نظام مالي موازي... اختراق "دكانة" حزب الله غير الشرعية

الأربعاء 30 ديسمبر 202003:22 م

بينما كانت المصارف تضيّق على اللبنانيين قبل "التفليسة الكبيرة" التي تركت أموالهم وودائعهم حبراً على ورق، كان لحزب الله نظام مصرفي منفصل متكامل موازٍ ينمو ويستفيد بإغراء المواطنين بوضع أموالهم حيث لن تتبخر.


هذا ما كشف عنه "هجوم سيبراني ضخم" على مؤسسة القرض الحسن التابعة للميليشيا الشيعية النافذة في لبنان، وأقرت به تقارير موالية للحزب.


تأسست جمعية القرض الحسن في ثمانينيات القرن الماضي قبل أن تحصل على ترخيص من وزارة الداخلية اللبنانية عام 1987. حالياً، لديها 32 فرعاً في جميع أنحاء لبنان بوصفها "جمعية خيرية" تقدم المساعدة المالية للسكان الشيعة في لبنان.


رغم تسجيلها كمؤسسة خيرية، يبدو أن الجمعية تتعامل كمؤسسة مالية بشكل تام، بما في ذلك القروض. ويعتقد أن القروض السنوية للجمعية تقترب من 500 مليون دولار، مع أرباح سنوية تبلغ حوالى 20 مليون دولار، واحتياطيات ودائع تزيد على 300 مليون دولار، و15 طناً من الذهب بقيمة نحو 500 مليون دولار. علماً أن المؤسسة ليست خاضعة للنظام الضرائبي في لبنان.

"المعادلة يلي حاكمة لبنان هي ‘المافيا والميليشيا والمال‘"... قراصنة يخترقون نظام مؤسسة "القرض الحسن" التابعة لحزب الله ويسربون بيانات كبار المودعين وتعاملات الجمعية مع البنوك اللبنانية رغم وضعها على القائمة السوداء الأمريكية

"اقتصاد حزب الله الموازي"

قبل يومين، أعلنت مجموعة من القراصنة تحمل اسم "SpiderZ" أو "سبايدرز" اختراق كاميرات وخوادم الجمعية، معلنين وضع "كل الداتا من ميزانيات ومستندات الجمعية السرية تحت تصرفكن"، في خطاب موجه للبنانيين.



أوضح القراصنة أن "المعلومات يلي كشفناها بتدل على أن المعادلة يلي حاكمة لبنان هي ‘المافيا والميليشيا والمال‘" مع عرض صورة ثلاثية للرئيس اللبناني ميشال عون والأمين العام لحزب الله حسن نصر الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري.


وفي الفيديو، ألقى الهاكرز باللوم على "اقتصاد حزب الله الموازي للاقتصاد اللبناني وابتزاز حزب الله لمصادر الدولة" في انهيار الاقتصاد اللبناني، مشددين على أن "القرض الحسن" ليست "جمعية خيرية" وإنما "مصرف حزب الله غير الشرعي" والخارجة عن المنظومة المالية الرسمية في لبنان.

بينما كانت المصارف تضيّق على اللبنانيين قبل "التفليسة الكبيرة" التي تركت أموالهم وودائعهم حبراً على ورق، كان لحزب الله نظام مصرفي منفصل متكامل موازٍ ينمو ويستفيد بإغراء المواطنين بوضع أموالهم حيث لن تتبخر

وتوعد الهاكرز بأن يعيدوا الجمعية "لقبل العصر الحجري ويصيروا يعملوا حساباتهن ع إيديهن ويسجلوا ديونهن ع شقف الكرتون مثل بياعين الخضرة أيام زمان". كما حثوا المديونين للجمعية: "ما بقى تدفعوا ديونكن، وما بقى تخلوا الجمعية تستغلكن وتمص لكن دمكن".


وفي حين حرضوا المودعين على سحب ودائعهم "قبل ما يصيروا حبر على ورق متل كل حساباتنا (اللبنانيين) بالبنوك"، نبّه القراصنة إلى أنه إذا "صار عنا دولة يوماً ما وقضاء عادل، الأدلة كافية لتوقيف الزعران والمخالفين"، متعهدين تسريب "مفاجآت وأسرار جديدة" عن المؤسسة تباعاً.


ما أبرز ما سرّبه الهاكرز؟

عرض القراصنة خلال المقطع عدداً من الوثائق للتدليل على اتهامهم الجمعية بعدم التزام المعايير الدولية المقبولة في السوق المالية، والتي من شأنها حماية العملاء، بما في ذلك نسخ من جوازات السفر وهويات العملاء، وأسماء المودعين وكذلك صور لتكدس المودعين بالداخل أو طوابير المنتظرين أمام فروع الجمعية.

رغم تسجيلها كمؤسسة خيرية، تتعامل الجمعية تماماً كمؤسسة مالية. يعتقد أن قروضها السنوية تبلغ نحو 500 مليون دولار، مع أرباح سنوية تبلغ حوالى 20 مليون دولار، وأطنان من الذهب. مع ذلك، تسهم في الاقتصاد اللبناني بـ"صفر ضرائب"

وبحسب التسريبات، تورط بعض البنوك المحلية في التعامل مع "القرض الحسن" عبر حسابات في فروعها المختلفة، بما في ذلك جمال ترست بنك (JTB)، الذي فرضت عليه عقوبات أمريكية عام 2019 بسبب صلته المباشرة المزعومة بحزب الله. علاوةً على البنك اللبناني الكندي، وبنك الشرق الأوسط وأفريقيا (MEAB)، والبنك اللبناني السويسري، وبنك فينيسيا، وبنك سوسيتيه جنرال، وبنك الكويت والعالم العربي، بالإضافة إلى بنك الائتمان اللبناني، وبنك الخليج وبنك بيبلوس وبنك مصر لبنان.

لائحة مزعوم تسريبها بأسماء المودعين في مؤسسة القرض الحسن

إذا ثبت تعامل هذه البنوك مع "القرض الحسن"، فإن ذلك يناقض تصريحات سابقة لنصر الله زعم فيها عدم وجود حسابات للحزب في البنوك. وسارعت العديد من هذه البنوك إلى نفي وجود حسابات لـ"القرض الحسن" المصنفة على لائحة الإرهاب الأمريكية منذ عام 2007 لتفادي أي عقوبات أو تحقيقات أمنية على الأرجح.


"استهداف أمريكي خليجي محلي"

اعترفت "القرض الحسن" بوقوع ما وصفته صحيفة "الأخبار" اللبنانية الموالية لحزب الله بـ"اختراق سيبراني ضخم". لكن الجمعية سعت إلى التقليل من خطورة الواقعة التي اتهمت "جهات معادية" بتنفيذها. 

إذا ثبت تعامل بنوك لبنانية مع "القرض الحسن"، فإن ذلك يناقض تصريحات سابقة لنصر الله زعم فيها عدم وجود حسابات للحزب في البنوك، فسارعت العديد منها إلى نفي وجود حسابات لـ"القرض الحسن" المصنفة على لائحة الإرهاب الأمريكية

في غضون ذلك، نقلت "الأخبار" عما وصفته بـ"مصادر مطلعة" أن "التحقيق لا يزال جارياً" و"لم تُعرف بعد الجهة التي تقِف وراء الهجوم"، مضيفةً أن مسار التحقيق محاط بـ"بتكتّم شديد" و"الجهات المعنية تدرس احتمالين: إما أن الهجوم نفذته جهات استخبارية خارجية، وإما أن يكون لموظفين سابقين بالجمعية يد بالعملية بالتعاون مع قراصنة محليّين".


ثم رجحت الصحيفة فرضية أن يكون الهجوم منسقاً من جهات استخبارية خارجية، مستشهدةً عبر مصادرها بأن "البيانات التي نُشرت ليست صحيحة بالكامل، فهناك أسماء وأرقام مغلوطة". وهو ما أبرزه عدد من أنصار الحزب عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 



ولم يتم تحديد حجم الضرر الذي ألحقه القراصنة أو المعلومات المسربة نظراً لاستمرار التحقيق حتى عصر 29 كانون الأول/ ديسمبر بينما كان قد بدأ مطلع الأسبوع، وفق الصحيفة التي تحدثت عن "فصل شبكات الجمعية عن الإنترنت حتى انكشاف الصورة كاملة".

تكدس داخل أفرع "القرض الحسن" وفق ما سربه القراصنة

وأقرت "الأخبار" بتحسن الحالة المالية للمؤسسة رغم العقوبات الأمريكية وحتى بعد اشتداد الأزمة الاقتصادية اللبنانية، موضحةً: "المؤسسة لم تتأثر. بل على العكس، رغم كل الهجمات عليها، لم تُجمّد أي حساب من حسابات المودعين لديها، ولم تعمد إلى تحديد أي سقوف مالية. الذين يتعاملون مع هذه المؤسسة يؤكدون أن عمليات الصرف والإيداع استمرت بحرية تامّة، في وقت قامت البنوك اللبنانية بحجز أموال المودعين وتحديد سقوف للسحوبات بمبالغ محددة".


وأضافت: "صحيح أن المؤسسة لا تندرِج ضمن سوق الصيرفة، لكنها في إطار تقديم التسهيلات للمساهمين فيها استحدثت خدمة الصراف الآلي ‘ATM‘ في بعض فروعها، وهذا ما أصاب البعض بـ‘الجنون‘".


إلى ذلك، حرصت الصحيفة على ترسيخ فكرة أن ما حدث للمنظمة، أياً كان من يقف خلفه، هو نتاج استهداف من "الداخل والخارج. مِن الولايات المتحدة الأمريكية إلى الإعلام الخليجي إلى سياسيين لبنانيين"، محددةً منهم رئيس الحزب الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط. كان جنبلاط قد صرح لـ"سكاي نيوز" مطلع الشهر بأن حزب الله هو المستفيد الوحيد من الأزمة في لبنان، مشيراً إلى أن ماكينات صرف "القرض الحسن" تقدم للمواطنين 500 دولار مقابل رهن الذهب فيما البنوك لا تستطيع أن توفر لهم 100 دولار.


وفيما لفتت "الأخبار" إلى أن الجمعية لم تكن الوحيدة المستهدفة بالهجمات الإلكترونية، مشيرة إلى أنباء عن تعرض "عدّة مؤسسات تدور في فلك حزب الله" لمحاولات قرصنة، رأت -كما روج أنصار الحزب- أن الهجوم "عدوان على بيئة المقاومة" و"استهداف للمستفيدين من خدمات الجمعية في توقيت بالغ الخطورة"، زاعمةً أنه نتاج "عدم إمكانية هزيمة المقاومة عسكرياً نتيجة تعاظُم قدراتها". 
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard