"الزواج عيب وحشومة"... رجال تخلوا عن أحلامهم من أجل أخواتهم وأمهاتهم

الأربعاء 16 ديسمبر 202006:14 م

من أجل عقدة نفسية حيال والدته، أو التزاماً منه بالمسؤولية، أو تمسكاً بعادات وتقاليد المجتمع في المغرب، يتخلى الأخ/الابن الأكبر عن أحلامه الخاصة في الزواج والحب والعمل.

تخلّى رجال في المجتمع المغربي عن فكرة الزواج والحب وطموحهم الشخصي، لتسديد نفقات أسرهم الكبيرة وإعانة أمهاتهم وشقيقاتهم.

رفض بعض من تحدثَّت معهم رصيف22 الزواج لكي لا يخدش مشاعر شقيقته الكبرى التي لم تتزوَّج، أو لأنه ليس لديه المال، لتأسيس منزل للعيش مع حبيبته، فكل ما يجنيه يسدده كنفقات لشقيقاته أو والدته أو أحد أفراد أسرته. لا يستطيع تحمّل فكرة العيش رفقة زوجته مع والدته، لكي لا تسمع الأخيرة تأوهات زوجته خلال تمتّعها معه.

"أتزوّج… عيب"

" عيب وحشومة"، هكذا يشرح لنا علي، يبلغ 55 عاماً من عمره، سائق تاكسي، رفض الزواج، لأنه مسؤول عن شقيقاته الثلاث، بالإضافة إلى والدته ووالده المسنين.

يضيف علي بنبرة واثقة: "أنا الرجل الوحيد بين شقيقاتي. من سيتكفل بهن، فإذا فكرت في نفسي، وتزوجت وأنجبت الأطفال، فلن يجدن الاهتمام والرعاية"، مشدداً على أنّ "الفتيات يحتجن إلى المال لكي لا ينحرفن، وهذا دوري وجزء من واجبي".

سألته: لماذا لا تتزوج وتقطن زوجتك معهن؟ أجاب بسرعة: " لا لا عيب، لا أستطيع الزواج، ومغازلة زوجتي أمامهن"، متهرباً "بصراحة لا أحب الحديث بشأن هذا الموضوع، فهذا قدري وأنا راضٍ عنه" .

سألته: لماذا لا تتزوج وتقطن زوجتك معهن؟ أجاب بسرعة: " لا لا عيب، لا أستطيع الزواج، ومغازلة زوجتي أمامهن"

تماماً مثل خالد، في بداية عقده السادس، حكمت عليه الأعراف ألا يتزوج إلا بعد زواج شقيقاته الأربع، لا سيما بعد وفاة والده في سن مبكرة، ليجد نفسه مسؤولاً عن أسرته، التي تتكون من والديه، وأربع شقيقات، اثنتان تكبرانه بسنوات عدة.

يحكي خالد بكثير من الحزن لرصيف22 أنه "تحمَّل المسؤولية" في بداية العشرين من عمره، وأنه لم يدرس، كما هو مطلوب منه، ليحصل على دبلومات أو شهادات تساعده إلى إيجاد شغل يضمن له راتباً مستقراً كل شهر.

"شاءت ظروفي بما لا تشتهي أحلامي"، يستطرد خالد، وهو الآن مريض سرطان، لا يقوى على الحركة، ويضيف أنه لم يكن يتخيل أن تكون نهايته بهذا الشكل، سألته، لماذا تقول النهاية؟ يمكن جداً التغلب على المرض، إذا تحليت بالإرادة، قاطعني قائلاً: "كنت أرغب في تكوين أسرة، والزواج بالفتاة التي أحببتها، وإنجاب الأطفال، لكن للقدر رأياً آخر".

قد تكون رغبة خالد لدى البعض بسيطة، لكنها معقدة جداً بالنسبة له؛ فهو لم يستطيع تحقيق ما يتمناه، ولأسباب متعددة، بعضها يتمثل في التقاليد التي أصدرت حكمها عليه في أن يمسي عازباً، إلى حين زواج شقيقاته الأربع اللواتي لم يحالفهن الحظ في إيجاد شريك حياتهن.

 الأعراف والتقاليد ليست قاسية فقط على النساء، بل كذلك على الرجال "التقليديين".

يبدو أن الأعراف والتقاليد ليست قاسية فقط على النساء، بل كذلك على الرجال "التقليديين"، الذين لا يستطيعون التحرر من أحكام وأعراف رسخت قبل سنين لا تحصى، خوفاً من نعوت قاسية، يطلقها عليهم المجتمع.

من تلك الألقاب "مسخوط الوالدين"، أو "ماشي رجل" أي "ليس برجل"، أو اتهامات كاذبة، مثل "فضل زوجته ورغباته الجنسية على والدته" و "تخلى عن شقيقاته لتلبية نزاوته"، كل هذه الألقاب والأحكام المسبقة لها وقع قاسٍ ومر على نفسية بعض الشباب.

عمل خالد، طيلة شبابه، في جميع القطاعات الحرة التي يمكن الولوج إليها من دون دبلومات، عمل في بيع الخضر والفواكه والأسماك، عمل أيضاً في تجارة الملابس، ونجح في كسب المال، الذي كان يسدد به كل طلبات شقيقاته ووالدته، من مرض وكسوة ومدرسة وملبس.

نتيجة كل هذا، لم يستطيع ادخار المال، لتسديد مصاريف مرضه. إحدى شقيقاته لم تكن "جاحدة" أمام تضحياته الكثيرة التي قدمها، فبفضله أتممت دراستها، وتملك المال لمساعدته في الأدوية، وفي ما كل يحتاجه، بعد أن خانته صحته.

"والدتي رفضت زواجي"

عزيز، عامل في أحد المصانع في الدار البيضاء، (48 عاماً)، فتى وسيم، يقول إن والدته تخاف عليه من "عين حاسدة، ومكر النسوة"، وفقاً لتعبيره، كانت ترفض أي علاقة حب أو صداقة تجمعه مع أي فتاة نالت إعجابه، تصرفها هذا لم يكن مفهوماً بالنسبة له، لكن ما كان متأكداً منه، هو حب والدته له.

يقول عزيز مسترسلاً إن والده توفي قبل 15 عاماً، وجد نفسه المعيل الوحيد، لوالدته وشقيقاته، مبرزاً، أنه قام بدور الأب، لتسديد كل احتياجات أسرته، لكنه في قرارة نفسه، كان يحلم بتكوين أسرته، والإنجاب، لكنه لم يستطع، وبرَّر ذلك "من أجل رضى الوالدة" التي توفيت مؤخراً.

يضيف: "لم أستوعب وفاتها، تركتني مثل طفل صغير ووحيد، كنت أسمع همسات الجيران الذين كنت أخشى من ردة فعلهم عند إعلاني الزواج".

قضى خالد ستين عاما من حياته بلا زواج، التزاماً بمسؤولياته حيال أخواته، هو المعيل الوحيد لهنّ، خاف أن يقولون عنه نعوت مثل: "مسخوط الوالدين" أو "ماشي رجل" أي ليس برجل

يعترف بأنه أحب فتاة جميلة، كانت تصغره بأربع سنوات، وذلك في بداية الأربعينات، لكن "المكتاب"، بحسب تعبيره، حال دون الزواج بها، كما كان يرغب هو، يقول: "كنت مرعوباً من هذه الخطوة، كنت خجلاً من أن أخبر والدتي برغبتي في الزواج، خفت من ردة فعلها"، ويستطرد: "لا أعرف سبب خجلي، من حقي الزواج، لكن كنت خائفاً من ردة فعل المجتمع، كنت أسأل نفسي ماذا سيكون مصير شقيقاتي، اللواتي يعيشن من مصروفي، ماذا لو قال الجيران إنني تخليت عنهن، وهن من دون معيل، ماذا لو تزوجت وأقنعت زوجتي بالعيش معهن تحت سقف واحد، هل سيتقبلن ذلك؟ ماذا عن مشاعرهن؟".

كل هذه الأسئلة التي طرحها، عزيز، يفسرها، خالد الشعباني، الباحث في علم الاجتماع، لرصيف22 بما يسمى "نكران الذات".

"أين التوازن؟"

أوضح الشعباني أن ثمة أشخاصاً يفضلون أن يكونوا ضحايا في سبيل عيش الآخرين، مسترسلاً: "أشخاص يضحون بمستقبلهم، وبرغباتهم، وطموحاتهم، لأنهم في قرارة أنفسهم، يقولون إن الأبوين والأشقاء أولى".

وأضاف: "كما يمكن أن نجد عكس ذلك، هناك من يتخلى عن الجميع لأجل نفسه، فبعض الرجال يتخلون حتى عن أطفالهم الصغار".

"هؤلاء الرجال لديهم قناعتهم الخاصة، قد يكونون استثنائيين".

ولفت الباحث في علم الاجتماع الانتباه إلى أن "هؤلاء الرجال لديهم قناعتهم الخاصة، قد يكونون استثنائيين يتحملون المسؤولية".

لكن ما هو دافع هؤلاء الأشخاص الذين تحدثنا معهم، ليضحوا بأنفسهم لأجل الآخرين؟ يقول علي الشعباني: "قد تكون طريقة تربيتهم، أو شخصيتهم، المتمثلة في الكرم الزائد". مستطرداً "أعتقد أن هذه التضحيات تكون خلفيتها ثقافة الشخص، أو قناعته أو تشبعه ببعض القيم الدينية، أو الاجتماعية، أو الأخلاقية التي تدفعه إلى الإحسان للآخرين، والتضامن معهم ولو على حساب نفسه".

وأضاف: "هؤلاء الأشخاص ينسون أنفسهم، ويتفانون من أجل أمهاتهم أو شقيقاتهم اللواتي يحتجن إليهم، لكن في المقابل، أدعوهم إلى التوازن، يمكن أن نفكر في الآخرين لكن يجب أن لا ننسى أنفسنا، أو إلحاق الضرر بها".

وختم: "على هؤلاء الأشخاص أن يبحثوا عن التوازن، لا يجب التفريط في أهالينا لكن في نفس الوقت يجب أن نحافظ على الحد الأدنى من كرامتنا وصحتنا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard