فرضية أن الرجل الأكبر سناً أقل احتمالاً لإثارة الشك.


ويعترف في إسرائيل بتقديمه مساهمات كبيرة في أساليب التجسس في البلاد، وتعليم "أجيال" من العملاء الإسرائيليين. في نعي عبر تويتر، قال باراك، الذي خدم بعض الوقت في وحدة المخابرات الإسرائيلية التي ساعد شوشان في إنشائها، إن شوشان "خاطر بحياته مراراً وتكراراً" نيابة عن إسرائيل، مشدداً على أن "أجيالاً من المحاربين تعلمت على يديه، وأنا أيضاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard