"اخترعنا الزفة الدمياطي التي لا يخلو منها فرح"... حكايات "فرقة محفوظ"

الجمعة 10 أبريل 202005:07 م

هي ليست مجرد فرقة تحيي الأفراح والمناسبات، لكنها مدرسة خاصة جداً، استطاعت مع مرور الزمن أن تصبح علامة مسجلة يستلهم منها الكثيرون.


فرقة محفوظ للزفة الدمياطي، أصبحت "الزفة الدمياطية" بسببها، فقرة أساسية في معظم الأفراح المصرية، إلى الدرجة التي قال المصريون عنها  قديماً "اللي ما زفوش محفوظ لسة ما تجوزش"، حتى بعد دخول أشكال أخرى للزفة، مثل "دخلة النار"، والألعاب النارية.

قبل فرقة محفوظ لم يكن هناك سوى "العوالم" و"فرقة حسب الله"، لكنها، ومع بداية السبعينيات، أصبحت منافساً شرساً يفرض حضوره بقوة، ويكسب مع كل حفل زفاف معجبين تخطوا حدود المحافظة الصغيرة، ومدن مصر المختلفة، لينطلقوا في دول عربية يحيون أفراح زعماء ومشاهير.

البدايات 

محمد غطاس (37 عاماً)، المدير الفني لفرقة محفوظ، وكان بالأساس يعمل بالتجارة، هو ابن أحد أهم مؤسسيها، انضم للفرقة وهو صبي صغير.

عرف أصول المهنة وحفظ أسرارها، وواصل مع رفاقه من الجيل الجديد حفاظه على أصولها التي تعتزّ بها الفرقة كثيراً.

يحكي غطاس عن تأسيس الفرقة لرصيف22: "الفرقة هي فكرة لثلاثة أصدقاء مقربين جداً، هم والدي المرحوم السيد الغطاس، المرحوم محمد محفوظ وصديقهما محمود أمين، في بداية السبعينيات كانوا شباباً يشاركون في أفراح أصدقائهم كنوع من المجاملة الودودة، ومعاً كانوا يصنعون أجواء لطيفة في الأفراح لاقت إعجاب الحضور".

مع مرور الوقت، ازدادت شعبية الغطاس ورفاقه، بالرغم من أن لكل واحد منهم مجال عمله الخاص، فالغطاس كان تاجراً له تجارته الواسعة، وصديقاه، محفوظ وأمين، كانا موظفين في وزارة التربية والتعليم، يقول محمد: "عشقهم للموسيقا، وخاصة الحاج محفوظ الذي كان خريج معلمين وتربية موسيقية، وموهبة والدي الفطرية في تأليف الأغاني والألحان، وكذلك الحاج أمين، جعلهم جميعاً يتميزون في الأداء ويأخذون الفكرة على محمل الجد". 
"إننا جميعا في الفرقة لنا أعمالنا الخاصة، أغلبنا تجار وأصحاب مصالح وموظفون في الحكومة، فمن نقبله عضواً معنا لابد أن يكون له عمله الخاص، حتى لا يتحول عمله في الفرقة لمجرد (سبوبة) يتكسب منها فيهين الفرقة"

وبعد أن كان ثلاثتهم فقط يقدمون الأغاني التراثية المعروفة في الأفراح في تلك الفترة، مثل "نازلة السلالم، وطالعة السلالم، ويانجف بنور"، أضافوا أعضاء جدداً، وأصبحوا سبعة أفراد يعزفون الأغنيات بالدفوف والطبلة، ويضعون أغاني جديدة، يؤلفها ويضع ألحانها السيد الغطاس، ويؤديها مع رفاقه.

"ومع مرور الوقت قاموا بإدخال آلات موسيقية جديدة كنوع من التطوير والتغيير، الذي هو سمة أساسية من سمات الفرقة حتى الآن، فأضافوا آلة القربة، واستعانوا بعازف متمرس لها، كذلك أضافوا المزمار وآلات النفخ"، يقول محمد.


من حظ وحسب الله لمحفوظ الدمياطية

كثرت الآلات الموسيقية في الفرقة، زاد عدد أعضائها، واتسعت شهرتها لما تقدمه من فقرات مميزة ومختلفة عما كان سائداً في السبعينيات، حيث كان إحياء الأفراح مقتصراً على فرقة "حظ"، والتي تقدم وصلات رقص لـ"العوالم"، ولكن مدينة كدمياط كانت "محافظة أخلاقيا"، مما دفع الكثير من الأهالي إلى رفض هذه الطريقة في إحياء الأفراح.

ولم يكن ينافس فرقة "حظ" إلا فرقة "حسب الله" التي كانت تعد شعبية نوعاً ما، فخروجها من شارع محمد على، واعتمادها على الآلات النحاسية جعلها ذات طابع خاص، لم يعد يناسب الكثيرين مع تقدم الزمن، ولكن فرقة محفوظ حرصت على تجديد الآلات التي يستخدمونها، مما جعلها تستمر حتى الآن، بحسب محمد الغطاس.

"عاماً بعد عام تحولت فرقة محفوظ لمدرسة تخرج العازفين، الذين يأسسون فرقاً جديدة كل فترة، تقدم الزفة الدمياطية التي أصبحت فرقة محفوظ علامتها المسجلة، فكثير من أعضاء فرقة محفوظ بعد أن ينفصلوا عنها لأي سبب كان، يسارعون إلى تأسيس فرق خاصة تقدم نفس الفن، والكثير من تلك الفرق حقق صدى واسعاً، ويفتخرون جميعاً بأنهم خريجو فرقة محفوظ، هذا الاسم الذي يعد بمثابة شهادة الاعتماد وختم الثقة".


حكاية "ملك الزفة الدمياطي"

وعلى الرغم من أن المؤسسين كانوا ثلاثة، كل كان له دوره المتميز في إنجاح الفرقة وإكسابها شهرة واسعة، إلا أنها حملت اسم فرد واحد منهم وهو "محفوظ"، لماذا؟ سؤال وجهته لمحمد غطاس، فأجاب: "الحاج محفوظ رحمه الله، كان له طلة مميزة، وكاريزما خاصة جداً، كان بوسامته يخطف الأنظار في أي حفل، لذلك كان له معجبين كثر أطلقوا عليه (ملك الزفة الدمياطي) وهو ما جعل المتابعين للفرقة يطلقون عليها تلقائياً فرقة محفوظ. وهو اسم لاقى ترحاباً لدي الغطاس وأمين، لأنهم كانوا أصدقاء مقربين، وليسوا مجرد شركاء، كما أنه كان لكل منهما دوره في إنجاح الفرقة وانتشارها، فالسيد الغطاس كان المحرك للفرقة، الذي يؤلف الأغاني، ويضع الألحان، ويطورها فنياً لتستمر متفوقة دائماً، فقد كان مديراً فنياً ناجحاً بكل المقاييس، أما محمود أمين فقد كان عملاقاً في الإدارة، يتحمل مسؤولية الشؤون الإدارية ببراعة، من حجوزات وترتيب مواعيد، ومسؤوليته عن الأعضاء وكل ما يتعلق بهم، لذلك كان لكل منهم دور متميز لا يقل أهمية عن دور غيره، وهذا ما جعل الفرقة تستمر بمحبتهم وثقتهم".


أزياء خاصة

حرص فرقة محفوظ على التطوير والتجديد الدائم لم يتوقف فقط عند الآلات المستخدمة، الفقرات المقدمة والأغنيات الخاصة بهم. لكنه امتد أيضاً لمظهرهم وشكلهم العام في الأفراح، فقد حرص مؤسسو الفرقة على أن يكون لأعضائها زي مميز، يجددونه كل فترة، يقول محمد الغطاس لرصيف22: "لدينا زي خاص بالصيف، وآخر بالشتاء.. يتجدد كل عام، نبحث دوماً عن التصميم المميز والألوان الأنيقة، في كثير من الأحيان نقوم بإحضاره من الخارج، حتى لا يستطيع أحد تقليده".

"لا للنقوط"

من أهم القواعد الصارمة التي حرصت عليها فرقة محفوظ منذ بدايتها وحتى الآن، أنها رفعت شعار "لا للنقوط"، وهو مبلغ مالي يُقدم من أحد المدعويين للفرقة علامة الإعجاب، فهي الفرقة الوحيدة تقريباً في دمياط التي ترفض وبشدة النقوط خلال تقديم فقراتها، يقول غطاس الابن: "إننا جميعا في الفرقة لنا أعمالنا الخاصة، أغلبنا تجار وأصحاب مصالح وموظفون في الحكومة، وهذا شرط أساسي فيمن نقبله عضواً معنا، لابد أن يكون له عمله الخاص حتى لا يتحول عمله في الفرقة لمجرد "سبوبة" يتكسب منها فيهين الفرقة وأعضاءها وتاريخها".

بادرت الفرقة بعد انتشار كورونا إلى إلغاء الحجوزات وتأجيلها تقليلا للتجمعات، وعلى الرغم من أن بعض أصحاب الأفراح عرضوا مبالغ مضاعفة على الفرقة لإحياء الفرح، ولو بتقديم زفة للعروس أثناء خروجها من منزلها

لذلك، الاختبارات القاسية التي يقوم بها محمد الغطاس لأي عضو جديد شيء مهم وضروري، فليس مهماً فقط أن يكون موهوباً في الأداء أو عازفاً ماهراً على الطبلة مثلاً، لكن المهم أيضاً، كما يقول لرصيف 22: "أن يكون له عمله الخاص الذي يدر عليه دخلاً شهرياً محترماً، ليكون عمله في الفرقة وولاؤه لها ناتجاً عن محبة".

ويضيف الغطاس: "كذلك لابد أن يكون حسن السمعة، لديه أساسيات التعامل اللطيف والراقي مع الغير، فنحن نحيي أفراح سياسيين وإعلاميين ومشاهير، نتعامل مع صفوة المجتمع، لذلك يجب أن نكون محل ثقتهم".


أفراح في لبنان والبحرين

على مدار تاريخ فرقة محفوظ وحتى الآن، شاركت في إحياء العديد من الأفراح الهامة في مصر وخارجها، فقد شاركت الفرقة في إحياء أفراح في لبنان وكذلك في البحرين، فقد أحيت حفل زفاف ملك البحرين الحالي حمد بن عيسى، عندما تزوج في التسعينيات، كذلك شاركت الفرقة في إحياء حفلات زفاف العديد من المشاهير في مصر، من سياسيين ورجال أعمال ونواب مجلس شعب وكذلك لاعبي الكرة.

يذكر الغطاس منهم لاعب الكرة السابق طاهر أبو زيد، المطرب محمد فؤاد، المطربة شيماء سعيد، الفنان حسن الرداد وزوجته إيمي سمير غانم، والذي شاركت الفرقة في إحياء حفل زفاف والده أيضاً.

أزمة كورونا

كان لفرقة محفوظ موقفاً في أزمة فيروس كورونا، الذي تعاني منه مصر والعالم الآن، فقد بادرت الفرقة إلى إلغاء الحجوزات وتأجيلها منعاً للاختلاط وتقليل التجمعات، وعلى الرغم من أن بعض أصحاب الأفراح عرضوا مبالغ مضاعفة على الفرقة وأعضائها لإحياء الفرح، ولو بتقديم زفة للعروس أثناء خروجها من منزلها، بعد إغلاق قاعات الأفراح ومنع إقامتها.

يبرر محمد الغطاس موقف الفرقة قائلاً: "لقد تعودنا أن نجمع الناس لإسعادهم وزيادة فرحتهم، ولن نشارك في إيذائهم أبداً أو تعريضهم للخطر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard