جبروت أم كلثوم وعبد الحليم... والسينما تحمي أغاني المستضعفين

الأحد 17 يناير 202105:09 م

كنت أحسب الحسد خاصّاً بحكام أوتوا نصيباً وافراً من الثروة، وحظّاً مطلقاً من السّلطة، ولكنهم يستكثرون على المبدعين "ما آتاهم الله من فضله"، فيحاولون مجاراة الشعراء والساردين بإصدار أعمال "أدبية" يشيد بها نقّاد محدودو القيمة وأدباء متوسطو القامة. 

معرض القاهرة الدولي والقذافي

في سنوات الحصار (1991 ـ 2003) انشغل صدام حسين بكتابة "روايات" تمتعت عناوينها بإيجاز لم يعرفه القذافي، مفرط البذخ، ألقاباً وثياباً وخياماً، ولم يجرؤ أحد على نصحه بفضيلة اختصار عناوين كتبه. في عام 1997 نظم معرض القاهرة الدولي للكتاب ندوة لمناقشة مجموعته "القرية القرية، الأرض الأرض، وانتحار رائد الفضاء، وقصص أخرى"، وقد نشرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب، بمقدمة لرئيسها سمير سرحان.

في فيلم "وداد"، الذي قامت ببطولته أم كلثوم، غنّى المطرب عبده السروجي "على بلد المحبوب".  "ولما نالت هذه الأغنية نجاحاً كبيراً، وشهرة واسعة، طلبت أم كلثوم تسجيلها على أسطوانة بعد استئذان صاحبها". وما كان فعل الاستئذان هذا إلا قنصاً، وتعمّداً للاستيلاء على العمل

في تلك الندوة النوعية بالفيديو كونفرانس، تابع القذافي، بتعالي المتعالم، اجتهادات نقاد مساكين يحاولون النفاذ إلى جوهر الدلالات الإنسانية والثورية. لا يذهب القذافي إلى أحد، وهم يذهبون. وبالترغيب وحده، قصده وفدُ الاتّحاد العام للأدباء والكتاب العرب، في أكتوبر 2009 في مدينة سرت.

وبالصفة الأدبية للقذافي نال درع العام للأدباء والكتاب العرب الذي نظم مائدة مستديرة عنوانها "النص الأدبي لدى المبدع معمر القذافي"، أثنى فيها على خيال الزعيم نقّادٌ وروائيون يتشمّمون رائحة النفط، زيّنوا له سوء عمله فرآه حسناً. هؤلاء المشتاقون يحصدون حالياً جوائز الإبداع، ولا أظنهم يترحمون على الزعيم الذي يجور الآن على مقال مخصص لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ.

أغنية "على بلد المحبوب"

في فيلم "وداد"، الذي كتبه أحمد رامي وقامت ببطولته أم كلثوم عام 1936، غنّى المطرب عبده السروجي "على بلد المحبوب". وتقول الدكتورة رتيبة الحفني في كتابها عن أم كلثوم: "ولما نالت هذه الأغنية نجاحاً كبيراً، وشهرة واسعة، طلبت أم كلثوم تسجيلها على أسطوانة بعد استئذان صاحبها". ولا أفهم طبيعة الاستئذان إلا أنه قنصٌ، وتعمّد الاستيلاء على عمل هو ابن شرعي لأبيه. ومن حسن الحظ أن تتاح الأغنية بصوت السروجي (1908 ـ 1987)، على عكس أغنيات أقل حظّاً مثل "أماني" التي كتبها أحمد رامي، ولحنها وغنّاها عباس البليدي، بطلب من أول مدير للإذاعة المصرية محمد سعيد لطفي، شقيق أحمد لطفي السيد.

أغنية "أماني"

لحّن البليدي (1910 ـ 1996) أغنية "أماني" التي يقول مطلعها: أغار من نسمة الجنوب/ على محيّاك يا حبيبي. وأذاعتها الإذاعة بصوته في 31 يوليو 1942. وظلت الأغنية تذاع، إلى أن راق لأم كلثوم أن تغنّيها، وتولى رياض السنباطي تلحينها، وقدمتها في حفل مساء 17 يناير 1957، واشتهرت بعنوان "أغار من نسمة الجنوب". وتمّ  حجب "أماني" البليدي، وامتنعت الإذاعة عن تقديمها منذ بداية 1957، فهل طلبت أم كلثوم ألا تذاع، وكانت طلباتها أوامر؟ لا أحد يعلم، ولكن النتيجة أن أغنية "أماني" اختفت، لتلحق بمصير أغنية "إلى عرفات الله"، شعر أحمد شوقي وتلحين عبد الفتاح بدير، وغنّتها نجاة علي في أكتوبر 1949.

من الحسنات غير المقصودة للسينما المصرية صوْن الأغاني من التآمر والأحقاد. هكذا اختبأت أغنية السروجي "على بلد المحبوب" في شريط فيلم "وداد" لأم كلثوم، فأمكن الرجوع إلى الأغنية، بعدما حجبتها الإذاعة

قصيدة عرفات

أمام جبروت "الست"، لم يشفع لنجاة علي (1914 ـ 1978) تاريخها، وتقاسمها بطولة الفيلم الغنائي "دموع الحب" مع محمد عبد الوهاب عام 1935. وفي أكتوبر 1951 طلبت أم كلثوم تسجيل قصيدة "عرفات"، وفي 24 أكتوبر 1951 نشرت مجلة "الصباح" اعتذار الإذاعة، "لأن السيدة نجاة علي سبق أن سجلت هذه القصيدة، ودفعت الإذاعة قيمة التأليف والتلحين والغناء، ولا يمكن أن تدفع ثمنها مرة أخرى... ومن الأكرم لها، وهي نقيبة الموسيقيين التي تحرص على حقوق الفنانين أن تعدل عن غنائها". ولكن السنباطي لحن القصيدة، تاركا الصراع مع الإذاعة لأم كلثوم التي قدمت الأغنية في حفل مساء 6 ديسمبر 1951، لتختفي النسخة السابقة.

من الحسنات غير المقصودة للسينما صوْن الأغاني من التآمر والأحقاد. هكذا اختبأت أغنية السروجي "على بلد المحبوب" في شريط فيلم "وداد" لأم كلثوم، فأمكن الرجوع إلى الأغنية، مهما تحجبها الإذاعة. ومن المفارقات أن تحمي أفلام ذوي السطوة أغنيات المستضعفين، ففيلم "الوسادة الخالية"، عام 1957، تضمّن خمس أغنيات، أربع منها لبطله عبد الحليم حافظ، منها واحدة لحّنها كمال الطويل الذي لحّن الأغنية الخامسة "أسمر يا اسمراني" لفايزة أحمد. فيلم عبد الحليم أنقذ الأغنية الناجحة لفايزة أحمد من غيرة عبد الحليم الذي طمع في اللحن، وطلب إلى صديقه كمال الطويل غناء "أسمر يا اسمراني"، ومارس سلطته في منع إذاعة أغنية فايزة أحمد، فنسِيت.

"أسمر يا اسمراني" لفايزة أحمد

غيرة عبد الحليم من أغنية "أسمر يا اسمراني" لفايزة أحمد سبقت عرض الفيلم، في 7 أكتوبر 1957، فغنّاها في عدة حفلات. ويسجل عمرو فتحي في كتابه "موسوعة أغاني عبد الحليم حافظ" (دار الكرمة 2019) أن الأغنية بصوت عبد الحليم سجلت على أسطوانة "كايروفون" (HPC256) بتاريخ 15 مايو 1956، وأنه قدّمها في حفل نادي الفرسان بالقاهرة (24 يونيو 1956)، وحفل الإذاعة (11 أبريل 1957).

فهل كان إلحاحه استباقاً لعرض فيلم لا يستطيع إجبار منتجه أو مخرجه صلاح أبو سيف على استبعاد الأغنية بصوت المطربة السورية؟ ربما. ويعزّز هذا الافتراض أنه غنّى "أسمر يا اسمراني" في حفل بسوريا، في 6 يوليو 1958.

صدقت نبوءة سعد زغلول لأحمد شوقي بخلود المبدع لا السياسي

فرق كبير بين غيرة مذمومة تجعل أقوياء بالسلطة يمحون إنجاز آخرين، "حسداً من عند أنفسهم"، ورغبة محمودة في تجميل الصوت بأغنية تنسب إلى أصل واحد. من الأغنيات التي زيّنت أصوات مغنّيها، جيلاً بعد جيل، "مُضْـناك" كلمات أحمد شوقي، وقد لحنها عبد الوهاب وغنّاها عام 1949.

وممن توالوا على غنائها: السوري صفوان بهلوان، والمغربيان عبد الهادي بلخياط ورشيد غلام، والتونسيون صابر الرباعي وأسماء بن أحمد وحسن الدهماني، والفلسطيني إياد الأسدي، والإماراتي حسين الجسمي، والسعودي غازي علي، والكويتي عبد الله الرويشد، ومن المصريين عادل مأمون وعلي الحجار ومحسن فاروق وأنغام ومحمد محسن. وصدقت نبوءة سعد زغلول لأحمد شوقي بخلود المبدع لا السياسي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard