کیف ننتشی بحواسّنا الخمس؟ (3. البصر)... تجلّيات العشق وألوانه في أقدم الجوامع الإيرانية

الخميس 14 يناير 202105:36 م

يأتي هذا المقال ضمن ملفّ "کیف ننتشي بحواسّنا الخمس؟"، باقة صغيرة من البهجة لشهر يناير، من قبل رصيف22 بمناسبة العيد وحلول عام 2021. يتعلق كلّ مقال بإحدى الحواسّ الخمس، وما يجعلها تنتشي، رغم المتاعب التي تلاحقنا هذه الأيام، رغم البرد، ورغم البُعد عن الأحبة والحجر والحنين. إنها خمس شعلات تمرّ عبر أجسامنا لتدفّئ أرواحنا. كلّ عام وأنتم بخير.


للعين طريقٌ إلى أقبية الوجود التي تنتظر الضوء. تنتظر تلك المساحات الصامتة أن ترى العينُ شيئاً، لوناً، ألواناً، ضوءاً وظلاً لتصيح: "الله!". الأفق، البحر، الجبل، الغيم، الأزهار، حُسن الوجوه، تناغم الأجساد، الشبابيك المشرعة، الشجرة، الأخضر، الأزرق، الفيروز، الغروب، الشروق، وطرقٌ كثيرة أخرى تمرّ عبر العين نحو تلك الأقبية، تارةً كلّ شيءٍ بمفرده وتارة جنباً إلى جنب شيءٍ آخر، لتُخلق لحظات تجلٍّ وسُكر تقول لخَمرِ العالم: إليك عنّي!

نعم، للعين أيضاً طريقٌ إلى نشوة الرّوح، تتسرّب رويداً رويداً عبر هذه النافذة الصغيرة في وجوهنا، لتجتذبها "عينُ السِّرّ" حسب تعبير جلال الدين الرّومي (مقابل ما سمّاها "عين الرأس").

لا نذهب في هذا المقال الخاص بالنشوة البصرية إلى المشاهد الطبيعية الخلابة أو ما ورثناه من تعاليم دينية وشعبية تقول إن النظر إلى الماء والخضرة والوجه الحسن متعة للعين؛ هنا بعض الجوامع الإيرانية بحثتُ عنها في كلّ رحلةٍ إلى أيٍّ من المدن لتهديني من بين ثناياها كلّ ما هناك من شجر وشمسٍ وبحر وضوء وألوان. بُنيت هذه الجوامع عبر التاريخ في أهمّ المدن الإيرانية التي كانت غالبيتها عواصمَ لملوكٍ ومملكات، وقد لا يكون داعٍ للتذكير أنها الدليل الجميل على امتزاج الفنّ الإيراني بالذوق الإسلامي، ولقاء الأرض ومفاتنها بأعاليها وخباياها.

من الجدير بالذّكر أن كلّ الجوامع في إيران قد بنيت باستخدام موادّ أُخذت من المدينة التي تحتضن الجامع، والطراز المعماري المستخدم في إنشائها وبنائها، بشكل عام، هو امتداد لطريقة البناء في تلك المدن.

أتمنى أن يتسنى للجميع أن يزوروا يوماً ما هذه الجوامع أو بعضها، وإن لم نستطع السفرُ اليوم، فلنتشارك في التحديق المنعش في معمار هذه الجوامع حيث تعانق الألوانَ والأضواءَ أرواحُنا وتصمت، فـ"إن اتسعت الرؤيةُ ضاقت العبارة."، كما همس النفّريُّ قبل عشرة قرون.

جامع "نَصير المُلك" في شيراز

في المدينة-الحُلم، شيراز، يقع هذا الجامع ويشتهر بأنه "مسرح اللون والضوء"؛، كما أنه واحد من أقدم الجوامع في شيراز وإيران. يقع جامع نصير المُلك في المنطقة التاريخية في مدينة شيراز، وتحديداً في الجزء الجنوبي من شارع "كريم خان زَند". تم بناؤه عام 1294 للهجرة، واستغرقت عملية بنائه قرابة 12 عاماً، وقد تمّ ترميمه عام 1969.

أضرحة هذا الجامع فريدة من نوعها ويعتبر من أجمل المساجد في العالم. استخدام الزجاج الملون في نوافذ المسجد، ومعظمه ورديّ اللون، جعل هذا المسجد يُعرف باسم "المسجد الورديّ".


جامع "شاه" في أصفهان

يعود تاريخ هذا الجامع الرائع إلى العصر الصفوي، وعام 1020 للهجرة، ويمكن اعتباره من أشهر الأدلة على العمارة الإسلامية الإيرانية ونتيجة ألف عام من فن بناء الجوامع في إيران. لا يمكن الاكتفاء بمشاهدة المقرنصات الفريدة وتصميمات البلاط ذات الألوان السبعة المذهلة والنقوش الرائعة والأقواس والشرفات والمسبح الكبير في منتصف فناء المسجد ولااستمتاع بهذا المزيج الفني مرة واحدة فقط؛ إنه وجدٌ مُدام.

للعين أيضاً طريقٌ إلى نشوة الرّوح، تتسرّب رويداً رويداً عبر هذه النافذة الصغيرة في وجوهنا، لتجتذبها "عينُ السِّرّ" حسب تعبير جلال الدين الرّومي


قبة الجامع الرائعة والمبهرة، التي تتلألأ كجوهرة فيروزية اللون في قلب نسيج إصفهان التاريخي، يبلغ ارتفاعها 52 متراً وقطرها 23.5 متراً، وتحتها نقطة ينعكس فيها الصوت بشكل مذهل.



جامع "شیخ لطف الله" في إصفهان

إنه من أحبّ الجوامع إليّ وإلى الكثير، ويعرف اليوم بأنه من أجمل الجوامع في العالم، يتوافد على زيارته كثيرٌ من السيّاح. يقع "شيخ لطف الله" في ساحة "نقش جهان" التي هي أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، وقد تمّ بناؤه في عهد الشاه عباس الأول الصفوي بين عامي 1603 و1619. في داخل وخارج الجامع قد رُصّت آلاف البلاطات جنباً إلى جنب بألوان مبهجة مليئة بالحيوية، والجدران والأسقف الأخاذة تتدفق بزخارف صفراء صغيرة وكبيرة من التصاميم الإيرانية والإسلامية.

يشتهر هذا الجامع بوجود قبة بالغة الجمال تمّ فيها استخدام البلاط الرقيق باللون الكريمي والبيج، وقد صُمّم بحيث يتغير لون القبة من البيج إلى الوردي خلال النهار.

في داخل وخارج جامع "شيخ لطف الله" قد رُصّت آلاف البلاطات جنباً إلى جنب بألوان مبهجة مليئة بالحيوية، والجدران والأسقف الأخاذة تتدفق بزخارف صفراء صغيرة وكبيرة من التصاميم الإيرانية والإسلامية

يقال إن غروب الشمس هو أفضل وقت لمراقبة هذا التغيير اللوني. يحتوي الجزء الخارجي من الجامع على مجموعة من الزخارف الزهرية، كما تمّ استخدام الزخارف الزرقاء والصفراء لتزيين الأبواب والنوافذ.


"المسجد العتيق" في إصفهان

يمكنكم أن تشاهدوا مجموعة كاملة من الفن الإسلامي الإيراني الأصيل في مسجد إصفهان العتيق. يعرف هذا الجامع أيضاً باسم "الجامع الكبير" و"المسجد الجامع"، وهو من أقدم الجوامع في إيران، وقد أعيد بناؤه وترميمه عدة مرات. تاريخ بنائه يعود إلى عام 156 الهجري، أي قبل حوالي 1300 عام. كان لهذا الجامع في وقته تأثيرٌ كبير على نموّ التحضر في أصفهان. أمر الخليفة المعتصم العباسي عام 226 للهجرة ببناء جامع جديد في موقع الجامع السابق، ولاحقاً، خلال العصر السُّلجوقي، تمّ إجراء تغييرات كبيرة في الجامع، وتلتها تغييرات أخرى خلال العهود اللاحقة، ويمكن ملاحظة تلك التغيّرات والتطورات في بناء هذا الجامع وتفاصيله.

تم بناء المسجد العتيق، مثل العديد من الجوامع القديمة في إيران، على طراز يحتوي على أربع شرفات مزخرفة جميعها. قد يصعب أن نجد الهدوء والسكينة التي تبعثانها ثنايا هذا الجامع في مكان سواه. فخامة الجامع والغموض الساحر في جدرانه وبلاطه تجربةٌ لا تضيف إلى البصر إلى العمق والعشق.


جامع "آقا بُزُرْك" في کاشان

أعلى قبة بنيت في العهد القاجاري في إيران تقع في جامع "آقا بُزُرك" في كاشان. يُعرف هذا الجامع بقبته الكبيرة والزخارف المكوّنة من الآجرّ والبلاط والمقرنصات الجبسية واللوحات والنقوش القرميدية بأنه أجمل المباني التاريخية في كاشان.

تمّ بناء هذا المبنى خلال الفترة القاجارية التي تشمل القرن التاسع عشر حتى بدايات العشرين. الزخارف والبلاط المستخدم في هذا الجامع والرّسوم تحفة فنية لا يمكن أن يفوّتها زوارُ مدينة كاشان. كما لا يجب أن نتجاهل الفنون الخشبية التي يمكن رؤيتها على أبواب وشبابيك الجامع بنسيج متناسق. 

ثمة بابان رائعان في المدخل الرئيسي للجامع قد حولتهما زخارفُهما إلى عملين فنيين. والأمر المثير للاهتمام هو أن عدد مسامير باب الجامع بعدد آيات القرآن.


"الجامع الأزرق" في تبریز

الجامع الأزرق أو "مسجد كَبُود" أو "جامع جَهانْشاه" هو أحد جوامع مدينة تبريز التاريخية مركز محافظة أذربيجان الشرقية الواقعة شمال شرق إيران. بُني الجامع عام 1465الميلادي بأمر من جان بيْك خاتون، زوجة الملك جهانشاه الذي كان يحكم إيران آنذاك. تهدّم سقف الجامع خلال زلزال عام 1778، ولم يتبقَ منه سوى الجزء العلوي من بوابة المدخل، ثم أعاد إعماره عام 1973 تحت إشراف وزارة الثقافة الإيرانية.

من المحتمل أن البلاط الأزرق السماوي المستخدم في "مسجد كبود" كان السبب وراء هذه التسمية. العمارة الفريدة والمميزة لهذا الجامع والاستخدام الفني للعناصر الهندسية فيه قد أثار اهتمام العديد من محبي الفن، وذلك إلى جانب الكتابات والزخارف والنقوش.

وبسبب استخدام البلاط الفيروزي فيه بات يُعرف الجامع الأزرق باسم "فيروز الإسلام"، كما أن الفسيفساء عنصر معماري رئيسي في هذا الجامع.


"جامع یَزْد"

جامع يزد يقع بمدينة يزد العريقة والتي هي اليوم مركز محافظة يزد الإيرانية الواقعة وسط البلاد. تمّ تزيين كلّ قطعة من جدار الجامع بالبلاط الفيروزي بأكثر الطّرق فنّاً وذوقاً. يعود تاريخ بناء هذا الجامع المصمم على طراز الجوامع ذات الرّواق الواحد إلى عهد الدولة الإيلخانية، ولكن خلال عهد آل مظفر والدولة التيمورية والسلالة الصفوية حتى عهد القاجاريين تمّ إجراء تغييرات واسعة عليه.

الزخارف المستخدمة في المدخل ومآذن الجامع والتي يبلغ ارتفاعها 52 متراً جعلته واحداً من أعظم التحف المعمارية في القرن التاسع الهجري. يقال إنه قبل الإسلام، في الموقع الحالي لجامع يزد الكبير، كان هناك معبد النار الساساني الذي استمرّ في نشاطه حتى فترة ما بعد الإسلام. تبلغ المساحة الحالية لهذا الجامع 10000 متر مربع.


جامع كوهَرشاد في مشهد

يتألق جامع كوهرشاد في مشهد بهندسته المعمارية الفريدة بين أجمل الجوامع الإيرانية. يقع هذا الجامع في الجزء الجنوبي من ضريح الإمام الرضا، وبالإضافة إلى القيمة الدينية والجمالية، له أيضاً قيمة تاريخية كبيرة. يعود تاريخ بنائه إلى عام 821 الهجري، وقد تطوّعت ببنائه الأميرة كوهرشاد، زوجة شاهًرُخ بن تيمور لَنك. تمتدّ مساحته إلى 95 متراً طولاً و 84 متراً عرضاً.


لهذا الجامع الشامخ صحن واسع في وسطه يحتضن حوضاً مائياً كبيراً، ويقع على كل ضلع من الأضلاع الأربعة لهذا الصحن رواق كبير جميل على طرفَيه شرفتان صغيرتان، تتّصل جميعها بالأروقة المسقوفة التابعة لجامع كوهرشاد. مدخل الجامع من جهة الصحن مكسوّ بالرخام الجميل دقيق الصنع الذي كُتبت عليه أسماء الله الحسنى. النحت على الخشب والتبليط والنقش على الرخام ليست سوى بعض الفنون الموجودة في مسجد كوهرشاد. أنه من التحف المعمارية المتبقية من الفترة التيمورية ومن المثير للاهتمام معرفة أن هذا الجامع هو أكثر الجوامع زيارة في إيران، نظراً لقربه من مرقد الإمام الرضا.

اشتهر هذا الجامع بحادثة وقعت عام 193 حين أصدر ملك إيران، رضا شاه، الأوامر الصارمة لتطبيق قانون خلع حجاب النساء وحمل الرجال على ارتداء الزي الغربي ومن ضمنه القبعة. قد أثار هذا القرار غضب علماء الدين والشعب الإيراني فاجتمعوا في جامع كوهرشاد احتجاجاً علی ذلك،  وحاصرت القواتُ الحكومية الجامعَ وأطلقت النار على المحتجين، حتی سقط ألف شخص بين قتيل وجريح.


جامع الوکیل في شیراز

يقع هذا الجامع في سوق "وَكيل" في شيراز ويعود تاريخ بنائه إلى عام 1187 للهجرة تزامناً مع إنشاء السوق في هذه المدينة، وخلال حكم الدولة الزندية في إيران. وقد تم ترميمه في القرن التاسع عشر خلال الحكم القاجاري.

كلمة "وكيل" تعني الوصي في استخدامها الفارسي، وهو اللقب الذي أُطلق على الملك كريم خان، مؤسس الحكم الزندي، والذي اتخذ شيراز مقراً للحكم وشيد الكثير من المباني والجوامع بما فيها جامع الوكيل خلال فترة حكمه، وكان ملكاً عادلاً حسن الصيت.

كلّ ركن من أركان هذا الجامع عمل فني؛ في باحته البلاط بألوانه السبعة يبهر العيون، وقوس اللؤلؤ الذي يقع في الجزء الشمالي من الجامع ويبلغ ارتفاعه 20 متراً، والقواعد الحجرية المطلية.


جامع الشافعي في کِرمانشاه

جامع الشافعي من أكبر الجوامع السّنّية في إيران، ويقع في سوق مدينة كرمانشاه الواقعة غرب إيران، والتي يشكّل معظم سكانها المواطنون الأكراد. تمّ بناء هذا الجامع الساحر والجميل للغاية عام 1945، وتبلغ مساحته 1060 متر مربع.

في مدخل جامع الشافعي تذكرنا هندسته المعمارية بالمساجد العثمانية، وهو بشكل عام مستوحى من طراز العمارة الإسلامية في تركيا، وفي ديكوراته الداخلية والخارجية يمكن مشاهدة الألوان الذهبية والزرقاء بشكل كبير، كما أن أعمدته الفاخرة وقبابه وجدرانه المطلية تجذب انتباه المشاهدين منذ النظرة الأولى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard