"كيف ابنك طمنيني عن أخباره؟"... مسيحيو الزبداني بريف دمشق يحتلفون بالميلاد رغم الحزن

السبت 26 ديسمبر 202001:15 م


إنها الساعة العاشرة من صباح الجمعة، الخامس والعشرين من كانون الأول.

تمتلئ شوارع مدينة الزبداني الجبلية في ريف دمشق الغربي بالوافدين نحو كنيستها المتربعة في أعلى زقاق ضيق متعرّج، وهم يسرعون الخطى وسط طرقات يكسو الركام جوانبها.

قد يظن الزائر للوهلة الأولى أن الكنيسة الأثرية، وهي من أقدم كنائس ريف العاصمة السورية وتحمل اسم "رقاد السيدة" أو "سيدة النياح"، لا تحتضن صلوات عيد الميلاد لهذا العام، فالدمار يبدو واضحاً على واجهتها، وبابها الحديدي الكبير مغلق، ولا أصوات أجراس تدعو الناس للصلاة كما العادة.

لكن امتلاء قاعة صغيرة إلى جانب بناء الكنيسة الأساسي بالمصلين رويداً رويداً، وارتفاع صوت الجوقة الصغيرة المؤلفة من ستة مرتلين بترانيم العيد، وشرائط الإضاءة التي تلف شجرة خضراء متوسطة الحجم مزينة بكرات وأجراس ذهبية، تكفي لتنبئ بأن الاحتفال بميلاد المسيح قائم هنا، وإن كان مختلفاً بعض الشيء عما تشهده كنائس أخرى.


من قداس عيد الميلاد في كنيسة رقاد السيدة بالزبداني - تصوير زينة شهلا


محتفلون كثر، وغائبون أكثر

الساعة الحادية عشرة، تغصّ القاعة المتواضعة التي تزينها ست أيقونات كبيرة، بالقادمين من أنحاء المدينة الواقعة على سفوح جبال لبنان وهي واحد من أشهر المصايف في ريف دمشق، وقد عاشت بين الأعوام 2012 و2017 بعضاً من أقسى وأعنف فصول الحرب السورية. نساء ورجال وأطفال، وشبان وفتيات، والكثير من كبار السن، والجميع يرتدون كمامات للوقاية من عدوى فيروس كورونا، والبعض يضع قبعات حمراً على رأسه.


من قداس عيد الميلاد في كنيسة رقاد السيدة بالزبداني - تصوير زينة شهلا


ومع تتالي طقوس قداس العيد، ترتفع أصوات المصلين والمرتلين ممتزجة بصوت الكاهن، وتعلو بشكل خاص عند الدعاء للبلاد وأهلها والغائبين عنها، ولا يصعب تمييز بعض من تنهمر دموعهم أثناء ذلك، وخاصة سيدات ممن فقدن ابناً أو أكثر، وفاةً أثناء الحرب أو سفراً للهرب منها.

قبيل الثانية عشرة تنتهي الصلاة ويخرج الجميع وهم يتبادلون التحيات والتهانىء، ويتمنون بعضهم لبعض أياماً أفضل، وتحتل أخبار الأبناء المسافرين جزءاً كبيراً من أحاديثهم. "كيفه ابنك طمنيني عن أخباره؟". "كيفهم ولادك انشالله أمورهم بخير بالبلد الجديد؟". "الحمدلله مناح بس مشتاقين لهم. العيد ما حلو بدون الأولاد والأحفاد".

رغم الحزن والخسارات الكبيرة، أحيا مسيحيو الزبداني بريف دمشق طقوس عيد الميلاد في كنيسة مدينتهم.

ووفق تقديرات كاهن الرعية، الأرشمندريت إبراهيم داوود، يُقدر عدد العائلات المسيحية اليوم في المدينة بحوالى 150، وهو في تزايد تدريجي، بعدما كان أكثر من 625 عائلة قبل بداية الحرب. "يحاولون العودة شيئاً فشيئاً رغم صعوبة الظروف هنا، لكن كثراً توفوا أو سافروا، أو فضلوا البقاء خارج المدينة حالياً"، يقول الكاهن في لقاء مع رصيف22 داخل الكنيسة بعد انتهاء طقوس الاحتفال.



أجراس كنائس الزبداني لم تُقرع منذ بدء الحرب

يقيم المسيحيون في مدينة الزبداني والسهل المحيط بها منذ مئات السنين، بحسب الكاهن، ويعود تاريخ كنيسة رقاد السيدة، وهي للروم الأرثوذوكس الطائفة الأكثر عدداً في المدينة، إلى أوائل القرن العشرين. ووفق توثيق الباحث الأب متري هاجي أثناسيو، فإن البناء الحالي للكنيسة هو ترميم لمبنى أقدم بُني عام 1835 على أنقاض كنيسة أقدم عهداً.

وكما جميع المدن والبلدات السورية التي تحولت مناطق ساخنة خلال سنوات النزاع الأخيرة، لم يجد معظم أبناء الزبداني، ومن ضمنهم المسيحيون، بداً من النزوح بحثاً عن الأمان، وذلك بين العامين 2011 و2012، ولم تصبح عودتهم متاحة وآمنة إلا مع صمت آخر أصوات المعارك منتصف العام 2017، فبدأوا بالتوافد لمنازل معظمها مدمر جزئياً أو كلياً.

اشتاق لأبنائي كثيراً، خاصة في أيام كهذه، يفترض أن نكون فيها محتفلين معاً حول مائدة واحدة. لا أطلب من الله سوى أن يجمعني بهم، وأن أضم أحفادي لصدري بقوة كي أعوّض عن كل سنوات الغياب

"تشعر عائلاتنا بأنها متجذرة هنا، وهو ما يدفعها للعودة، وبذلك تشجّعنا نحن القائمين على الكنيسة منذ حوالى عام ونصف لإعادة إحياء الطقوس الدينية التي توقفت ستة أعوام متواصلة، بما فيها احتفالات الأعياد والقداديس الدورية"، يقول الكاهن ويضيف أن أعمال ترميم بناء الكنيسة، وهو متضرر بشكل كبير، بدأت منذ فترة، "فنحن نؤمن بأن الكنيسة تقوم أساساً على البشر وليس على الحجر، وما دامت أعداد العائدين في ازدياد، من واجبنا أن نعيد تأهيل مكان العبادة الخاص بهم".

هذه الأعمال تشمل جرس الكنيسة الكبير، الذي توقف تماماً عن الرنين منذ بداية الحرب حتى اليوم، إلا أن ذلك لا يعني عدم إقامة الصلوات، فالجميع يحفظون مواعيدها عن ظهر قلب، ويحضرون من دون تأخير، "وبالطبع نأمل أن نعود لسماع صوت الأجراس قريباً جداً في المدينة، وهو أمر يعني لنا الكثير"، يقول الكاهن قبل أن يهرع مسرعاً نحو واجب كنسي آخر.


الصورة في الأعلى: كنيسة رقاد السيدة بالزبداني عام 2004. المصدر: كتاب أديرة وكنائس دمشق وريفها | الصورة في الأسفل: واجهة كنيسة رقاد السيدة اليوم. تصوير: زينة شهلا


فرحة العيد ناقصة

مع انتهاء آخر صلوات قداس عيد الميلاد، وبعد تبادل الأمنيات الطيبة مع بقية المصلين، تسرع أمل داوود نحو منزلها المجاور للكنيسة. تلقي التحية على زوجها إبراهيم شلهوب، وتدخل المطبخ لإعداد القهوة وتحضير الحلويات لبعض الزوار والمهنئين بالعيد.

يتبادل الجميع أخباراً اعتيادية عن أحوال مدينتهم، واستمرار حاجتهم للمزيد من الخدمات وإصلاح البنية التحتية المدمرة، خاصة مع تمتع المنطقة بجو شديد البرودة في فصل الشتاء، وهذا ما يعني حاجة أكبر للكهرباء ووقود التدفئة، وهما أمران غير متوافرين بالشكل المطلوب حتى اليوم.

تقطع الأحاديث بعض الرسائل التي تتلقاها أمل، والتي يناديها الجميع بـ"أم جورج". تفتح هاتفها المحمول، وتبتسم عند رؤية صور لعائلتي ابنيها الوحيدين المسافرين، جورج والياس، وأحفادها الخمسة الذين يعيشون في السويد وكندا. ابتسامة ما تلبث أن تنقلب دموعاً وهي تتحدث عنهم.

تشعر عائلاتنا بأنها متجذرة هنا، وهو ما يدفعها للعودة، وبذلك تشجّعنا نحن القائمين على الكنيسة لإعادة إحياء الطقوس الدينية التي توقفت ستة أعوام متواصلة، بما فيها احتفالات الأعياد والقداديس الدورية، فالكنيسة تقوم أساساً على البشر وليس على الحجر

"اشتاق لهم كثيراً، خاصة في أيام كهذه، يفترض أن نكون فيها محتفلين معاً حول مائدة واحدة. لا أطلب من الله سوى أن يجمعني بهم، وأن أضم أحفادي لصدري بقوة كي أعوّض عن كل سنوات الغياب"، تقول السيدة الستينية وهي معلّمة متقاعدة لرصيف22، وتخبرني بأنها رفعت هذه الأدعية أثناء قداس العيد في الصباح، وألحقتها بدعاء لجميع شباب المدينة، كي تكون لهم أيام أفضل.

تضيف أم جورج، ويوافقها زوجها الثمانيني، بأن ما يعزيها هو أن عائلتها بقيت سالمة ولم تمس بأذى أثناء الحرب، رغم الدمار الكبير الذي أصاب المنزل، وبأن الفراق هو "كأس مرّ شرب منها جميع السوريين من دون استثناء"، لكنها تشعر بغصة كبيرة كلما تذكرت كيف كان المنزل يعج بأفراد العائلة فيما مضى، وبأنها تقضي يوم العيد وحيدة مع زوجها. "مع ذلك، لم يمنعنا الحزن والشوق للغائبين من ممارسة الطقوس وإعداد بعض الحلويات، وهو أمر تعاوننا عليه أنا وأبو جورج، فمن دونها لا يكتمل العيد"، تتابع حديثها بابتسامة تشرق لها عيناها الصغيرتان الممتلئتان بالدموع.


الطريق المؤدي نحو كنيسة رقاد السيدة في الزبداني - تصوير زينة شهلا


احتفالنا اليوم هو إنجاز كبير

"نحن نصلي حين نحزن، ونرتّل حين نفرح". بهذه العبارة يجيبني فضل الله الخولي، الشاب ذو الأحد والعشرين عاماً، حين أسأله عما تعنيه له صلاة العيد، والمشاركة في جوقة الكنيسة مع كونه أحد منشديها الأساسيين.

وهو كان قد نزح مع عائلته من المدينة عام 2012 وعاد إليها بعد خمسة أعوام ليجد منزله مدمراً، يشعر بأن احتفال العيد بما يتضمنه من صلاة ونصب شجرة ومغارة كبيرة بجانبها، هو "بمثابة إنجاز كبير لي ولشباب وشابات المدينة، فنحن نعيش ونعمل ضمن ظروف صعبة للغاية"، يقول أثناء لقاء معه داخل قاعة الكنيسة العلوية المزينة زينة بديعة.


الشجرة وزينة المغارة في كنيسة رقاد السيدة - تصوير زينة شهلا


ويصر فضل الله، وهو اليوم طالب في السنة الرابعة بكلية طب الأسنان، على الحضور بشكل دائم للكنيسة، والمشاركة بأنشطتها وفعالياتها، بما في ذلك الترتيل ضمن القداديس، وهو أمر يفعله منذ الصغر. "انقطعنا عنها خمسة أعوام، وها نحن اليوم نعود إلى مدينتنا التي ننتمي إليها. للأسف معظم الشباب يفكرون بالسفر والبحث عن مستقبل أفضل، لكني أرى أن من مسؤوليتنا البقاء هنا قدر استطاعتنا، فإن غادرنا جميعاً، فلمن نترك المدينة؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard