النهاية المرحة...هدية سانتا الأخيرة

النهاية المرحة...هدية سانتا الأخيرة

الأربعاء 30 ديسمبر 202012:18 م

بما أنه موسم أعياد وبدايات جديدة، حسب ما يفترضه التقويم، كما أنه موسم كوارث ونهايات، حسب ما تقدمه الأخبار السياسية وتقارير منظمة الصحة، من المفيد العودة إليها، إلى البدايات التي تشغلنا و"تشحننا" أحياناً بالمعنى، وأجد نفسي هنا ملزماً، وسط الأضواء و"هيصة" الميلاد ورأس السنة، أن أستحضر شوبنهاور بدل سانتا كلوز، وأن أخفف من "غلواء" المحتفلين و"إسقاطهم" في الموقف الأصلي، في السؤال الأول: هل من معنى لكل هذا؟

حتى العصور الوسطى غالباً ما اعتبر الفلاسفة أن الحياة مرتبة على نحو بديهي ودقيق، بحيث ما علينا إلا أن نعيش وفق الترتيب المحدد لنا، لنصيب "سلامنا الشخصي"، وئامنا مع العالم، وبالضبط، انسجامنا مع الطبيعة وغايتها.

لقد نشأت الأديان لتعليم البشر كيف يموتون وهم راضون، وليس كيف يعيشون الرضا

إننا نولد، نعيش، نعمل وننجب أطفالاً ثم نموت، وجدت الأديان في هذا "غاية" الخلق وغاية الوجود، وجدت فيه المعنى الذي يستحق أن نخلق لأجله، بل أن نزهق أرواحاً، نجفف ينابيع ونقطع أشجاراً في سبيل تحقيقه، غافلة عن أن هذه الفكرة بالذات تهرب من "تعريف" الوجود وتوجهه، وازدراء للحيوية الإنسانية التي غيّبتها الأديان في وهم "السعادة" وسبل تحقيقها، لقد نشأت الأديان لتعليم البشر كيف يموتون وهم راضون، وليس كيف يعيشون الرضا.

معضلة الروائيين

هناك معضلة يعرفها الروائيون، وهي معضلة "الراوي"، من الذي يتحدث في الرواية؟ من الذي يشرح للقارئ من قام بخيانة من ولماذا، من قام بارتكاب الجريمة وزوّر الأدلة، من يفكّر ويحلل شخصيات المارة؟

قد يكون الراوي، كلي المعرفة، نوع من الآلهة التي تعلم كل شيء، وتقوم بشرح ما يجري وتقدم التبريرات التي تفسر هذا الفعل بدلاً من ذاك، وهذا الكلي العلم لديه كل الأجوبة ويُقسر القارئ على تبني وجهة نظره فيما يجري، وهناك ألاعيب أخرى يحاول فيها الكاتب الاختباء خلف أقنعة شخصياته، تمثلها، الوقوف "في حذائها"، أو يتحدث بلسان الأنا، الأقل موثوقية والأكثر عرضة للاختبارات من قبل القارئ، إذ لا نستطيع الوثوق بمن يقول: أنا وأنا.

كما الراوي في القرآن: الله يتحدث غالباً، ويورّط الآخرين في روايته: النبي والمؤمنين والمشركين، بل ويضمّ "الحمقى" غير البشريين، مثل الموتى والملائكة، ثم الجبال والأشجار والعناصر الأخرى، في سياق سردي منطقي أحياناً وأحياناً أخرى لا منطق يحكمه، سوى رغبة الراوي، السارد، الذي يثرثر من عليائه، بقصص ذات مغزى أحياناً وعبثية للغاية أحياناً أخرى، بحكم وتعاليم مقدسة.

البشرية تبتعد عن ماركس الذي افترض في الخطاب الافتتاحي للأممية الأولى أن "تحرير العمال سيأتي من عمل العمال أنفسهم"، وبعيدون عن باكونين الذي رأى أن الأطفال "لا ينتمون إلى المجتمع ولا إلى والديهم، بل إلى حريتهم المستقبلية"  

يبدأ سليم بركات روايته "فقهاء الظلام" بتقديم على طريقة النصوص المسرحية، تعداد أسماء ووظائف ومكانة الشخصيات المنخرطة في السياق المسرحي، لكن هذه المرة في رواية تحت عنوان "الحمقى الذين قبلوا الاشتراك في هذه الرواية".

وهو في ذلك ينأى بنفسه عن شخوص روايته، بل ويضع نفسه كأحمق لم يقبل الاشتراك بالرواية، كأنه كراوٍ يرفض الاشتراك بالحماقة التي قبل البعض الاشتراك بها ورفض البعض الآخر، إذ لا يمرر اسم الراوي كأحد الشخصيات، يستتر خلف "حماقته" الذكية، الحذرة، التي لا ترضى بالسبل التي تتخذها الشخصيات ولا بالمآلات التي تتجه نحوها.

يبدو الوجود على هذه الشاكلة، تورّط بالوجود، أو وجود بـ "الإكراه"، مثلما تورطت شخصيات سليم بركات، أو قبلت التورّط في "ارتكاب" كالرواية وأحداثها.

الوجود بكليته يتألف مِن مَن يقبلون الاشتراك بالحماقة التي اسمها الحياة، يرتضون أدواراً متباينة الخلفيات الطبقية، الإنتاجية، الوظيفية، ويراهنون على استمرار الوضع على ما هو عليه، لكن هل هذا كاف للاستمرار وإنتاج المعنى؟

كل يوم ترتكب البشرية آلاف الجرائم، عبر الولادات واستقطاع حصص من الهواء النظيف والحصص الغذائية، تقل شيئاً فشيئاً، في كل لحظة ثمة جريمة ترتكب، عنف يولد ويتصاعد، ولادات جديدة وإنقاص لمعنى الوجود عبر توزيعه على أعداد تتنامى وتكبر، وبهذا التسارع الذي نسميه زيادة في التنوع الديمغرافي، تقلّ فرصنا في الاستمرار، رغم ذلك نقبل المشاركة في "الرواية"، نقبل الدور الذي كتبه لنا الراوي كلي المعرفة ونمتثل للنهايات المحتومة.

يبدو وجودنا على هذه الأرض أشبه بـ"تورّطٍ بالوجود"، أو وجود بـ"الإكراه". الوجود بكليته يتألف مِن مَن يقبلون الاشتراك بالحماقة التي اسمها الحياة

البشرية تبتعد عن ماركس الذي افترض في الخطاب الافتتاحي للأممية الأولى أن "تحرير العمال سيأتي من عمل العمال أنفسهم"، وبعيدون عن باكونين الذي رأى أن الأطفال "لا ينتمون إلى المجتمع ولا إلى والديهم، بل إلى حريتهم المستقبلية"، بل إننا نخسر سلطة المعرفة العقلانية التي بنينا عليها أوهامنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وآمنا عبرها بالتحولات استناداً إلى هذه المعرفة.

كان العالم القديم يجدد نفسه ويجدها أيضاً ضمن مؤسستين، هما الأسرة والدين، الأسرة حيث يتم إنجاب البشر، والدين حيث يتم تطويعهم لخدمة المؤسستين معاً، وتلك المؤسستان بحد ذاتهما مبنيتان على العنف والاغتصاب، القسر والطاعة والعبودية.

لكن الأفكار تتغير، بقسوة وإبادات واستغلال اجتماعي واقتصادي، لكنها تتغير، بحيث أصبحت اليوم فكرة "إنشاء" رجل جديد أو امرأة جديدة، ذات دلالة سلبية، تجمع بين التجارب الشمولية ومخلوقات الخيال العلمي، بين دونالد ترامب وفرانكشتاين ، بين مرتكب للعنف الجنسي وبين نتيجته السامة، بحيث تبدو الإنسانية اليوم، كوجود وليس كمفاهيم متفق عليها، أقرب للطرفة الساخرة، متناقضة، غير مكتملة، ساذجة وتتجه نحو الانقراض الحتمي.

النهايات الهوميروسية

قبل بدء ظهور الأديان التوحيدية بكثير، سيطرت فكرة النهايات الجماعية على أغلب الأديان الأرضية المنتشرة، وتمّ القبول بها كنتيجة طبيعية، والعمل على جعلها أقل إيلاماً وأكثر رضا، عبر حلّ المسائل الأخلاقية وسيادة التقشف، لكنها كانت واضحة، مقبولة وحتمية.

وحتى في الأديان الثلاثة الكبرى، تمّ "تهيئة" المؤمنين لقبولها عبر شحنها بفكرة الجنة، كمساحة خلود أبدي، تعارض "راهنية" الوجود، لكن الدين الأخير، دين الرأسمالية المنتجة والمستهلكة، رفض الاعتراف بتلك النهاية، ولم يضع في حسبانه انتهاء العالم كما نعرفه، عبر حرب نووية أو أهلية، أو نقص الموارد وجفاف الماء، لذا تبدو النهاية أقرب اليوم.

كتب ماكس فيبر: "وفقاً للمعتقدات العميقة لكل كائن، ستأخذ الأخلاق إما وجه شيطان أو وجه إله، وسيتعين على كل فرد أن يقرر من وجهة نظره، من هو الإله ومن هو الشيطان"

النتيجة الوحيدة الواضحة التي أنجبتها الفلسفة هي أن الأزمة تتضخم، وأن الوجود البشري واحد من "قراءات" متعددة للمأساة، ولا ضير أن ينتهي العالم كما نعرفه اليوم، أو كما عرفه أجدادنا منذ مئات السنين، بل ربما من الأفضل له أن ينتهي طالما لم يجد حلاً، من حياة مديدة كهذه، للمعنى الذي ينطوي عليه الوجود، للمأساة البشرية المستمرة والمتعاظمة، وللأخلاق أيضاً.

كتب ماكس فيبر: "وفقاً للمعتقدات العميقة لكل كائن، ستأخذ الأخلاق إما وجه شيطان أو وجه إله، وسيتعين على كل فرد أن يقرر من وجهة نظره، من هو الإله ومن هو الشيطان"، وهذا الوضع المتناقض والمتصارع يضعنا في أقفاص حديدية فوق نار ملتهبة، ولحسن الحظ، لا أحد منا ماكس فيبر بعد اليوم، ليخبرنا أي الروايات يتحتّم علينا الاشتراك بها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard