ثلاثة مواقف ساخرة ومحرجة ظهرت فيها "الحقيقة العارية"

الأحد 20 ديسمبر 202001:29 م

تولّد الحقيقةُ العارية الصمت والإحراج، لا كلمات أو "معارف" قادرة على الوقوف بوجهها، ونتحدث هنا عن العاري بالمعنى الحرفي والمجازي، فهذه الحقيقة هي المفارقة الساخرة والقاسية، التي تعادي الجدية والرطانة المعرفية التي ينتجها الخطاب السياسي والإعلامي، وأحياناً الطبي. هي "سرّة" المعرفة إن صحّ التعبير، فتحة موجودة ومرئية أحياناً، لا نعرف كيف نتعامل معها أو نفسّر وجودها.

تظهر هذه الحقيقة العارية حين تفقد المعرفة بقضية ما قدرتها على زحزحة مركز القوة، إذ لا يوجد ما يمكن تعريته كي "نعرف" أكثر. هي اللحظة التي تتلاشى فيها الكلمات لأننا أمام حقيقة تدّعي الواقعية التي وسيطها الجسد الإنساني، اللحم الهش القابل للانتهاك. هي مُضحكة أحياناً، لكنها تكشف عن عطب ما يحصل الآن، ومرجعية "واقعيتها" هي الفرد العاري نفسه، الذي مصيره الاستتار دوماً.

يكرر الفيلسوف الألماني بيتر سلوترديجك، تعبير "الحقيقة العارية"، في كتابه "نقد العقل السينيكي"، بوصفها علامة على عطب معارف الحداثة وما بعدها، التي وظّفت العري في الرعب السياسي (جثث الموتى) وفي الإعلانات (الأجساد المثالية)

تنكشف عدم صلاحية معارف ومواقف أحدهم حين يقف أمام الحقيقة العارية، هي تستغل سطوة الفجاجة ضد التحذلق اللغوي، سخرية عميقة من التكوين الرمزي لـ "لآن"، كونها مؤشراً على عدم الرضا العميق عما يحدث، ولا شيء يمكن فعله أمامها سوى سترها وإخفائها بسبب الإحراج الذي تسببه، ذاك الذي يمكن وصفه بالجدار الأول الذي يحمينا من عري الحقيقة.

يكرر الفيلسوف والناقد الألماني بيتر سلوترديجك، تعبير "الحقيقة العارية"، في كتابه "نقد العقل السينيكي"، بوصفها علامة على عطب معارف الحداثة وما بعدها، التي وظّفت العري في الرعب السياسي (جثث الموتى) وفي الإعلانات (الأجساد المثالية). هو عري في عالم فقد الأمل من تغيير نفسه، ومحكوم بوعي ساخر وسينيكي، تظهر ضمنه الحقيقة العارية كنتاج للتناقضات الفكرية وحقائقها المتعددة.

الحقيقة العارية لا تدعو للتغير ولا تمتلك لغة لتوجيه النقد، تراهن على الإحراج وأخلاقيته. هي علامة يتطابق فيها الدال مع المدلول لتوليد علامة على بؤس المعارف التي نختبرها، وانفصالها الكلي عن "القوة" التي تولّد المعارف الساخرة، متعددة الجماهير، الذين تتفاوت درجات "تصديقهم" لما يحصل.

صمت مدرسة فرانكفورت بوجه الأثداء

قبل أشهر من وفاة ثيودور أدورنو عام 1969، كان صاحب "الديالكتيك المقلوب" يحاضر في مدينة فرانكفورت في مركز الدراسات الاجتماعية، محاضراته كانت في علم الجمال، وفي ذات الوقت كان حركة "طلاب لأجل مجتمع ديمقراطي" تحتل مركز الدراسات السابق.

الحقيقة العارية لا تدعو للتغير ولا تمتلك لغة لتوجيه النقد، تراهن على الإحراج وأخلاقيته. هي علامة يتطابق فيها الدال مع المدلول لتوليد علامة على بؤس المعارف التي نختبرها

أدورنو، المتزن، الموسيقي، كاشف الغطاء عن كل ما هو مسيّس وينتمي لـ "الصناعة الثقافية"، يصمت فجأة ويعتريه الرعب حين اقتحمت مجموعة من المحتجين إحدى محاضراته، وقاموا بإلقاء بتلات الزهور عليه، ثم كشفت مجموعة من المحتجات عن أثدائهن، ووقفن بوجه فيلسوف التنوير المضاد.

الحقيقة العارية تتمثل بالمتظاهرين الرافضين لأدورنو والساخرين من جديته بزهورهن وأثدائهن، هم يهزؤون من المهمة التي كرّس نفسه لها، إذ لا كلمات كافية لديه لتعرية ما هو عارٍ أصلاً وساخر. ما شهده أدورنو ليس دعوة للحوار، فالحقيقة العارية هنا بيان ضد الأكاديمية التي اجتاحها التغيير من فرنسا الـ 68.

وقف أدورنو بصلعته ونظارته السميكة مشدوهاً، لم ينطق بأي شيء من كلامه المبهم، الأثداء العارية التي واجهت "المفكر النقدي" أثارت فيه الرعب حسب بعض الشهود، وبالرغم من تدخل الشرطة لطرد المحتجين، لم ينه أدورنو المحاضرة، وركض خارجاً مفزوعاً. لم يعد بعدها للتدريس ولم يظهر في العلن، ويُقال إنه اعتزل التدريس كي يكمل إنجاز عمله الأهم "النظرية الجمالية"، الذي يناقش فيه، للمفارقة، دور الفن في النقد الاجتماعي والسياسي.

الأهم، أن هذا العري الجزئي، يسخر من المكان نفسه الذي أحاطه أدورنو بأسطورة، إذ يُقال إنه طلب من القائمين على الصالة طليها بالرمادي، اللون الذي برأيه سيساعد تلاميذه على أن يكونوا مُتنبهين وواعين لكل كلمة يريد قولها.

تصفيق أبستمولوجي بوجه مؤخرة

عام 2012، في أحد مدرجات كلية الإعلام في جامعة دمشق، دعي الطلاب وبعض الطاقم التدريسي إلى عرض "تجهيز ما قبل فوتوغرافي" بعنوان "مستر جون". كل الحدث كان يحيط به الغموض، ولم يأت سوى بضعة طلاب من الفضوليين، وللمفاجأة، كان د. عماد فوزي الشعيبي حاضراً، حينها كان رئيس قسم الأبستمولوجيا في كلية الفلسفة في جامعة دمشق، وواحد من أعلام الفلسفة في سوريا حسب ما يقال.

العرض كان سيئاً، الكلمة هنا أقرب إلى وصف أولي لتكوين العناصر ضمنه، تلك التي يغيب عنها الإتقان، لكن يدّعي القائمون عليه محاورة النوع الفني، خصوصاً أنه حينها، كان جو الرعب محيطاً بالعاصمة دمشق والكلية ذاتها، اعتقالات ومناخ من الصمت المتفق عليه حول ما يحدث في سوريا. الأهم، كانت تُدرس في مادة البروباغاندا- الدعاية السياسية، إعلانات معجون الأسنان للتمرين على صياغة "الرسالة الإعلامية"، وكان الهدف هو فتح نقاشات حول الصورة وحقيقتها، والتركيز على أن ما نراه على شاشات التلفاز يمكن التلاعب به وتغيير مضمونه حسب "سياسة المحطة".

لا معلومات عن العرض سوى اسمه الذي لا يحيل إلى شيء، وعلامة التجنيس الغامضة، فما نراه بداية هو إحداهن تعزف الكمان، وأحدهم يعطي ظهره للجمهور وبنطاله "مسحل" وكأنه يتبوّل، والأهم أنه كان يمسك مظلة.

فجأة يقتحم خشبة المدرّج رسّام يضع بيريه، يرفع قميص من يتبول كاشفاً ظهره، ويبدأ بالرسم، الأمر لا يستغرق أكثر من 10 دقائق حتى نشاهد خربشات توحي بشكل وجه على ظهر المتبول.

لا شيء صادم أكثر من الحقيقة العارية، التي لا تطالب بشيء، فقط الاعتراف بأن ما يحصل لا يمكن السكوت عنه

تسود بعدها الحيرة بين "المؤدين"، وكأنهم نسوا النهاية أو لم يتفقوا عليها، فجأة يتوسّط الخشبة المتبول، بظهره المكشوف، ويفتح المظلة وينحني كاشفاً عن مؤخرته، ليقف مخرج العرض من بين المدرجات الفارغة، ويشير بيده إلى الدُبر الذي أذهل الحاضرين ويقول: "هذه هي ما بعد الحداثة!"، ليقوم أحدهم بعدها بالتقاط صورة للمؤخرة فقط، بوصفها نتاج العرض، ودليلاً على إمكانية التلاعب بـ "الصورة" والحقيقة المجتزأة التي تقدمها، تلك التي لا تكشف عما حولها وما هو خارج إطار الصورة.

(صمت)

ترددت بعض الشتائم، لكن أستاذ الأبستمولوجيا وقف، وبدأ بالتصفيق محيياً الطلاب على جهدهم، الذين شرحوا له أن هدفهم كان دراسة ما قبل الصورة ثم ما بعدها، والاختلاف بين العملية والمنتج النهائي، أطرى الشعيبي على جهد الطلاب الفكري، وخرج مبتسماً.

لا نعلم هنا أيهما الأكثر سخرية، الأبستمولوجي أو الطلاب الهازئون، لكن الحقيقة العارية هنا، الدبر المكشوف الذي يصفق له في ذاك السياق، ربما كان سخرية من الخطاب الرسمي وأسطورة المعارف التي ينتجها مقنّعة، بحجة لا يمكن الوقوف بوجهها: "ما بعد الحداثة".

لا حقيقة في أي شيء، حتى العاري المبتذل السخيف مادة صالحة للتصفيق والإعجاب، فالمعارف المحكومة بالسطوة السياسية، إن عجزت عن احتواء الحقيقة، تحولها إلى مادة استعراضية أو مزحة ثقيلة لا تؤخذ على محمل الجد. ذات الأمر حين دراسة معجون الأسنان كنموذج للبروباغندا، إذ لا يهم الحقيقة، المهم أن الجميع يكذب، وهنا لا إحراج في ذلك، هي فقط ما بعد الحداثة.

"أنا الشرموطة"

يتبادل بعض السوريين مقطعين مسجلين حديثاً تحت تسمية "أنا الشرموطة". التسجيلان غير منشورين على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا على المنصات الإباحية، وهذا الغريب في الأمر. فيهما نشاهد إحداهن ترتدي روب دوشامبر أحمر وثياب داخلية حمراء، تقف في وسط ساحة ما في دمشق ومن حولها المارة والسيارات و الباصات العمومية، وتصرخ بمن حولها دلعاً وغضباً: "أنا الشرموطة"، لتتعرى بعدها كاشفة عن صدرها.

لا معلومات أخرى عن الموضوع، وما نلاحظه من التسجيل هو استغراب بعض المارة، وضحك من يصوّر، إلى أن يأتي أحدهم يضع نظارة شمسية، لا نعلم من هو، ولا يمتلك منظر رجل الأمن التقليدي، ليمسك بالفتاة، ويسحبها بعيداً إلى حيث لا نعرف.

"من المستحيل أن تخرج إحداهن عارية في دمشق وتصرخ بأنها شرموطة!"

السياق الذي ظهرت فيه هذه الحقيقة العارية مرعب: في دمشق وفي ظل كل ما يحدث وأمام تعدد الحقائق، تظهر إحداهن وتصرّح علناً بمهنتها، مرتاحة مع عُريها الجزئي، وتلوم من يحدق بها، وكأنها تقول: "أهي المرة الأولى التي تصرخ فيها إحداهن مشيرة لرداءة ما يحصل؟ أهي المرة الأولى التي يظهر فيها عطب ما نشهده بهذا الوضوح؟".

تظهر الحقيقة العارية هنا في الفضاء العام، حيث لا طعام ولا مازوت ولا مال فيه، هذه الحقيقة العارية ساخرة من الصمت الأخلاقي وتواضع الضحية الأبدية، تلك المسلّمة بالعجز عن تغيير الوضع القائم. الجميع يعلم ما يحدث، ولا أحد يمتلك قوة التغيير.

هذه الحقيقة إذن سمجة، تثير الضحك المخيف، بالتالي لابد من إخفائها بسبب الإحراج الذي تسببه، وتحقيقها للفرضية الساخرة: "من المستحيل أن تخرج إحداهن عارية في دمشق وتصرخ بأنها شرموطة!"، لكن هذا ما حدث. أي انتقاد فكري الآن قادر على مواجهة الشرط الموضوعي؟ ما الذي بقي ولم يتم الكشف عنه: الموت، الجوع، الوباء، البرد؟

كل هذه "الحقائق" غير مُحرجة، بل تحمل خطاباً وطنياً عن الصبر والتمسك بالأرض، يخفي وراءه خوفاً ورعباً، أما العاري الذي يواجه "الخارج" فيسخر من هذا التواضع، ويجعل نفسه محط إحراج، فلا شيء صادم أكثر من الحقيقة العارية، التي لا تطالب بشيء، فقط الاعتراف بأن ما يحصل لا يمكن السكوت عنه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard