مصدر رئيسي لتمويل النظام... "بيزنس الاعتقالات" في سوريا

الأربعاء 6 يناير 202111:00 ص

"الاعتقال والابتزاز المالي للمواطنين يشكلان مصدرين كبيرين لتمويل الدولة وجهازها القمعي (الأمني) على وجه التحديد". هذا ما خلصت إليه دراسة استقصائية على 1200 سجين سابق وعائلات سجناء سابقين في سجن صيدنايا السوري المعروف بـ"المسلخ البشري". 


رصدت الدراسة كيف يُجبر أهالي المعتقلين في السجون السورية "بشكل روتيني" على تقديم الرشى للمسؤولين الفاسدين للسماح لهم بزيارة ذويهم أو الإفراج عنهم أو حتى معرفة أي معلومة عن المختفين قسرياً منهم في ما يشير إلى أن اعتقال وابتزاز السكان السوريين مصدر رئيسي لتمويل نظام الأسد.


الصادم في نتائج الدراسة التي أعدتها رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا (ADMSP) أنها تثبت ممارسة ابتزاز المعتقلين وذويهم مالياً في سوريا إذ بلغت الأموال التي وثقت الدراسة تقديمها كرشى في هذا السجن وحده أكثر من ثلاثة ملايين دولار أمريكي.

"اعتقال وابتزاز السكان السوريين مصدر رئيسي لتمويل نظام الأسد"... نحو ثلاثة ملايين دولار دفعها 1200 سجين سابق أو أهالٍ إلى المسؤولين السوريين لمغادرة سجن صيدنايا أو رؤية ذويهم

شبكة فاسدة تغذيها الحكومة

وفق التقرير النهائي للدراسة، تلقى حراس السجون والقضاة وأفراد الجيش وفي بعض الحالات الوسطاء أموالاً كجزء ضمن "شبكة فاسدة" تغذي جهاز الأمن السيىء السمعة في البلاد بمبالغ مالية كبيرة. ذكر نحو ربع الذين شملهم الاستطلاع أن أموال الابتزاز طُلبت منهم مباشرةً.


أقر بعض المستجيبين للدراسة أنهم دفعوا بضعة آلاف من الدولارات أو أقل، بينما دفع البعض الآخر -خاصة العائلات التي تعيش في المنفى- ما يصل إلى 30 ألف دولار. يقترح التقرير أن إجمالي ما حصل عليه المسؤولون في السجن جراء ابتزاز المعتقلين وذويهم يصل إلى 2.7 مليون دولار مع تكهنات بأن هذه الأموال تساعد كبار أعضاء نظام الأسد على تجنب العقوبات المفروضة على النظام السوري.


من هؤلاء، أحمد - سجين سابق تنقل بين تسعة سجون خلال ثلاث سنوات- دفعت عائلته 30 ألف دولار لإخراجه. قال أحمد: "مثل العديد من العائلات، ظلت عائلتي تدفع 1000 دولار هنا و1000 دولار هناك، على أمل أنها تعطيها لشخص يمكنه الحصول على معلومات. في النهاية دفعت مبلغاً كبيراً لمحامٍ قال لها إن بعضاً منه سيحال إلى قاضٍ والبعض الآخر لقوات الأمن"، حسب زعمه.

بشكل روتيني، يُجبر المعتقلون السوريون أو ذووهم على دفع آلاف الدولارات رشىً فيما يعتقد أن ذلك محاولة لتغذية الجهاز الأمني السيىء السمعة بالأموال في ظل العقوبات على النظام، لكن الأمر كثيراً ما يكون "عملية احتيال" لا تفضي إلى إطلاق المحتجزين

أما عبد الله، فكان في التاسعة عشرة من عمره حين خطط للفرار من الخدمة العسكرية الإلزامية عندما أوقف عند نقطة تفتيش في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2012 واقتيد إلى السجن. بعد التعذيب والاستجواب، أدين في المحكمة بـ "سرقة أسلحة والإرهاب"، وحكم عليه بالسجن 15 عاماً في صيدنايا.


قال عبد الله: "عيّن والداي محامياً لتقليص عقوبتي إلى ست سنوات. دفع المحامي 10 آلاف دولار رشى. أنا وإخوتي الثلاثة ما زلنا نعمل لسداد الديون".


شرح عبد الله أيضاً "الرعب النفسي" الذي يعيشه المعتقلون في هذا السجن والذي يدفعهم إلى الاستجابة إلى أي ابتزاز قائلاً: "كل يوم يموت أربعة أو خمسة أشخاص ويخرجون من الزنزانة بعد تجويع غالبيتهم حتى الموت. كان الحراس يدخلون الزنزانة ويقومون بالضرب الفوري"، مبرزاً أن "الكلام والقراءة كانا ممنوعين" والطعام يسمح به أحياناً عندما لا يكون حراس السجن في حالة مزاجية سيئة، والتعذيب كان مخصصاً للسجناء من السُنّة فحسب.


ونقلت "الغارديان" عن دياب سريح، مؤلف التقرير والشريك المؤسس لـADMSP، أن أموال الابتزاز انتهى بها المطاف في جيوب المسؤولين الفاسدين وأمراء الحرب ما أطلق عليه "الحكومة العميقة التي تحكم سوريا من وراء الكواليس".


وعن دور النظام السوري في ترسيخ هذه الممارسات، قال سريح: "إنها صناعة الاعتقال. النظام السوري مبني على أفرع أمنية واستخباراتية. إنهم يدفعون رواتب متدنية لتشجيع الفساد والرشى تمول هذه البنية التحتية للاعتقال".

وزعم أن هذه السياسة صادقت عليها شخصيات من داخل النظام، وكثير منها يخضع للعقوبات وغير قادر على الاحتفاظ بحسابات مصرفية في الخارج، مبرزاً أن إجمالي الرشى قد يكون "أعلى بكثير" مما كُشف عنه في التقرير.

باعت نادية أرضاً ومنزلاً في سوريا، علاوةً على مجوهراتها، واقترضت أموالاً من أقاربها لتأمين 5000 دولار. لكن طلب منها 5000 دولار أخرى، وعقب تحويل المبلغ كاملاً عبر نظام "ويسترن يونيون" اختفى الأشخاص الذين دفعت لهم واكتشفت أن الأمر كان "عملية احتيال"

الإخفاء القسري "إستراتيجية رئيسية" للابتزاز

وجد التقرير أيضاً أن الاختفاء القسري يعد "إستراتيجية رئيسية" للدولة السورية، تهدف من ورائها إلى السيطرة على الناس وترهيبهم، وقد طالب المجتمع الدولي بالضغط على أنصار النظام، وخاصة روسيا، للكشف عن مصير المفقودين والسماح لأهاليهم بزيارة من لا يزال على قيد الحياة منهم، مع الكشف عن مكان دفن الموتى بينهم والسماح بإجراء اختبار الحمض النووي للرفات لإعادة جثامين الضحايا إلى عائلاتهم.


قدرت هيئات الرقابة الإنسانية اعتقال و/ أو إخفاء قسري لما بين 100 ألف و250 ألف شخص في سوريا مع انطلاق الانتفاضة ضد بشار الأسد في عام 2011، مع تأكيدات بتصاعد هذا العدد في نهاية عام 2012.

"إنها صناعة الاعتقال. النظام السوري مبني على أفرع أمنية واستخباراتية. إنهم يدفعون رواتب متدنية لتشجيع الفساد والرشى تمول هذه البنية التحتية للاعتقال"

وتكثر التقارير حول تعرض عشرات الآلاف من الأشخاص للتعذيب و/ أو القتل في السجون السورية منذ ذلك الحين. مع ذلك، يبقى سجن صيدنايا، في ضواحي دمشق، في عداد أكثر مؤسسات الاحتجاز رعباً.


سريح نفسه كان من السجناء السياسيين السابقين في صيدنايا حيث اعتقل عام 2006 بعد تشكيل مجموعة شبابية معارضة ليقضي خمس سنوات فيه قبل إطلاق سراحه عام 2011 عندما أراد النظام إفراغ السجون لإفساح المجال لاحتجاز النشطاء والمتظاهرين. عقب إطلاق سراحه، فر إلى تركيا ومنها إلى هولندا حيث يعيش الآن.


من الأمور التي سلط التقرير عليها "الاحتيال" الذي تعرضت له عائلات كثيرة دفعت آلاف الدولارات في محاولة للحصول على أخبار عن أحبائها المختفين قسرياً ولم تتلق شيئاً في المقابل.


نادية، لاجئة سورية في لبنان، لم تر زوجها منذ سافر إلى دمشق في كانون الأول/ ديسمبر عام 2012 لتجديد أوراق الهوية مع والده وسبعة آخرين. لم يعرف أنباء هؤلاء جميعاً بعد أن وصلوا إلى حمص. عام 2016، أخبر أحد الجيران نادية أن قريباً له في الجيش قد يساعد في إطلاق سراح زوجها ووالدها مقابل المال.


باعت نادية أرضاً ومنزلاً في سوريا، علاوةً على مجوهراتها، واقترضت أموالاً من أقاربها لتأمين مبلغ الـ5000 دولار. لكن طُلب منها 5000 دولار أخرى، وعقب تحويل المبلغ كاملاً عبر نظام "ويسترن يونيون" اختفى الأشخاص الذين دفعت لهم واكتشفت أن الأمر كان "عملية احتيال".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard