لبنان يُجرّم التحرش الجنسي… ثغرات وعوائق أكبر من القانون "الهدية" المُنتظَر

الاثنين 21 ديسمبر 202006:53 م

على جدول ضمّ أكثر من 60 بنداً، اجتمع مجلس النواب اللبناني في قصر الأونيسكو في بيروت. من بين البنود التي صدّق عليها المجلس كان اقتراح قانون تجريم التحرش الجنسي، لا سيما في أماكن العمل.

بموازاة قانون معاقبة التحرش، أقرّ المجلس البند المتعلق بتعديل قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري، رغم طلب عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب إبراهيم الموسوي إعادته، بحجة أن بعض بنوده قابلة للطعن من "رؤساء الطوائف".

مع "تجريم التحرش"، ينضم لبنان إلى دول أخرى سبقته بقوانين مماثلة منذ وقت غير بعيد كالجزائر والمغرب عام 2015 وتونس عام 2016، فيما تبقى دول عربية عدة تفتقر لقوننة آليات محاسبة التحرش الجنسي.

والقانون اللبناني نفسه كان قد مرّ بمسار طويل بدأ منذ أعوام عدة، لتأتي صيغته النهائية اليوم، في 21 كانون الأول/ ديسمبر، كخُلاصة لكل المقترحات المقدمة خلال السنوات الماضية.

من هنا، قُدّم القانون الجديد باعتباره "هدية ثمينة" طال انتظارها، لكن ناشطين ومتابعين للقانون منذ بدايات تشكله، رصدوا فيه ثغرات عدة تُعطّل فعاليته في حماية ضحايا التحرش، في وقت كان هناك من انتقد المقاربة القانونية نفسها التي يعتمدها المشرّع اللبناني.

مسار قانوني معقد بدأ قبل سنوات

في أيار/ مايو الماضي، كشف موقع "شريكة ولكن" المهتم بـ"دعم عمل ونضال المنظمات النسوية والحقوقية" أن واحدة من كل أربع نساء في لبنان يتعرضن للتحرش، وأن نسبة 49٪ من الاعتداءات ارتكبها أفراد الأسرة، بينما 24٪ فقط من اللواتي تعرضن للتحرش أبلغن الشرطة.

وبحسب أرقام المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، عن شهري تموز/ يوليو وآب/ أغسطس الماضيين، فقد سُجّلت 143 شكوى تحرش (47 في الشهر الأول و96 في الشهر الثاني)، وهو ما اعتبرته المديرية زيادة بنسبة 104٪ عن السنة السابقة، مع العلم أن الشكاوى هي تلك الخاصة بالتحرش الإلكتروني فقط والتي وصلت عبر خدمة "بلّغ" الإلكترونية.

تعطي هذه الأرقام صورة أولية عن حجم المشكلة في لبنان، في وقت يبقى ما خفي من الحالات أعظم في ظل مخاوف نساء كثيرات من الحديث عن تعرضهن للتحرش أو خوض مسار قانوني لمحاسبة المرتكِب، وفي ظل ثقافة ذكورية لا تزال تُحمّل الضحية المسؤولية الأكبر عن تعرضها للتحرش، وتجعلها عرضة لأحكام مسبقة ومسار قانوني عقيم وردات فعل انتقامية.

قبل الخوض في الثغرات ونقد المقاربة، قد يُقدّم المسار الذي سلكه اقتراح القانون صورة عن خلاصاته.

في عام 2012، شارك عدد من المحامين والباحثين والقضاة والناشطات النسويات في صياغة مشروع قانون حول التحرش الجنسي والمعنوي داخل أماكن العمل وخارجها، في إطار مشروع "مغامرات سلوى" الذي نظمته جمعية "المجموعة النسوية" آنذاك.

قُدّم القانون الجديد لتجريم التحرش في لبنان باعتباره "هدية ثمينة"، لكن متابعين للقانون منذ بدايات تشكله، رصدوا ثغرات عدة تُعطّل فعاليته في حماية ضحايا التحرش، في وقت انتقد آخرون المقاربة القانونية التي يعتمدها المشرّع... ما هي الثغرات في القانون وفي المقاربة نفسها؟

وفي يوم المرأة العالمي عام 2017، أقرّ مجلس الوزراء اللبناني مشروع قانون تقدم به وزير الدولة لشؤون المرأة جان أوغاسابيان والذي يرمي الى معاقبة التحرش الجنسي.

اعتبر الوزير المشروع آنذاك "هدية للمرأة اللبنانية" في يومها العالمي، علماً أنه أتى بعد فترة قصيرة من حملة استهزاء شارك فيها نواب كثر ضد مشروع قانون معجل مكرر كان قد قدمه النائب غسان مخيبر لتجريم التحرش الجنسي والإساءة العنصرية. وقتها، وُصف مخيبر بـ"مرتاح البال" وقيل إن قانونه سيُستغل للانتقام من أصحاب العمل.

هكذا بات هناك مشروعان: مشروع مخيبر ومشروع أوغاسابيان. تم دمجهما معاً، وعلى الاثنين كان هناك انتقادات حول مشكلة تعريف التحرش، وغياب التصدي للتحرش المعنوي وربط واجب إثبات التحرش بالضحية.

في عام 2019، أُضيف لمقترحي مخيبر وأوغاسابيان اقتراحات أخرى، وبشكل أساسي اقتراحَي النائبة عناية عز الدين ("كتلة التحرير والتنمية") والهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية التي ترأسها حالياً كلودين عون، ابنة رئيس الجمهورية.

وفي العاشر من الشهر الماضي، أنجزت لجنة الإدارة والعدل النيابية اقتراح القانون الرامي إلى "تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه" الذي أُقرّ اليوم، بينما أوحت التصريحات الرسمية بأنه أتى كتوليفة لمختلف مشاريع القوانين المقترحة سابقاً.

الثغرات في القانون الجديد

كريم نمّور صحافي متخصص يتابع الموضوع مع "المفكرة القانونية" منذ سنوات، وكتب مراراً حوله. في حديث لرصيف22 معه، يشير إلى 12 ثغرة في القانون الجديد، وثقها في تقرير مطوّل نشره في المفكرة.

ومن أبرز الثغرات الذي تطرأ إليها، كانت "الإشكاليات التي تعتري تعريف التحرش". فبينما يُعرّف اقتراح عزالدين التحرّش الجنسي على أنه "أي سلوك سيئ متكرر خارج عن المألوف، غير مرغوب فيه من الضحية، ذي مدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للمشاعر"، يعتبر أيضاً تحرشاً جنسياً "كل فعل أو مسعى ولو كان غير متكرر يستخدم أي نوع من الضغط النفسي أو المعنوي أو المادي أو العنصري يهدف فعلياً للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية يستفيد منها الفاعل أو الغير".

من المُلفت، حسب نمّور، أنه في حين "أدخل عنصر التكرار في صلب تعريف التحرّش – والمقصود هنا هو استبعاد الحالات العرضية ومعالجة النمطيات في السلوك – فهو بالمقابل استبعد هذا العنصر في حال توفر أي نوع من الضغط على الضحية".

ويقول نمّور إن استخدام اقتراح القانون لكلمة "سيئ" في توصيفه للسلوك المُقترف ضمن تعريفه للتحرش الجنسي، يشي بمقاربة أخلاقية من قبل المشرّع لإشكالية التحرش في المجتمع أكثر مما هي مقاربة آيلة إلى حماية أشخاص وقعوا ضحايا عنف جنسي.

من الملفت أيضاً، كما يقول نمّور، أن الاقتراح وفي حين عاقب التحرش مهما كان المكان الذي وقع فيه وأزال عنصر التكرار في حال توفر أي نوع من الضغط على الضحية، فهو بالمقابل لا يميّز بين أجير وصاحب عمل في حال وقع التحرش في إطار العمل، ما يستدعي التساؤل كون الأمر يفتح باباً واسعاً أمام أصحاب العمل لاستغلال هذا النص ضد أجرائهم.

لم يتضمّن القانون كذلك أحكاماً خاصة للتصدي للتحرّش المعنوي، لا سيما في إطار علاقات العمل.

يُعاقب القانون كل من أقدم على ارتكاب جريمة التحرّش الجنسي بالحبس من شهر حتى سنة و/أو بغرامة تتراوح بين ثلاثة وعشرة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور، وقد تصل العقوبة إلى ستة أشهر كحد أدنى وسنتين كحد أقصى و/أو بغرامة تتراوح من عشرة أضعاف إلى عشرين ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور في حال وقع الفعل في إطار رابطة التبعية أو علاقة العمل. أما في حال وقع الجرم على حدث أو على شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة أو على من كان لا يستطيع المدافعة عن نفسه، فيتحوّل الفعل من جنحة إلى جناية تُعاقب من سنتين إلى أربع سنوات سجن.

وهكذا يعلق نمّور بأن القانون لجأ حصرياً إلى المنطق العقابي لمعالجة مشاكل التحرش، دون إيلاء أي دور للقضاء المدني أو لمجالس العمل التحكيمية أو للوساطة في قضايا حساسة مثل هذه.

كما يترك نص الاقتراح الذي أُقرّ هامشاً واسعاً للتضارب بين مختلف بنوده. ويتضمن ثغرة تخص إمكانية مباشرة الملاحقة من دون شكوى من الضحية، بينما لم يترك أي هامش للضحية للتحكم بمآل الدعوى، وتالياً إمكانية استخدامها كورقة تفاوض والعدول عنها متى تشاء.

بين عامي 2012 و2019، ظهرت مقترحات قوانين مختلفة لتجريم التحرش الجنسي في لبنان، حتى أقرّ مجلس النواب اليوم قانوناً اعتُبر خلاصة جمعت ما ورد في المقترحات السابقة. رغم ذلك، قال متابعون ومتخصصون إن فيه ثغرات وشوائب تعطّل من فعاليته، فما هي مشكلات النص القانوني وعوائق تطبيقه؟

ويشكك نمّور في مدى فعالية الغرامات المرتبطة بالحد الأدنى للأجور لردع التحرش، في ظل تدهور الليرة اللبنانية الراهن مقابل ثبات الحد الأدنى الرسمي للأجور الذي لم يتم تعديله منذ عام 2012.

وينتقل للحديث عن إشكالية عبء إثبات الضرر الموضوع على الضحية، فضلاً عن إشكالية الضمانات لحمايتها، لا سيما داخل مكان العمل، كما يتقاعس القانون عن إيجاد أي موجبات على أصحاب العمل بخلق بيئة سليمة وآمنة.

ويُنهي نمّور كلامه بالإشكاليات التي تعتري مسألة إيجاد صندوق خاص لمساعدة ضحايا التحرش، حيث تنص المادة السادسة من القانون على إنشاء صندوق لدى وزارة الشؤون الاجتماعية، يتولّى مساعدة ضحايا التحرش الجنسي وضمان الرعاية لهم بما يكفل تأهيلهم واندماجهم في المجتمع، مشيراً إلى تجارب سابقة فشلت في تفعيل هذا النوع من الصناديق. 

على ضوء كل ما سبق، يتخوّف نمّور من فعالية القانون الجديد، فيقول إنه من المبكر الحكم عليه، لكن المؤشرات تفيد بأنه لن يحقق المطلوب منه بشكل أساسي.

تحديات المقاربة التشريعية

"المسار التشريعي هو مسار مهم تجاه كل قضايا حقوق الإنسان لأنه يكرس وجود نص يساعد في تدعيم فكرة الوقاية والحماية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، خاصة النساء. كما أن المسار التشريعي جزء لا يتجزأ من التزامات الدول".

بهذا التصريح تبدأ المحامية والناشطة في مجال حقوق النساء منار زعيتر التعليق على القانون الجديد، لكنها تشير إلى أن "التحدي يكمن أمام هكذا تشريعات بعدم إمكانية التعاطي معها تقنياً، إذ لا بد من مقاربتها حسب السياق العام السائد، والحكم على قدرة أن يكون النص أكثر من حبر على ورق، وقدرة المعنيين بالقانون والشريحة التي أتى لأجلها بشكل أساسي (النساء) على الاستفادة منه".

تقول زعيتر، في حديثها لرصيف22، حول موضوع التحرش الجنسي والقانون: "على أهمية إقرار النص القانوني فإذا لم يستتبع بجملة من الإجراءات والتدابير، يبقى مبتوراً". وبرأيها "كل إشكالية التحرش الجنسي لا يمكن معالجتها من دون معالجة إشكالية العنف الجنسي في لبنان"، متسائلة "كيف أقرّ نصاً يجرّم التحرش الجنسي وفي كل قانون العقوبات ليس لدي نص يجرّم العنف الجنسي؟".

"لا ينبغي على المشرّع اللبناني أن يتعامل مع القوانين بالمفرّق، فالقوانين حزمة لا تنفصل وتكون ضمن ورشة تشريعية لكل القوانين، وإلا نكون أمام نصوص غير متسقة، تعطّل إمكانية الاستفادة منها".

وبينما رُبط قانون تجريم التحرش الجنسي بشكل أساسي بميدان العمل، تعتبر زعيتر أنه لا يمكن التعاطي بحياد مع هذه المسألة في بلد كلبنان تعرف علاقات العمل فيه أشكالاً غير صحية، الطاغي فيها حالات الابتزاز وعدم احترام الحقوق.

هكذا ترتبط فعالية القانون الحالي، بشكل أو بآخر، بقانون العمل الذي يعود لعام 1946، والذي يحتاج للكثير من التطوير في ظل عدم حمايته للكثير من الفئات الهشة، وغياب العديد من المهن الجديدة عنه.

"مسألة الحماية من التحرش الجنسي في ميدان العمل تنبغي مقاربتها بمستويين: قانون العمل الذي يحتاج إلى نفضة تشريعية مهمة، ومستوى كل بيئة العمل التي لم تتمكن من خلق علاقات متساوية".

وفي مسألة أخرى مرتبطة بالسياق، تشير زعيتر، وهي باحثة كذلك في مجال حقوق الإنسان، إلى عدم إمكانية فصل القانون عن فكرة الوصول إلى العدالة. والنساء في لبنان يعانين من هذه المسألة طبعاً باختلاف وضعياتهن، وهي معاناة فردية تتصل بقدرة كل واحدة منهن على فضح التحرش، وبثقتها في النظام القضائي… ومعاناة مجتمعية مرتبطة بالمنظومة وعدم وجود رأي عام مساند تماماً لضحايا التحرش، رغم تكرر الكثير من الحالات وفضحها لا سيما في الفترة الماضية.

التحدي في ما يخص القانون الجديد يظهر كذلك على المستوى المؤسسي، وتحديداً على مستوى القضاء وأجهزة إنفاذ القانون، حيث لا تزال النمطية والمواقف الذكورية تطبع مواقف قضاة كثر، وحيث يشهد المجتمع اللبناني أزمة ثقة مع المنظومة القانونية. 

في النهاية، ترى زعيتر أن المطلوب من السلطات البدء بالتعامل مع القوانين كجزء من حزمة التزامات على الدولة أن تعمل عليها معاً، ولا تقتصر على النص.

"لا ينبغي على المشرّع اللبناني أن يتعامل مع القوانين بالمفرّق، فالقوانين حزمة لا تنفصل وتكون ضمن ورشة تشريعية لكل القوانين، وإلا نكون أمام نصوص غير متسقة، تعطّل إمكانية الاستفادة منها"، تقول زعيتر مشيرة إلى تأثير قوانين كقانون الجنسية، والوصاية، والعنف الأسرى والمشاركة السياسية وغيرها على بعضها البعض، وبالتالي على الفئات المستهدفة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard