الأُغنية الشعبية الجولانية... كيف أصبحت سوريا كلّها الجولان السوري المحتل

الخميس 17 ديسمبر 202002:02 م

في كل مرّة نتكلّم عن تلّة الصيحات – التلة التي تقع بمحاذاة الجدار الحدودي الفاصل للجولان، وتقابلها تلّة أخرى في الأراضي السورية، والتي كانت المنطقة الأقرب للقاء ما بين أفراد العائلات مقطّعة الأوصال بين جانبي الجدار - وعن لقاءاتنا المؤلمة فيها، تقول لي زوجة عمي، التي تعيش هي وعمّي لاجئَين في برلين: "الجولانيين تعذبوا كثير قبل الكل. هلق كل السوريين عم يتعذّبوا العذاب نفسه".

كان عمّي ابن عشر سنوات عندما احتلّت إسرائيل قريتنا مجدل شمس في الجولان، وأجبرته على امتطاء حمارٍ لوحده حتّى السويداء، ومن ثمّ إلى مدينة جرمانا في ريف دمشق، حيث استقرَّ وعاشَ إلى اندلاع الثورة السورية فأُجبِر على تهجيره الثاني، إلى لبنان ومن هناك إلى ألمانيا. لم يزر عمّي مجدل شمس منذ 1967، ولكن ذاكرته لم تخنهُ أبداً، ففي كلّ مرّة أتكلّم معه أو أزوره في برلين، يصِف لي "ضيعتنا" النائية الجبلية بدقّة تُدهِشُني، ويسألني عن أحوال العائلة ويحدّثني هو، بدل أن أفعل أنا، عن جميع المستجدّات الاجتماعية والسياسية في أراضينا السورية المحتلّة.

للجولان تراث شعبي متنوّع جميل، مستَمَدٌّ من تراث الجنوب السوري، تراث حوران سهلاً وجبلاً. ومُتأثّر بموقعة الجغرافي بالتراث اللبناني والفلسطيني.

النكبة المنسية

تحت جمال الطبيعة الخلّاب في الجولان المُحتل، وتحت سكينته، ترقدُ قصص وحكايا مدفونةٌ بين أصوات أنين البيوتِ السورية التي "طهّرتها" إسرائيل كما طهرّت أهلها عام 1967. 300 قرية ومزرعة، تمّ تهجيرها في نكسة حزيران. 130 ألف سوري وسورية، من خلفيات دينية وإثنية متنوّعة، طردتهم إسرائيل من بيوتهم ومزارعهم ومن جنّة أجدادهم. من بين 130 ألف نسمة بقي 13 ألفاً، ومن بين 300 قرية ومزرعة، بقيت خمس. ما زالت بعض البيوت السورية المُهجّرة صامدة حتّى اليوم، ولكن الاحتلال محى وأجهز بشكل ممنهج على أغلبيتها الساحقة، حتّى يطابق الواقع المرئي الرواية الصهيونية، التي تقول بأن الجولان كان "أرضاً بدون سكّان"، أرضاً لم يمارس عليها التّطهير العرقي.

من الطبيعي أن تُنْتِجَ هكذا نكبة، وهي تعدُّ أكبر عملية تهجير قسري في تاريخ الصراع العربي-الاسرائيلي كُكلّ، تراثاً وموسيقَى وقصصاً وحكايا وروايات شعبية، بمعزل عن الانتاج الثقافي السّوري الرسمي المتعلّق بشكل حصري بالنظام الأسدي. وبالرغم من مضي 53 عامّاً على نكبة الجولان، إلّا أن القرى المسلوبة ما زالت حلم السّوريين والسوريات الذين وُلِدوا وعاشوا في ربوعها، وحلم أولادهم، وأولاد أولادهم. وعن أحلامهم هذه، وعن قراهم ومزارعهم المسلوبة، عبّر الجولانييون بأغانٍ تراثية كثيرة، تحاكي مشاعر الشوق والحرمان.

في هذا التقرير أودّ التعريف ببعض الأغاني التراثية الجولانية، التي تتمحوَر حول العودة والنكبة والتهجير، والتي قد تفتح لنا أبواباً جديدة في فَهْم المأساة ومآلها، فهي تتكلّم بلسان حال أبنائها الذين عاشوها، وبلسان حال أولادهم، أولئك الذين بقوا بعدها وما زالت تعيش فيهم.

"بكرا بنعاود لا تبكي يا عيني"

للجولان تراث شعبي متنوّع جميل، مستَمَدٌّ من تراث الجنوب السوري، تراث حوران سهلاً وجبلاً. ومُتأثّر بموقعة الجغرافي بالتراث اللبناني والفلسطيني. وكثيراً ما أجد تطابقاً بين الأغاني الشعبية الجولانية، وبين تلك التي تُغَنّى في السويداء أو في درعا، مع اختلافات أحياناً باللفظ أو اللهجة، ولكن دائماً ما ألاحظ ألحاناً شبه متطابقة.

أمّا الأغنية الشعبية في تعريفها، فهي أغنية من تأليف "الشّعب"، أي مجهولة المؤلّف. وهي ما يشبه القصيدة الملحّنة، المكتوبة باللغة العامية - "لغة الشعب". ولطالما أدّت هذه الأغنية وظيفة ما يحتاجها المجتمع الشعبي. تتعدّ أنواع الأغنية الشعبية في الجنوب السوري. أذكر هنا بعضاً منها كالهجيني والحداء والجوفية والمهاهاة والزجل والعتابا والميجنا والأوف، والدلعونا، والهوارة، والحروبي والموال.

في هذا التقرير نجد بعض الأغاني التراثية من الجولان السوري المحتل، التي تتمحوَر حول العودة والنكبة والتهجير، والتي قد تفتح لنا أبواباً جديدة في فَهْم المأساة ومآلها

وقد مرت الأغنية الشعبية في الجنوب السوري في عدّة مراحل زمنية، ولكنها عندما اصطدمت بالقهر والظلم والاستعمار، هيمنت عليها ثيمات الأغنية "الرومانسية"، كالعاطفة والتقاليد المحافظة والحب والحرية والخيال، والطبيعة. ومن بين هذه الثيمات، التي تشكّلت بشكل خاص ضمن الأغاني الشعبية بعد احتلال الجولان وتهجيره القسري، ما استوحته أغاني العودة، وأغاني المقاومة. إن الأغنية الأكثر شعبية بين الجولانيين هي أغنية "بكرا بنعاود لا تبكي يا عيني". وهي مكوّنة من موّال افتتاحي ومن أهزوجة تلحقه. الموّال مؤثّر جداً، إذ يقول:

"مشتاق أمشي اتدعثر بين الكدر

مشتاق أقعد ارتكي حد الحجر

مشتاق لزخ المطر

مشتاق لتراب الوطن

للدحنون وللزيتون"


يعبّر الجولاني في الموّال عن شوقه للأرض، لمطرها وحجارتها ولأشجارها. لطالما ظننت أن علاقة الفلّاح بأرضه أقوى من كلّ شيء: من السياسة ومن الأيديولوجية وحتى من العقيدة. وهذا يعدّ من مميزات المجتمع الجولاني حتّى يومنا هذا. ينتفض الناس في القرى السورية المتبقية ضد مشاريع الاحتلال بلا أي تردُّد عندما يمسّ الاحتلال الزرع أو الأرض. الأرض، وبالأخص تلك التي يزرعها ويشقى فيها الفلّاح بأمّ يديه، هي الشيء الأقْدَس في وجدان الجولاني. وبينما يكسر هذا الموّال تكرار كلمة "مشتاق"، تدخل الأهزوجة لتجعل من حزننا سببّاً للنهوض والمقاومة. يقول الجولاني فيها:

"بكرا بنعاود لا تبكي يا عيني

يا بعد عين امي وابوي وعيني

طال الفراق وكل مين راح بديرة

يا دموع عيني عَ خدّي غزيرة"

المنادى هنا هو الجولان. يطلب الجولاني من أرضه ألّا تذرف الدموع كما ذرفها هو وأمه وأبوه، ويصفها بـ "عيني" وبـ "ما بعد عيني" – فدموعها غالية كدموع الحبيب. يكمل الجولاني:

"ظلّوا اذكُرونا ما تبكوا علينا

نحنا وياكم والقمر حلّينا"

يطلبُ هنا من أرضه ألّا تنساه، وأن تذكرهُ وعائلته، ومن هجّروا منها، ومن ثمّ يعيد طلب عدم البكاء عليهم، لأنهم حتماً عائدون. أمّا حتمية العودة فتُذْكَر في آخر سطرين في الأغنية، وبما يتناسب مع اللحن الأسعد لهذا المقطع (المرافق بالزلاغيط/ الزغاريد) بخلاف لحن الموال الافتتاحي الشاجن جداً (المرافق عادّة بالشّبابّة). يقول:

"وحياة من جر الكحل بالعيني

عنك يا الجولان ما رح يبعدوني

أمي وأبويا مع كل القرابة

راجعين إليكي يا جولان يا عيني"

تعبّر الأغنية بشكل أساس عمّا يدور في وجدان الفلّاح الجولاني الذي فقد أرضه، وتلخّص ذلك بحلم العودة إليها. حلمٌ لطالما كان مغيَباً عن الرأي العام وعن الإعلام الرسمي السوري- وفي ظل النكبات المتواصلة التي حلّت بهم – ما زال كذلك. هذا الغياب غير مبرّر، هو تهميشٌ لحقّ ما يقارب النّصف مليون جولاني وجولانية اليوم، الذين هُجِّروا بأغلبيتهم مجدّداً، بعد الحرب السورية الأخيرة.

لم تعترف إسرائيل يوماً بجريمة تهجير السكان السوريين وطردهم من منازلهم وقراهم وتدميرها كلياً، بل مارست تعتيماً إعلامياً على هذه الجرائم.

لم تعترف إسرائيل يوماً بجريمة تهجير السكان السوريين وطردهم من منازلهم وقراهم وتدميرها كلياً، بل مارست تعتيماً إعلامياً على هذه الجرائم، وما زالت تُخفي حتّى اليوم عن العامّة أرشيف حرب النكسة. تنكر إسرائيل جرائم التهجير التي ارتكبتها بحق السوريين وتخفيها، كما يفعلُ الأسد اليوم، وكما فعل النظام بالجولانيين منذ تهجيرهم إلى الداخل السوري.

لقد استقرَّت أغلبية الجولانيين بعد التهجير في الأرياف السورية، في دمشق وريفها وفي درعا وريفها. أمّا كلمة "نازح" – فهي وصفة أطلقها النظام السوري على الجولانيين المهجّرين قسراً، وهي كلمة سلبيَة، واجهها الجولانييون في سياقات عنصرية عديدة. وهي تُعْتَبَر، لغوياً، مسيئة، لأنّها تفترض "نزوح" أو "هروب" الجولانيين من أرضهم، ولا تعترف بمأساتهم. ولذلك من المهم استعمال مصطلح "مهجّرين" أو "مهجّرين قسراً" لإيفاء الجولانيين حقّهم المنسي.

أغنية العائلات المشتّتة

"بكرا بنعاود" هي أغنية تُغنّى في أوساط الجولانيين المُهجّرين. أما عند الجولانيين الباقين، أو في أوساط عائلاتهم التي هجّر نصفها وبقي نصفها الآخر في الأراضي المحتلّة، فتوجد أغاني شعبية أخرى، تدور حول محوَر لمّ الشمل، والتئام جرح العائلات المشتّتة بين جانبي الشريط الحدودي الاصطناعي. إحدى هذه الأغاني والتي تعبّر عن الرّبط بين حياتنا الاجتماعية في قرانا الريفية وبين جغرافيتها وتضاريسها تأتي هي على لسان طفل جولاني يوجهها لجدّه المُتَوَفَّى، يقول:

"طلعنا جبال ونزلنا جبال

ومشينا جبال

إخوة كنا وإخوة منبقى

شتقنالك يا جدي

شو مشتاقلك يا جدي

كون حدك يا جدي

وتحكيلي شو مخبي بقلبك

شو مشتقلك

بعدك عايش فينا

حاضرنا وماضينا

لدور العالم يا جدي

واحكي أحلى حكاي

حكاية مجد السوريين

والنصر الجاي

وحكايات ليالينا

يا تراب الجولان"

كانت تعلّم هذه الأغنية غالباً للأطفال في الحقل، لتقوية علاقتهم بالحقل والزراعة والأرض والعائلة أو بالجدّ والجدّة، واللذين يمثلان الزراعة ويمثلان التمسّك بفلاحة الأرض والمحافظة عليها. من الواضح أن الطفل لم يحظ بفرصة العيش بجانب جدّه، الذي عاش وتوفّيَ في الجانب الآخر من الحدود. يوعد الطفل جدّه الذي يشتاق إليه، بأنه لن يتخلّى عن تراب الجولان، ولا عن حكايات مجد السوريين.

هذا ما تقصده زوجة عمّي، عندما تقول "الجولانيين تعذبوا كثير قبل الكل... وهلق كل السّوريين عم يتعذّبوا العذاب نفسو". هي تقصد مأساة العائلات المشتتة، فهذا أصعب ما في الحكاية: أن يتوفّى جدّك ولا يسمح لك بتشييعه، أن تفقد أخاك بلا وداعٍ أخير، أن تكسر الوعد ولا ترى عمّك للمرّة أخيرة أو أن تموتُ بلا وداع للشّام.

"الجولانيين تعذبوا كثير قبل الكل... وهلق كل السّوريين عم يتعذّبوا العذاب نفسو"، تقول زوجة عمّي، وتقصد مأساة العائلات المشتتة: أن يتوفّى جدّك ولا يسمح لك بتشييعه، أن تفقد أخاك بلا وداعٍ أخير، أن تكسر الوعد ولا ترى عمّك للمرّة أخيرة أو أن تموتُ بلا وداع للشّام

كيف تجد الأغنية الشعبية مكاناً جديداً في الزّمن

لقد هُمّشت أوجاع الجولانيين لعقود، وما زالت تهمّش. ومع ذلك فقد بقيت مجبولة بالأغاني، وبحكايات الأجداد. وما لبث أن انضمّ باقي السوريين إلى مصابنا الأليم، فأضافوا هم أيضاً إلى أغاني العودة أغان جديدة، وعلى حكايات الأجداد حكايات. إحدى الأغاني هذه هي "يمّا هدّوا دارنا" التي تُغَنّى بين اللاجئين الفلسطينيين والجولانيين. واليوم يعاد استعمالها فينشدها السورييون المهجّرون. للأغنية أكثر من نسخة، والنسخة الأحبّ على قلبي هي التي ينشدُها عبد الباسط الساروت قبل استشهاده بأشهر قليلة:


السّاروت، وهو من عائلة جولانية هُجّرت واستقرّت في حي البياضة في حمص، اشتهر بإنشاده للثورة والثوار منذ الأيام الأولى. وفي هذا التسجيل يأخذ السّاروت تراثه الجولاني ليصنع من لـ"يما هدوا دارنا" نسخة جديدة تحاكي ألمه وألم السوريين جميعاً، فيقول:

"يمّا هدّوا دارنا

قتلوا خيي وجارنا

لا تزعلي يام الشهيد

رح ناخوذ بثارنا

لا تزعلي يا ميمتي

رح ناخوذ بثارنا

إيد بايد وزند بزند

الشعب السوري ملايين

نحمي ترابك يا سوريا

ما بدنا ابداً خاينين"

يبدو أن السّاروت ينشد هذه الأغنية في أوقات استراحة المقاتلين في المعارك ضد تقدّم النظام في محافظة إدلب عام 2019، إذ يضيف فكرة الثأر إلى الأغنية، ويشدّد على التعاضد بين السوريين، وضرورة خوض المعركة حتّى بعد تدمير بيوتنا وقتل أهالينا:

"نحن رجال الحق يما

ورح ناخوذ بتارنا

يما هدوا... يا هدوا دارنا

قتلوا خيي وجارنا"

ومع سياق الأغنية الحربي، تعترف الأغنية بالحزن السوري الشديد، الحزن على تدمير البيوت واستشهاد الأحبّة. المنادى في الأغنية هي الأم، وهي منادى في الكثير من الأغاني الشعبية التي تعالج وقائع الشهادة أو الرثاء، كما في أغنية "بثوب جديد" التي أنشدها الساروت نفسه لشهداء سوريا.

يعبّر ظهور "يما هدّوا دارنا" في 2019 عن دائرة المأساة المعمّمة التي أنزلت بالسوريين أجمع، فأصبحت سوريا كلّها جولان، وحتّى يأتي اليوم الذي تُكسر هذه الدائرة، لنا أحلامنا وكتاباتُنا وأغانينا، ولنا أن "ندور العالم ونحكي الحكاية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard