عن العبوسيين والخوف من الضحك

السبت 21 ديسمبر 201902:51 م

"لا وجود لدواء أفضل من الضحك"، قالها الطبيب غالينو بعد مئات من الوصفات والعلاجات لمرضى الإمبراطورية الرومانية، ويقول المثل الأيرلندي: "ضحكة صادقة ونوم عميق هما أفضل علاجين لكل شيء".

لكن لماذا نضحك؟ ما الذي يستدعي أن نطلق قهقهات عالية أو نكتفي بضحكة مجاملة؟ هل المسألة شيء فطري أو غريزي، إذ تقول الأسطورة أنه حتى الحيوانات تضحك؟ كما هو حال الكلب السلوقي الذي "ينبح وهو نائم" (أو سأقول "يضحك" فما الفرق؟ ومن يمكنه التحديد بدقة؟) وهذا ما ذكره بورخيس عن أن "ثمة أشعار لاتينية تتحدث عن كلب ينبح وهو يطارد أرنباً في الحلم".

أم أن الضحك هو ثقافة شعب، فما يضحكني كسوري قد لا يُضحك الصيني بالضرورة؟ وما يجعل اليابانيين "يموتون" ضحكاً لن يثير في الأميركيين سوى عقد الحاجبين والدهشة أو حتى الاستهجان؟

الضحك وبداية الخلق

لقد مُنع كتاب "الضحك" لأرسطو، أو هكذا يروى لنا، لأن الضحك يفتح باباً لشغب الشيطان، ويتركه مفتوحاً أمام الشك ليتسلل إلى قلب وعقل الإنسان، وبالتالي فإن سلطة الإله القوي، الجبار، ستحل كما يحل الرباط المتين ولن يبقى الإنسان رهناً بسلطان أعلى، بل إن المرء لن يرهب جانب القوة في خالقه بعد الآن.

هكذا سيتنازعه ملاكان؛ ملاك الخير بجديته الوقورة، و"الشيطان" بضحكاته الشريرة. هكذا سينوس بين مبدأين أعظمين، الأول تنتهجه معظم الأديان، والثاني تدعمه وتتبناه فلسفات تقول برفع سلطة الدين عموماً من على رقاب الناس، سلطة تحاول أن تبيّن هذين الموقفين على أنهما صراع بين الخير والشر، العقل والجنون، النضج والسذاجة، العلم والسحر، وبذلك تجعل الضحك يبدو في أذهان الرعايا على أنه أمر معيب فيه عدائية الشك والشرّ والشرك.

كما يخبرنا إدواردو غاليانو في كتابه "مرايا/ ما يشبه تاريخاً للعالم" كيف أن الاحتفالات القديمة بمواسم الطبيعة صارت تسمّى "عيد الميلاد" و"أسبوع الفصح" فبعد أن كان الناس يتدحرجون من الضحك في مهرجان مجيء الربيع، تحولت احتفالات الضحك والفرح الصاخب، بقرار من الكنيسة الكاثوليكية، إلى "طقوس عبادة لإله لم تسجل الأناجيل أنه ضحك مرّة واحدة"، وفي الميدان الفسيح حيث كانت تتردد قهقهات الحشود الفرحة بالانبعاث الجديد "يسمع الآن صوت البابا المهيب يرتل صفحات من الكتاب المقدس؛ الكتاب الذي لا يضحك فيه أحد على الإطلاق".

الكوميديا والتراجيديا قطبا كوكب يدعى الحياة

هل يمكن أن نفكر بالكوميديا بدون قطبها الآخر العظيم، اللصيق، المعاند والمنافس: التراجيديا؟ وفي الوقت نفسه الشبيه بنقطة جوهرية، أنهما يلتقطان تلك اللحظات الأكثر تأثيراً في النفس البشرية على مدى الأزمان. فكلاهما يمكّناننا نحن البشر من أن نهزم زوالنا بابتسامة رضى وقناعة مذهلة.

لكن بعد أن كانت الكوميديا أرقى من التراجيديا في عصر أرستوفانيس، الذي آمن بأن الشيء المقدس الوحيد هو الحق في الضحك، وبعد أن شاعت فكرة أن الكوميديا هي وسيلة لتقديم صورة مخففة ومسلية عن البشر لآلهة إغريقية عابثة ماجنة تراقبنا ككائنات عنيفة ومكررة وناقصة، إلا أن الكوميديا تعرضت لصفعات مؤلمة عبر التاريخ جعلتها تنكفئ وتتخفى وتطبع في أماكن سرية، فرابليه وفولتير سجنا بسبب كتاباتهما التهكمية واعتقل سرفانتس بعد أن كان يمتدح لكتاباته الشيقة، كما لو أن العبوسيين، أصحاب السلطات الملكية، لم يتحملوا تلك الجرعات النقدية الساخرة التي شكلت تسلية ومتنفساً للناس عبر عصور طويلة. علماً أن "العبوسيين" ككلمة، ابتكرها رابليه ليعرّف أولئك الذين لا يعرفون الضحك، والذين بسببهم كاد أن يتوقف عن الكتابة، لولا أنه كشف بهذه الكلمة أهمية وجودهم أنفسهم بكونها تكشف الستارة عن جمالية الأضداد وجوهرها الأبدي.

كتاب "الضحك والنسيان"

ملفت جداً هذا العنوان، فما هو الرابط فعلاً بين الضحك والنسيان؟ إن كونديرا الروائي التشيكي، وعبر كل رواياته يقدم لنا قسوة الحياة بخفة ساحر، لا ينكر أن البشاعة أو الألم هو الأبقى لأنه مرتبط عملياً بالجسد البشري المادي، لكنه يعرف بحكمة الروائي أن نكهة الكوميديا ضرورية جداً لننسى آلامنا، لنجعلها تعبر على سطح ماء حياتنا بأكبر قدر ممكن من الخفة، وبما يجعلنا نتقبل فكرة الألم بضحكة تضعنا في الطرف الآخر من الموت، ألا وهو الخلود.

كونديرا يعرّف الضحك على أنه: "تعبير الكائن عن فرحه بأن يكون موجوداً، وبمثل ما يتأوّه المرء آن يصيب الألم جسده، هكذا ينفجر بهذا الضحك الانتشائي، يغدو بلا ذكرى ولا رغبة، إذ يرمي صراخه في لحظة العالم الراهنة، ولا يودّ أن يعرف شيئاً غير ذلك".

اللافت في هذا التعريف الروائي للضحك هو عبارة "وبمثل ما يتأوّه المرء لحظة يصيب الألم جسده"، إنها جملة دقيقة لدرجة مذهلة، إنهما قطبا الحياة اللذان يسيران في الواقع كصورة وظلها، كجملة شعرية وطباقها اللغوي، فالضحك في ذروته يشبه بل يكاد يتطابق مع الألم في ذروته، وكلنا نعرف التعبير الشائع: "رح موت من الضحك" أو "تقطّعت خواصري من كتر الضحك" أو "رح يوقف قلبي من كتر ما ضحكت"، وكأن كلاهما، أي الضحك والألم، يرميان الكائن البشري في مواجهة مع المطلق، لأنهما يرمياه بالضبط فيما وراء الواقع واللحظة الراهنة.

كلنا نعرف التعبير الشائع: "رح موت من الضحك" أو "تقطّعت خواصري من كتر الضحك" أو "رح يوقف قلبي من كتر ما ضحكت"، وكأن كلاهما، أي الضحك والألم، يرميان الكائن البشري في مواجهة مع المطلق، لأنهما يرمياه بالضبط فيما وراء الواقع واللحظة الراهنة

بعد أن كان الناس يتدحرجون من الضحك في مهرجان مجيء الربيع، تحولت احتفالات الضحك والفرح الصاخب، بقرار من الكنيسة الكاثوليكية، إلى "طقوس عبادة لإله لم تسجل الأناجيل أنه ضحك مرّة واحدة"

أدب النكتة

"يَكْوي ويشفي الناس، بنيران كتاباته، من الجرب النفسي الثقافي"، هكذا وُصف مرة الكاتب السوري بوعلي ياسين، صاحب الكتب التي هزّت نفوس السوريين بجرأتها وصدقها، بتلك النكهة الساخرة التي كسرت الخوف من المحرّمات السياسية والدينية والجنسية، هذا "الثالوث المحرم" في مجتمعاتنا التي تتوجس رعباً حتى من نكتة تقارب أياً منها، بما يجعل النكتة الممنوعة نفسها متداولة بين الناس بأسرع من الريح، ويجعل كل من يتداولها يطلق روحه لجرأة أن يضحك على نفسه أولاً، وعلى ما يعتقد أنه قناعات صلبة لديه، قناعات تكشف النكات الجريئة عن أن أجمل ما فيها هو عدم يقينيتها، وأن أجمل ما في الإنسان هو أنه أسمى من أي أيديولوجيا دينية أو فكرية أو اجتماعية، وأن نقاط تلاقي النوع البشري هي أعظم من نقاط تباعده، لسبب مهم جداً هو هشاشة الكائن البشري أمام عظمة الكون، فـ"الفَكِهُ هو الأقوى لأن له نافذة على الحرية"، هكذا صاغها الشاعر الراحل أنسي الحاج.

كيمياء التواصل

اسألوا أي شخص عن صفة محببة فيمن يرغب أن يصادقه أو أن يرتبط معه بعلاقة حب وزواج، أعتقد أنها ستقول: المرح. إنها صفة المرح الخفيف الذي يحمل إلينا الفرح في العيون المبتسمة، في موسيقى الضحكة الصادقة، ولن أقول الرقيقة أو الصاخبة، فليس بالضرورة كل الضحكات والقهقهات تفرحك، بل على العكس قد تودي بك إلى حالة غضب وضجر حقيقيين.

هناك ضحكات تلفك بحنان، وأخرى تنقل إليك عدوى الضحك لجاذبيتها التي لا ترد، وضحكات مفاجئة كأنها كانت محبوسة خلف سد من الكبت أو في قمقم الخجل والخوف، وهناك ضحكات تجعلنا نورق، إنها ضحكات الأطفال الصغار.

ويصير معنا في الواقع أننا نحتال على ما نريد قوله صراحة ولا نقدر فيبقى كالشوك في حلقنا، يصير أننا نضعه بقالب كوميدي على شكل عتاب خفيّ يحمل جزءاً من الحقيقة في طيات النكتة. فكما المواجهة والانتقاد المباشر هو جرأة تحتاج إلى قوة إرادة وعقل بارد وصادق، أيضاً هي النكتة أو المزاح غير المباشر يحتاج منا ذكاءً ولباقة وقدرة على التقاط اللحظة المناسبة لقول النكتة، بقصد إيصال موقفنا الشخصي. وفي كلتا الحالتين تبقى الرقة مطلوبة، محببة، ومستجاب لها أكثر من القول اللاذع حتى لو كان صائباً.

الفكاهة انعتاق

لكن لأعود إلى تساؤلي: هل الضحك ثقافة مجتمع تختلف باختلاف البيئة وتغير الشعوب؟

أعتقد أنه مهما يكن من تعريف أو من سبب وراء الضحك، فإنه على ما يبدو، حاجة قبل أن يكون ثقافة مجتمع، شيء فطري قبل أن يكون عادة مكتسبة، بل نزوع نحو الانعتاق من ضغوط العيش ورغبة في الاحتيال على فنائنا.

إن عظماء الكتاب العالميين استطاعوا أن يجعلوا كتاباتهم تسافر عبر أصوات الضحكات في أرجاء العالم كلها، فنحن وبكل تلقائية نضحك لكتابات سرفانتس الإسباني في كتاب الدون كيخوته العظيم، وكوميديا موليير الفرنسي، وندون تلك الملاحظات المضحكة والفلسفية التي كان يطلقها جورج برناردشو الأيرلندي في جلساته وكتبه، مروراً بكوميديا التلفزيون ومقالب تشارلي تشابلن الأميركي، كما نرى كآبتنا المضحكة في قصص عزيز نيسين التركي، وصولاً إلى حسيب كيالي السوري، وبوعلي ياسين الذي كشف كم نحن، كشعب عربي سوري، بحاجة حقيقية للضحك، تماماً كما هي حاجتنا للأكل والشرب، لأنه ينقذنا من مآسينا وخيباتنا، ويجعلنا أقدر على تقبّل عيوبنا وقسوة المحرّمات الثلاثة المفروضة علينا كأنها حكم قضائي أبدي غير قابل للطعن... ولو بنكتة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard