"ضربني زوجي لكنّي بنت أصول ولن أتوجّه للشرطة الإسرائيليّة"... حين تعنَّف المرأة المقدسيّة

الأربعاء 25 نوفمبر 202002:28 م

لا يُمكن فصل واقع المرأة الفلسطينيّة في مدينة القدس، عن السياسة الاستعماريّة التي تنتهجها إسرائيل في مدينة القدس، وبالتالي فإنّ وصف القمع الأبوي الذكوري الذي تعاني منه الفلسطينيات في كافة أنحاء البلاد، مرتبط بحالة جيوسياسية مختلفة، ناتجة عن هيمنة القانون الإسرائيلي، والفقر وانعدام الرؤى المستقبلية فيما يتعلق بالسياق الجغرافي السياسي الحالي، مما أدى إلى عواقب نفسية خطيرة على حياة المرأة في المدينة.

كما أنّ تأثير الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب عدم المساواة بين الجنسين نتيجة للحواجز الاجتماعية والثقافية، أدى إلى تفاقم أوضاع معظم النساء الفلسطينيات في القدس.

وبحسب مؤسسة "كوبي" الإيطاليّة للتعاون والتنمية فإن الكثير من نساء القدس كنّ وما زلن ضحايا للعنف. ففي حين أنّ 19٪ منهنّ فقط ينخرطن في سوق العمل، تظلّ نسب عالية قبالتها عرضةً لظروف اجتماعيّة صعبة؛ فقد سجّلت حالات من العنف الأسري ومن الاضطراب النفسي الناتج عنه لدى النساء في السنوات الأخيرة.

لا يُمكن فصل واقع المرأة الفلسطينيّة في مدينة القدس، عن السياسة الاستعماريّة التي تنتهجها إسرائيل في مدينة القدس.

المرأة المقدسيّة بين نارين

فيما يخص عدد النساء المعنّفات اللواتي يتوجهن للقانون الإسرائيلي، قالت مديرة مؤسسة "سوا" المناهضة للعنف ضد النساء والأطفال، أُهيلة شومر، في حديث لرصيف22: "نسبة صغيرة جداً منهنّ يلجأن للشرطة الإسرائيلية، قد لا تتجاوز 1٪، فيما تُعتبر النسبة في مناطق 1948 (فلسطينيو الداخل المحتل) أعلى من ذلك، بسبب وعيهن الأكبر بالقوانين الإسرائيلية، على عكس النساء في القدس".

وقالت شومر إن "النساء الفلسطينيات في القدس يؤقلمن أنفسهنّ على التعرض للعنف، ويعتبرن أن هذا هو الحل الوحيد، وحتى في الحالات التي تضطر المعنّفة للذهاب للمستشفى لتلقي العلاج، فهي لا تشتكي على الرجل المُعنِّف".

في كثير من المرّات تضطر المرأة المعنفة لسحب الشكوى عُنوةً، بسبب الضغط المجتمعي، ما يؤدي إلى فقدان الشرطة الثقة بهن، فتعتبر الشرطة أنّ أي شكوى منهن عبارة عن "بلاغ كاذب". وأشارت شومر إلى عدم وجود بيوت آمنة لاحتواء النساء المعنّفات بشكل كاف في منطقة القدس، بالإضافة إلى اعتبارها "بيوت إسرائيلية"، فهي نفسياً غير آمنة بالنسبة لهن.

وتشير "ورقة الحقائق" التي تصدرها مؤسسة "سوا" بشكل نصف شهري تتضمن إحصائيات عن أعداد النساء الفلسطينيات المعنّفات، إلى أنّ 16 امرأة فلسطينية في القدس توجّهن للمؤسسة إثر تعرضهن للعنف خلال أسبوعين من شهر أيلول/ سبتمبر الماضي.

نظرة المجتمع الفلسطيني في القدس للمرأة التي تلجأ للسلطات الإسرائيلية في حال تعرضها للعنف لا تبدو متفهّمة البتّة. تقول المحامية في مجال حقوق الإنسان نسرين عليان لرصيف22: "على الرغم من أن القانون الجنائي الإسرائيلي يضمن حقوق النساء اللواتي يتعرضن للعنف، إلّا أنّ توجه المرأة الفلسطينية إلى الشرطة لا يعتبر أمراً دارجاً ومقبولاً على الصعيد المجتمعي، وذلك يعود للفجوة والنفور بين الفلسطينيين في القدس والسلطات والقانون الإسرائيلي، وعدم اعترافهم به".

وأضافت عليان: "لجوء المرأة الفلسطينية إلى القانون الإسرائيلي قد يؤدي إلى نبذها اجتماعياً، بدءاً من عائلة زوجها ومن ثمّ عائلتها. إنّ توجه المرأة في القدس إلى القانون الإسرائيلي يحوّل حياتها إلى عذاب دائم وعنف متجدد وخاصة في حال بقيت هي وأولادها في منزل زوجها الذي غالباً ما يقع في محيط عائلته".

وتعتقد عليان أنّه حتى في حال عودة المرأة للسكن عند عائلتها، فستعاني من اللوم ووصف تصرفها باللجوء للقانون الإسرائيلي بـ "العمل غير المُشرف". وتقول عليان: "في أغلب الأحيان، لا تُدعم المرأة المعنّفة في المجتمع المقدسي من قبل عائلتها، بل توجّه الأخيرة اللوم لها أيضاً، وتعتبروها مصدراً لـ "العار" والعبء على العائلة".

"لجوء المرأة الفلسطينية إلى القانون الإسرائيلي قد يؤدي إلى نبذها اجتماعياً، بدءاً من عائلة زوجها ومن ثمّ عائلتها"

يواجهن الابتزاز والاستدراج

حوادث عنف كثيرة بحق النساء الفلسطينيات في مدينة القدس، تتّسم بالابتزاز العاطفيّ واستدراج الشفقة أو الخوف. إحدى هذه القصص ترويها ميران (30 عاماً، اسم مستعار)، وهي من بلدة الطور وسط مدينة القدس المحتلة: "هاجمني زوجي في الشارع وضربني في معدتي؛ في مكان سبق وخضع لعملية جراحية. لم يُعر اهتماماً للمارة والمتواجدين في المكان، وظلّ يضربني حتى أغُمى علي. وحينما استفقتُ من الغيبوبة وجدت نفسي داخل المستشفى، وحولي أطباء وممرضات والشرطة".

وتضيف ميران التي أنجبت من زوجها 4 أطفال: "بعد أن هدأت، جاءني محقق في الشرطة، وسألني إن كنتُ تعرّضت للعنف من قبل أي شخص، فأجبته بأني وقعت في المنزل ولم يتعرض لي أحد". ورداً على سؤالي حول عدم قول الحقيقة بخصوص ما حدث معها، قالت ميران: "أنا بنت أصول؛ من المستحيل أن أشكي زوجي للشرطة فيحبسوه". وأردفت قائلة: "أهلي ليسوا مستعدّين لاستقبال أبنائي. كما أنني لست مستعدةً لأن أتركهم يعيشون في ملجأ أو ما شابه". لاحقاً، لجأت ميران إلى محامٍ شرعي لطلب الطلاق والنفقة واستئجار بيت مستقل لها ولأبنائها، لكنها تراجعت جرّاء ضغط اجتماعيّ وعائلي، وعادت إلى زوجها، الذي بدوره عاد لتعنيفها جسدياً ونفسياً ولفظياً بعد مدة قصيرة.

العنف النفسي والابتزاز، هما أشكال العنف الدارج في مدينة القدس، ذلك ما حدث مع مي (عشرينيّة، اسم مستعار). وهي شابة انفصل والداها، وقد تزوجا مرة أخرى وكوّنا عائلتين جديدتين. لذا فقد قررت مي أن تعيش وحدها، وتحمل أعباء الحياة والسكن. لا تعرف ميّ اللغة العبرية، فلم يكن من السهل عليها أن تجد عملاً براتب جيد في مكان إسرائيلي يغطي مصاريفها، فاضطرت أن تعمل في محل للملابس في مدينة القدس، براتب قليل.

تقول مي: "حاول صاحب المحل أن يتقرّب مني ويغازلني، حاولت أن أصده بطريقة مؤدبة، لكنه أصرّ على التقرّب إلى حدّ التحرش".

وتضيف: "بدأ يدعي أنه يُحبني وجَديّ برغبته بعلاقة رغم أنه متزوج. كما وعدني أن يرتبط بي كزوجة ثانية، على شرط أنّ نخرج معاً في رحلة إلى مدينة تل أبيب. وافقت بشرط أنّ لا يقوم بمحاولات جنسية، وأنّ لا نقوم بذلك إلا بعد الزواج، فوافق". رغم ذلك لم يفِ صاحب محل الملابس بوعده لمي وتحرش بها، صدته واعتدى عليها جنسياً، بحسب ما تقول. وتتابع حديثها: "هددته بأنّ أبلغ الشرطة، لكنّه ابتزّني بدعوى أنه سيبلغ أهلي أنني خرجت معه إلى مكان بعيد موثقاً ذلك بالصور والفيديو".

تقول مي: "فقدت عملي، وفقدت ثقتي بالرجال. حاولت مرات أخرى أن أجد عملاً مناسباً، لكن في كل مكان أبحث فيه عن عمل كنت أشعر بعدم الأمان، وبأنّ محاولات تحرش تنتظرني هناك".

"إنّ قضية المرأة في القدس خاصة جداً. فهي تعاني من صراع القوانين، في الوقت الذي تتواجد فيه عدة آليات قمع مبطّنة. هذا بالإضافة إلى الظروف المادية والاقتصادية غير الداعمة، لذا فإن العلاقة تناسبية بين الحالة السياسية والعنف ضد المرأة في المدينة"

مسؤوليّة الشرطة الإسرائيليّة

عن كيفية دفاع المرأة الفلسطينية في القدس عن نفسها ضد العنف الذكوري، تقول الباحثة والمحاضرة في مجال دراسات المرأة د. نادرة شلهوب لرصيف22: "ينظر المجتمع الفلسطيني في القدس بنظرة سلبيّة للمرأة التي تلجأ للشرطة الإسرائيليّة عند تعرضها للعنف، وذلك يشكل عائقاً نفسياً للمرأة المقدسية باللجوء للقانون للدفاع عن نفسها".

تعتقد شلهوب أنّ سكوت المرأة عن عنف زوجها أو أحد أفراد عائلتها قد يؤدي إلى القتل أو التسبب بإعاقة مستديمة، وقد حصل هذا الأمر بالفعل في العديد من المرّات.

وتتابع شلهوب حديثها قائلة: "إنّ قضية المرأة في القدس خاصة جداً. فهي تعاني من صراع القوانين، في الوقت الذي تتواجد فيه عدة آليات قمع مبطّنة. هذا بالإضافة إلى الظروف المادية والاقتصادية غير الداعمة، لذا فإن العلاقة تناسبية بين الحالة السياسية والعنف ضد المرأة في المدينة". إنّ فشل القانون الإسرائيلي بالحد من العنف الذكوري بحق النساء في مدينة القدس، كونه لم يراعِ التعقيدات الخاصّة بالمجتمع المقدسي، ولم يراعِ خاصيّة المجتمع في لوم الضحية دائماً"، بحسب شلهوب.

وفي السياق، تستذكر الباحثة قصة إحدى ضحايا العنف الذكوري ضد امرأة من القدس حدثت قبل عدة سنوات، إذ طلبت هذا المرأة المساعدة من الشرطة سبع مرات، وفي المرة الأخيرة سجنوها. "حينما خرجت من السجن قتلها زوجها، في هذه الحالة أُحمل الشرطة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن الحادث"، تقول شلهوب.

لا تتأخّر النساء الفلسطينيات في مدينة القدس عن المشاركة في أيّ حراك داعم للمرأة ويناضل ضد العنف بحقها.

المجالس العشائرية: المرأة خارج اللعبة

كثيراً ما تلجأ العائلات الفلسطينية في القدس للحلول العشائرية في سبيل حلّ النزاعات الزوجيّة، ما يمنع صاحبات الشأن، أي المعنّفات، من التدخّل في أي حلول مقترحة أو حوار يتعلق بقضاياهن الشخصية، بحسب المحامية نسرين عليان، التي تقول: "ينوب الرجل من عائلة المرأة عنها في المجالس العشائرية، وهو أمر محتم بالنسبة للعائلة ولا يمكن للمعنّفة أن تعارضه لأنّ ذلك قد يسبب لها خسارة أهلها وأهل زوجها".

وتؤكد عليان أنّ المرأة الفلسطينية في القدس عند تعرّضها للعنف تكون محصورة بين حلّين صعبين، إما أن تلجأ للقانون فتخسر حياتها الاجتماعية، وإما أنّ تلجأ للمجالس العشائريّة فتخسر حقها حتى في مناقشة قضيتها.

وتضيف: "في كافة الأحوال، ستبقى المرأة المعنّفة في القدس ضحية حتى عندما تحاول انتزاع حقها". وقد تحدث حالات نادرة لا تخضع فيها المرأة إلى قوانين العشائر. فثُرية (22 عاماً، اسم مستعار) من منطقة "شعفاط" شمالي القدس المحتلة، لم تتردّد عندما تعرضت وهي وطفلها للعنف على يد طليقها حينما كانا متزوجان. تقول ثُريا: "تعرّضت للعنف بعد فترة قصيرة من الزواج، وحاولت أنّ أتماشى مع ذلك حتى لا يقال عني مطلقة".

وأضافت: "لكن حينما وصل العنف ليطال طفلي، لم أتردّد باللجوء إلى الشرطة. وبالفعل سُجن زوجي مدّة ما يقارب العام عندما أثبتتُ في المحكمة أنني وأبني نعاني من العنف. ومن ثمّ حصلت على الطلاق".

واجهت ثريا العديد من الانتقادات الاجتماعيّة، ومحاولات التوسّط العشائري. لكنها رفضت بشكل قاطع، لاعتقادها أنّ هذه الحلول لن تحد من عنف زوجها بحقها وبحق طفلها.

كثيراً ما تلجأ العائلات الفلسطينية في القدس للحلول العشائرية في سبيل حلّ النزاعات الزوجيّة، ما يمنع صاحبات الشأن، أي المعنّفات، من التدخّل في أي حلول مقترحة أو حوار يتعلق بقضاياهن الشخصية

أمام آلة النبذ الكبيرة

لا تتأخّر النساء الفلسطينيات في مدينة القدس عن المشاركة في أيّ حراك داعم للمرأة ويناضل ضد العنف بحقها، ومن أهم هذه المبادرات حراك "طالعات"، الذي انطلقت في مدينة حيفا، مروراً بعدة مدن عربيّة وفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، تحت شعار "لا وجود لوطن حرّ إلّا بنساء أحرار".

مئات الفلسطينيات في القدس شاركن في العام المنصرم في حراك "طالعات" وسط المدينة، رافضات مشاركة الإسرائيليات، كونهن يعشن تحت منظومة استعمارية، ويواجهن العنف بشكل يوميّ ومُضاعف. لكن على الرّغم من هذا الحراك إلا أنّ الحالة الاجتماعيّة السياسيّة التي تسيطر على المجتمع الفلسطيني في القدس أدت إلى وجود العديد من حوادث العنف ضد النساء الكثير منها بقيت كتمان السرّ.

ولعل أبرز جرائم القتل بحق النساء، والتي ما زالت عالقة في أذهان المقدسيين هي جريمة قتل الشابة ميناس قاسم التي نُفّذت قبل قرابة 7 أعوام. "خيبة أمل عاطفية"؛ هكذا وصفت الشرطة الإسرائيلية الدافع وراء قتل شاب للضحية ميناس قاسم، الذي لم يكتف بقتلها، بل رمى بجثتها في واد شماليّ الضفة الغربية. قاتل ميناس قاسم، حاول الاعتداء عليها وابتزازها لإرغامها على الارتباط به، لكنها درءاً للفضيحة والنبذ الاجتماعي لم تلجأ لأي من القانونين العشائري أو الإسرائيلي.

ميناس قاسم وغيرها من الضحايا الإناث في مدينة القدس، لو كان أمامهن خيار يضمن حقوقهن وحمايتهن دون نبذ اجتماعي وفزاعة "الفضيحة" وردود الأفعال العنيفة، وبعيداً عن الاحتلال، لكانت حياة المرأة الفلسطينية في القدس أكثر أماناً. وربّما قد تستطيع حينها أن تسلط جهودها على المشاركة المجتمعية والمساواة وصنع القرار ومقاومة الاحتلال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard