مهرجان "سوا"... أفلام عن الفساد في لبنان، فنزويلا والبرازيل

السبت 19 ديسمبر 202012:41 م

في ظل الظروف الثقافية الصعبة والإجراءات الوقائية من كوفيد-19، تعقد مؤسسة "ميتروبوليس" بالتعاون مع مجموعة من المؤسسات الثقافية الفاعلة، مهرجاناً سينمائياً بعنوان "سوا"، يتضمن ستة عروض لستة أفلام، ثلاثة منها تمّت على مسرح دوار الشمس في بيروت، بين 15-18 الشهر الحالي، على أن يستكمل المهرجان في صيدا بين 18-20 منه، على مسرح إشبيلية.


انعكاسات الوضع السياسي والاقتصادي على الحياة اليومية

الفيلم اللبناني "تحت التحت، سارة قصقص" من إنتاج العام 2018، لكنه يعرض للمرة الأولى في لبنان، وهذا يدلّ على الصعوبات التي تعاني منها عروض السينما المستقلة في لبنان. يتألف الفيلم من ثلاث قصص متوازية تجري في بيروت، في ظل الأزمة الاقتصادية والمعيشية السائدة: حكاية سائق التاكسي الفلسطيني اللبناني الذي يعيش بعيداً عن عائلته وينام في السيارة، والذي يحاول ما أمكنه أن يسترجع حياته الماضية، لكن ضمن الظروف الاقتصادية التي يعانيها يستحيل ذلك. حكاية الطفل السوري الفارّ من الحرب والذي يعيش في الشوارع منتظراً عودة صديقه المفقود، والمرأة اللبنانية سامية، التي تسعى لأن تُخضع والدتها لعملية في العين لتحميها من العمى.

يتناول فيلم "تحت التحت، لـ"سارة قصقص" أثر الأزمة السياسية والاقتصادية التي يعاني منها لبنان ويعرض قصص الفئات الشعبية الـ "تحت التحت"

تتشكل الحكايات ضمن فضاء مدينة بيروت وهي تعاني الضائقة الاقتصادية، انعدام فرص العمل، البطالة، الفقر وكذلك الفساد. والفيلم يقدم للباحثين أو المتسائلين أثر الأزمة السياسية والاقتصادية التي يعانيها لبنان. نماذج حكايات تعكس لهم مباشرة واقع الحياة لدى الفئات الشعبية الـ "تحت التحت"، كما يبين عنوان الفيلم، المأخوذ من عبارة يقولها سائق التاكسي للتعبير عن حاله وحياته في الحديث داخل الفيلم. وبالتالي، فإن الفيلم يجيب عن أثر الحدث السياسي والاقتصادي الحالي على واقع حياة الناس، من خلال الحكايات الثلاث التي اختارت المخرجة أن تروى بلسان أصحابها، وبالكاميرا الواقعية التي أرادتها.

نتابع تفاصيل حياة الشخصيات، تنام الكاميرا ليلاً في سيارة سائق التاكسي حيث يرقد، تدخل إلى الأماكن والحارات الخالية من الخدمات التي تعيش فيها عائلة سامية، وتمضي دقائق طويلة من الفيلم ونحن نرافق الطفل السوري الذي يعيش في "براكية" على شاطئ البحر، مع أطفال آخرين بلا مأوى، فنتابع علاقاتهم لعبهم، لكن الكاميرا تحاول أن تلتقط لحظات القلق، الخوف من المستقبل، سؤال المصير الذي يرتسم في أذهانهم بين المرة والأخرى في أحداث الفيلم.

كلها شخصيات تعاني على المستوى الذاتي: قلق، وضع نفسي سيء، إدمان على الكحول، وعلى المستوى الاجتماعي، في علاقتها بالعائلة وبمن حولها في الفضاء الاجتماعي، وعلى المستوى العام، أي انعدام حقوق اللاجئين، سوء الإدارة في السلطة، عدم التوازن في توزيع الثروة، ومشكلات الفقر والبطالة في لبنان.

تلتزم المخرجة الكاميرا الواقعية، لكن بالمراقبة الحثيثة لشخصياتها بدون أن تمرر أحكاماً قيمية أو أخلاقية تجاه حكاياتهم. إن دور المخرجة كان باختيار ما تظهره مما صورته وما تستغني عنه. لكن ما ركزت عليه الرؤية الإخراجية من اللقطات الافتتاحية للفيلم، هو ربط حكاية هؤلاء الشخصيات بالمصير الذي تعيشه مدينة بيروت.

فالمدينة لا تحضر فقط كخلفية ديكور للأحداث أو كإطار سياسي واجتماعي لفهم الحكايات، بل أيضاً تحضر بصرياً-سمعياً حين تمرر المخرجة، بين الحين والآخر في فيلمها، العديد من اللقطات الثابتة أو المتحركة لمجمل أبنية المدينة، حين تمرر عدستها في الحارات الشعبية، حين تركز على التقاط مظاهر الطفولة المشردة، العائلات الظاهرة بلا مأوى في الشوارع وظواهر الفقر والتسول.

الفساد الموضوعة المهيمنة على الأفلام

كما يحضر الفساد في الفيلم اللبناني كواحد من موضوعات الفيلم وانعكاسه على حياة الشخصيات، يحضر أيضاً بوضوح في الفيلم الفنزويلي "حدث ذات مرة في فنزويلا، آنابيل رودريغيز، 2020"، ليكون واحداً من موضوعاته الأساسية. يروي الفيلم حكاية قرية "كونغو ميرادور" وهي قرية تعلو منازلها فوق الماء، بجانب أقرب حقل للنفط في فنزويلا على بحيرة "ماراكايبو"، وتعاني من سوء الخدمات، إهمال الدولة المركزية، الفساد الإداري والتعليم، ومؤخراً أصبح يتهددها خطر الاندثار بسبب الترسبات الطينية التي تؤدي إلى انهيار البيوت فوق البحيرة.

يظهر موضوع الفساد وانعكاساته على حياة الأشخاص في الفيلم الفنزويلي "حدث ذات مرة في فنزويلا" كواحد من موضوعات الفيلم الأساسيّة، وهو الموضوع نفسه الذي يظهر بوضوح في الفيلم اللبناني "تحت التحت"  

عبر هذه الحكاية التوثيقية اللماحة، تختار المخرجة شخصياتها الواقعية لتعكس لنا أكبر قدر ممكن من الواقع الفنزويلي، عبر حكاية معلمة تعكس واقع الفساد في التعليم، فقر الموارد وتسلط الحزب الحاكم على هيئات المعلمين والإداريين، وعبر حكاية طفلة تعكس واقع الطفولة في فنزويلا، بين تدني المستوى التعليمي في المدارس، ظاهرة الزواج المبكر، وعمالة الأطفال الجبرية في ظل الأوضاع الاقتصادية.

ومن خلال حكاية ممثلة الحزب الحاكم في البلدة، نكتشف الفساد والرشاوي والمحسوبيات والتفضيلات والقوى التي يمتلكها المنتمون للحزب الحاكم، بالمقارنة مع غير المنتمين.في الفيلم، تنرسم فنزويلا في ظل حكم الحزب الواحد، الاستسلام المطلق لأفكار وأقوال تشافيز، والاستمرار في الوقوف إلى جانب مادورو من بعده. صور القائد الخالد والقائد الحالي تحتل الكادرات، صور الرئيس تشافيز في غرف النوم وفي المجالس الداخلية للبيوت.

أيضاً من حكايات الشخصيات تتشكل الخطوط السردية للفيلم، لكن الفيلم يوثق لحدث سياسي مهم في تاريخ فنزويلا، وهي الانتخابات البرلمانية التي جرت قبل أربع سنوات، وأدت لانتصار المعارضة الفنزويلية بقيادة خوان غوايدو. نتابع أحداث الانتخابات في القرية بيومياتها، الجهود الكبيرة التي يبذلها الحكم الحاكم للفوز بالانتخابات، خطابات متكررة من مادورو يصر على أهمية الانتخابات القادمة، الضغوط التي يمارسها الحزب الحاكم على السكان لأجل الحصول على أصواتهم، وصف المعارضة بالعمالة والخيانة، الرشاوي التي يدفعها رئيس البلدية وممثلة الحزب الحاكم في القرية للأهالي للحصول على أصواتهم، من وعود الخدمات إلى المساعدات الغذائية والعطايا العينية، كالهواتف وغيرها، ومع ذلك فإن الحزب الحاكم يخسر الانتخابات.

فيلم استثنائي يجمع بين حكاية مكان جغرافي شبه عجائبي يعوم فوق الماء، وبين حكاية حدث تاريخي سياسي واجتماعي هو الانتخابات البرلمانية الاستثنائية في تاريخ البلاد

في تقديمها للفيلم، قالت نور عواضة، مؤسسة ميتروبوليس: "إن الفيلم يماثل الواقع الذي نعيشه من خلال الضغط الذي يمارسه الفساد على الحياة السياسية والاجتماعية، لكنه أيضاً يلهمنا بما علينا أن نفعله لأجل التغيير". وصحيح أن الفيلم ينتهي بفوز المعارضة الفنزويلية، إلا أن التيترات الأخيرة تحمل لنا معلومات بأن السلطة التفت وطورت من أدواتها، فقام مادورو بتأسيس الجمعية العمومية والتي منحها صلاحيات البرلمان، ليفرغه من قدراته وهو بين أيدي المعارضة.

فيلم استثنائي يجمع بين حكاية مكان جغرافي شبه عجائبي يعوم فوق الماء، وبين حكاية حدث تاريخي سياسي واجتماعي هو الانتخابات البرلمانية الاستثنائية في تاريخ البلاد، وحكاية مجتمع يتضمن بداخله الصراعات النموذجية بين السلطة والمعارضة، الفساد ومحاولات الاستمرار والنجاة، لأن كل خيارات الفيلم تبين مصير الهجرة الحتمية لسكان قرية "كونغو" التي تمثل بحكايتها نموذج البلاد كاملة.

الحكاية الرمزية في التعبير عن الواقع السياسي والثقافي

الفيلم الثالث أيضاً يروي حكاية قرية من خلالها نتعرف تاريخ البلاد، وهذه المرة هي البرازيل، مع فيلم "باكورو، للمخرجين كيلبر فيلو وجوليانو دورنوليس". وباكورو هو اسم قرية معناه الصقر الليلي، تقع في صحراء "سيرتاو" في الداخل البرازيلي. قالت عنه نور عواضة: "فيلم يوظف نوع الويسترن للسخرية من السياسيات النيوليبرالية التي ينتهجها الرئيس البرازيلي الحالي بولسينيرو، الذي يعتمد على التجارة الخارجية بدلاً من خلق فرص عمل محلية"، ما يعني هنا أن توظيف نوع الويسترن هو إدانة للنموذج الاقتصادي والثقافي الأمريكي، من خلال توظيفه بنوع من السخرية.

"حدث ذات مرة في فنزويلا" فيلم استثنائي يجمع بين حكاية مكان جغرافي شبه عجائبي يعوم فوق الماء، وبين حكاية حدث تاريخي سياسي واجتماعي هو الانتخابات البرلمانية الاستثنائية في تاريخ البلاد

كما في أفلام مثل "الساموراي السبعة"، "هدايات الجزائر"، أو رواية "مائة عام من العزلة"، فإن باكورو قرية نموذجية تعيش معزولة في الجغرافية البرازيلية، تمثل ذلك الالتصاق بالطبيعة والعلاقات الجماعية القروية، لكنها تعاني من فساد الحكومة، فوعود النائب الانتخابي فارغة، ولم تعد مقبولة لدى الأهالي.

وبحبكة بسيطة، تحاول مجموعة من الغرباء السيطرة على البلدة، تعزلها عن الرادارات الفضائية لتختفي عن الخرائط في الأقمار الصناعية. هذه المجموعة من الغزاة هم أميركيون وأوربيون يخططون للسيطرة على المكان، وهو ما يرمز للنموذج الثقافي الأمريكي القادم للسيطرة على النموذج الثقافي المحلي.

وهكذا ينتقل في الفيلم في أسلوبه، جمالياته وتقنياته البصرية والسمعية، من أسلوب القرى في روايات غابرييل غارسيا ماركيز، إلى نوع الويسترن القائم على العنف والتشويق. يضع الفيلم كلا النوعين السينمائيين مقابل بعضهما البعض، ليقارن المتلقي النوعين بجانب بعضهما البعض في فيلم واحد: أسلوب السينما الاثنوجرافية الباحثة على المميزات الجمالية والسينمائية المحلية والخاصة بكل ثقافة، وأسلوب سينما الويسترن أو السينما الهووليودية الميالة إلى العنف والقتل والتشويق.

إنها حكاية رمزية عن مكان تغزوه الثقافات الخارجية العنفية، فيجد الخلاص في التمسك بالتراث وبالجذور وبالخصوصيات المحلية. فنجد أن أهالي باكورو يلجؤون إلى الأعشاب والنباتات التي تساعدهم على البقاء على قيد الحياة أمام الرصاص والأسلحة، كما أن تعاضدهم في نهاية المطاف هو الذي يشكل عنصر مقاومتهم الأهم.

تحاول الحكاية التخييلية للفيلم أن تحمل رسالة سياسية واجتماعية، وأن تدين السياسيات البرازيلية الحالية التي تستنسخ التجارب الأوروبية والأمريكية، رغم ما تمتلكه البرازيل من غنى وخصوصية ثقافية. يذكر أن الفيلم حاز على جائزة لجنة التحكيم لمهرجان كان السينمائي لعام 2019.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard