ماذا بحوزتي غير إصبع أرفعها للاعتراض؟

الأحد 27 ديسمبر 202010:43 ص

يرنَّ المنبه ويتوجب عليَّ الاستيقاظ للذهاب إلى العمل، أرفع الغطاء ويحتضنني الهواء البارد في الغرفة، أنزل قدميّ وأتشبَّتُ بالأرض جيداً لأستطيع الوقوف، أقف أخيراً.

 كُل شيء هنا يحتاج للمحاربة وتلك النشوة في الوقوف، في القدرة على الوقوف رغم البرد ورغم الواقع الذي يقع حولنا والذي أوقعنا به يجعلك تعتقد أنه بإمكانك الانتصار على العالم كُلِّه لكنَّكَ لا تنتصر إلا في البقاء حياً.

أحاول أن أوصل المدفئة بالكهرباء ولكن ما من كهرباء، إنه التقنين اللعين، أُكمِل نحو المغسلة، أغسل وجهي بالثلج الذي يتحايل ويود أن يقنعني أنه مياه ولكن على من؟ لن أصدقك!

أحاول رفع إصبعي في وجهه فيضحك قبل أن أرفعها فأسحبها وأذهب لارتداء ملابسي.

أركب التاكسي وأنا أعلم جيداً كم ستكلفني هذه الرفاهية وكم ستقتص من راتبي، ولكن لا يهم. أرغب بأن أكون "ملكة" هذا النهار، "ملكة" تشعر بالدفء قليلاً ولا تناضل كثيراً للوصول إلى عملها.

يطالب السائق بمبلغ يفوق أجره الفعلي، فأغضب، وأحاول أن أرفع إصبعي في وجهه، فيغضب هو قبل أن أرفعها، فأسحبها ولا أرفعها وأنزل كقطةٍ مسالمة بتروا مخالبها.

أجلس خلف مكتبي ويأتي المدير ليوكل إلي مهمات تفوق مهماتي ويرحل قبل أن أفكر برفع إصبعي، فلم أفكر ولم أحاول رفعها.

وتمُرّ الساعات وينتهي الدوام وأبقى إلى ما بعد الدوام ولا أحد يتحدث عن المكافآت ولا أحد ينظر لإصبعي فأضعها في جيبي وأذهب.

لكنني لستُ مصباحاً سحرياً، أنا مجرد وجه ضمن هذه الوجوه، وجه جميل يتمنى لو يسأله أحدهم: "ما هي أحلامك؟". ولا أريد أن يحققها لي، ولكن أريده أن يجعل كُل شيء وارِداً وغير مستحيل في هذه البلاد! 

أسيرُ في الشارع وأرى الطوابير التي كان عليّ الوقوف بينها لو أنني لم أذهب لعملي، وأنظر لإصبعي من خلف جيب الجاكيت، فأراها مسالمة تتلذذ بالدفء فلا ألومها ومن أنا لألومها!

وأقف أمام طفلٍ يتسوَّل ويبدو لي كم يشبهني لكنه أجرأ مني في الوقوف والطلب، فأتجاوزه لعجوزٍ يبيع اليانصيب ويحاول إقناعي أنني سأربح! فأسأله كيف؟

يخبرني بأن اشتري منه ورقة، فأجيبه بأنه هو الذي سيربح فيُصِر عليَّ وأحاول رفع إصبعي ولا أفعل، لأنني سأحارب إصبعه التي لم يرفعها بل سأقتلها أيضاً وليس هذا المطلوب البتة، فأشتري ورقة يانصيب وأتخيلها تذكرة طائرة ولكن الطائرة لا تطير هنا أبداً، فأتجاوزه وأنتظر تاكسي لأُعيد نفس الرفاهية متغاضية عن الراتب وما يترتب على قراري.

أشردُ وتقول لي نفسي: "ما الذي بحوزتكَ أكثر من إصبعٍ ترفعينها للاعتراض؟ ترفعينها ولا تعترِضين، إذ لو وقفت أكثر من المسموح ولو نطقت برفقةِ الوقوف تٰكسَر. تُكسَر ولا يبقى بحوزتكَ شيء".

ما الذي باستطاعتك فعله سوى أن ترفعي حاجباً فوق أخيه، وإن سألوكَ أجبتِ:" لستُ أنا الذي يتحكم به. حاجبي مريضٌ بالوسواس القهري. يرتفِع وحده. ليس لأن كُل هذا لا يعجبني، مُحال أن لا يعجبني ظُلمكُم. ألستُم أنتم الأدرى أين هي الجحيم؟".

وكم أحلمُ بحمل الجميع في حقيبةٍ واحدة، أهربهم إلى الخارج، ولا يعنيني ما هو الخارج ما دام ليس كما الداخل.

وأيُّ حقيبةٍ تلك التي تتسع للجميع؟ وما يزال "الحق" بأن تتسع لهم جميعاً يأكلني. ويبصقني في الداخل.

أركب تاكسي وتتنقل بي داخل الشوارع، أرى وجوهاً كثيرة، كلها جميلة، أرغب بالنزول عند كُلِّ وجهٍ واسأله: "ما هي أحلامك؟"

وأرغب لو كنت "مصباح علاء الدين" فيفرك وجهي وتتحقق أحلامه.

لكنني لستُ مصباحاً سحرياً، أنا مجرد وجه ضمن هذه الوجوه، وجه جميل يتمنى لو يسأله أحدهم: "ما هي أحلامك؟". ولا أريد أن يحققها لي، ولكن أريده أن يجعل كُل شيء وارِداً وغير مستحيل في هذه البلاد!  فنرسم خطة معاً وأعمل على تحقيقها.

بالعودة إلى تلك الوجوه، أتخيلها من خلف شباك التاكسي كوجوه إعلانية وإعلامية وسينمائية وطبية و...

أقوم بإلباس أصحابها الملابس الفارهة وأجعلهم يبتسمون بثقة، أضع أمام بائع الفول في حيّنا سيارة حديثة، وأتمادى كثيراً في خيالي قبل الوصول إلى المنزل، فأصل وأتنهَّد وأفتح باب المنزل، ولا أجد الكهرباء أيضاً، ويكون الجو بارداً وأرغب لو أن بائع الفول في حينا يعيرني سيارته لأذهب خارج حدود المدينة وأعود مع موعد عودة الكهرباء من دون الحاجة لرفع إصبعي أو التفكير في رفعها.

أجلس في هذا البرد وأحاول التوجه للحب قليلاً فأذكُر أني لم أشعر به منذ مدة، وأن الحب أيضاً لطالما كان بارداً معي وأنني في الحب أيضاً لم أملك سوى إصبع للاعتراض ولم اعترض.

وأسأل نفسي أيضاً لو حملت الجميع في حقيبةٍ صغيرة وأخذتهم للخارج، كم سنحتاج جميعنا لإعادة تأهيلٍ لئلَّا ننكرَ حاجبنا الذي يرتفع، كم سنحتاج لدوراتٍ مكثفة تقنعنا أننا أحياء 

وأسأل نفسي من كان السبب؟

ولماذا لم نعُد نعترِض في المسموح أيضاً، كما لو أن الممنوع جعل كل شيء ممنوعاً، جعل المسموح ممنوعاً لئلَّا نعتاد الاعتراض فتسرح إصبعنا يوماً وتغفل وتعترِض على الممنوع فتُكسَر.

وأسأل نفسي أيضاً لو حملت الجميع في حقيبةٍ صغيرة وأخذتهم للخارج، كم سنحتاج جميعنا لإعادة تأهيلٍ لئلَّا ننكرَ حاجبنا الذي يرتفع، كم سنحتاج لدوراتٍ مكثفة تقنعنا أننا أحياء ونشبه كل تلك الوجوه الإعلامية والإعلانية والسينمائية وأننا وجوهٌ جميلة، جميلة جداً لكنَّ غبار الهم والشقاء والخوف ملتصقٌ بها بقسوة.

وبعد كُلِّ هذا، أقف قبالة المرآة وأسألها: "ما الذي بحوزتك أكثر من إصبعٍ ترفعينها للاعتراض. ترفعينها ولا تعترضين، إذ لو وقفت أكثر من المسموح ولو نطقَت برفقةِ الوقوف تُكسَر. تُكسَر ولا يبقى بحوزتكَ شيء".

فأُدرِك كم أنني لا أملكُ شيئاً وأكسر هذه الإصبع.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard