بعد أزمة "شَعر عانة المرأة" و"الإلهُ سيدةٌ حنون"... حوار مع الشاعرين أمينة عبد الله وإسلام نوّار

الثلاثاء 15 ديسمبر 202004:20 م

داخل مدينة يحجّ إليها المصريون كل عام، طمعاً في وساطة وليّهم الصالح، السيد البدوي، أقيمت الدورة السادسة من مهرجان طنطا الدولي للشعر، في مطلع نوفمبر الماضي، وجَال الشعراء بأبياتِهم على قرى المحافظة الإقليمية بمدارسها وجامعاتها، طامحين إلى رواج أصوات شعرية نثرية متحررة من قيود القافية، وهاربة من حساسية الأوزان.

بيدَ أن مخاوف الشعراء من هجوم العامة عليهم، واعتبار ما يكتبونه مجرد سطور متناثرة لا رابط بينها، و كما يرى كارهو القصيدة النثرية، لم تكن سوى أوهام، إذ قوبلوا بحفاوة شجعتهم على إلقاء قصائد ذات مضامين حرة، وأفكار يتبعها الغاوون، لكنهم فوجئوا بما لم يكن في الحسبان: سلاح الرفض أشهره ابن الكار!

في حفل الختام، صعد الشاعران المصريان أمينة عبد الله، وإسلام نوار، تباعاً، وألقيا قصيدتين، الأولى وضعت صاحبتها تحت مقصلة الكُفر، والثانية ألبست صاحبها رداء المحرضين على العُهر والفجور.

صعد الشاعر الشاب إسلام نوّار المنصة، وشرع في إلقاء أبيات من قصيدته المزمع ضمّها لديوانه المقبل، استعان خلالها بشَعر عانة المرأة، للدلالة على أمر فني طموح.، عندها شعر إسلام بشيء من التذمّر بين بعض الجلوس، وظنّ أن الأمر مرّ بخير!

ثم صعدت الشاعر أمينة عبد الله الخشبة، وأمسكت بالميكروفون، وأخذت تتلو نصاً من ديوانها "بنات للألم"، قالت فيه: "يشغلني كثيراً أن الله امرأة مُحبة/فهي القادرة فقط على خلق كلّ هذا الجمال من عدم/وهي القادرة على فعل الولادة/كلّ ما هو باعث للحياة أنثوي/حتى ماء الرجل بصفته المائية ولونه النسوي أنثوي".

أربع وعشرون ساعة فقط، مرّت على تلك الليلة، وأعقبها بركان من التكفير، بدأها شاعر حضر الأمسية يُدعى البيومي محمد عوض، وقلب الدنيا رأساً على عقب، حين اعتبر أن ما قاله الشاعران إهانة لله عز وجل، وتحريض على الفسق والفجور، وأفرد عدة منشورات على صفحته لسبهما، وتهييج الرأي العام عليهما، مُطالباً الأزهر الشريف بمحاكمتهما.

لم ترد أمينة عبد الله على تلك الاتهامات، وعلى نهجها سار إسلام، لكن الشاعرة الأنثى نالت نصيبها من "الامتهان الذكوري" بحسب قولها، حين دخل على الخط شاعر آخر، يُدعى محمد فايد عثمان، وكتب قصيدة ــ حذفها بعد ذلك ــ اعتبر فيها أن أمينة عاهرة لهم وصحبِه "المدافعين عن الربّ"، بقوله: "فخذيكِ لي/صفحة عنقك لهم/شفتاكِ لارتشاف سائل... تعرفينه شفاف/نهداكِ للصغير/ميلي له بشقكِ الأيمن/وافتعلي مشكلة مع (البيومي عوض)"!

أربع وعشرون ساعة فقط، مرّت على تلك الليلة، وأعقبها بركان من التكفير، بدأها شاعر حضر الأمسية، حين اعتبر أن ما قاله الشاعران إهانة لله عز وجل، وتحريض على الفسق والفجور، مُطالباً الأزهر بمحاكمتهما

خلَت الساحة الثقافية المصرية إلا من إهانات البيومي عوض وصحبِه. في المقابل انهمك الشاعران فيما هو قادم من أعمال، فطرحنا في رصيف22، سبعة أسئلة كألوان الطيف على الشاعرين أمينة عبد الله وإسلام نوّار:

ــ برأيكما، منذ متى ترعرع في وادينا الشعري هؤلاء الشعراء "المتسلفون (من السلفية)"؟

تُجيب أمينة عبد الله: منذ سبعينيات القرن الماضي، حين استولت جماعات الإسلام السياسي، مُمثلة في الإخوان والسلفيين على الجامعات واتحادات الطلبة، وحتى في المدارس، وسُمِحَ لهم بالتوغل في المجتمع أفقياً عن طريق الجمعيات الأهلية والخدمات المدعومة. وفي الأدب أنشأوا "رابطة الأدب الإسلامي" التي أسسها أبو الحسن الندوي، أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية في الهند، وتم فتح مقرّات للرابطة في مصر والسعودية وغيرها من البلاد العربية، للدخول في أوساط المبدعين، ومحاولة السيطرة على نوادي الأدب والكيانات الثقافية والجوائز المتخصصة.

بينما يرى إسلام نوّار أن: العكس هو الصحيح، هذا الوادي الشعري "متسلّف" منذ بداية التأريخ المعاصر للشعر المصري؛ ففي بداية القرن العشرين كان شوقي يكتب ممتدحاً نبي الإسلام منتهجاً نهج البوصيري ابن القرن الثالث عشر، في وقت سار فيه الإنسان مئات السنوات نحو الحداثة.

إنها الكوميديا السوداء أن يكتب هذا الشاعر ــ الذي يعرف فرنسا الحُرّة ــ نصوصاً بكل هذه الرجعية، وهو ما فعله مجايله حافظ إبراهيم الذي قال متحسراً على تحويل آيا صوفيا لمتحف: "فلا تنكري عهد المآذن/على الله من عهد النواقيس أكرم"، وكأنه "يؤسس للطائفية بالشعر!"

هل هذا الرفض من قبل شعراء مثل هذا الشخص المعترض دافعه غيرة أم قناعة حقيقية أم مجاراة لرأي الجمهور الكاره للإبداع بطبعه؟

تقول أمينة عبد الله: أستبعد دافع الغيرة، حيث لا معرفة على الإطلاق بيني وبين الشخص مفتعل المشكلة، حتى إنني لم أسمع عنه من قبل، ولكنه بعد افتعال المشكلة يطرح نفسه بصفته حامي الأخلاق، فأنا أراه ممثلاً للجمهور الكاره للإبداع والعلوم والفنون؛ الذين يعترفون فقط بما يطلقون عليه "العلوم الشرعية".

ربما تكون الدوافع أن غضبته لله عز وجل، مثلما قال في أحد منشوراته، ولكن ماذا استفاد الله عز وجل من تهديدي وسبّي بأشنع الألفاظ واستعداء الجهات الأمنية والجماعات المتشددة ضدي؟ أين قيم الجمال في الهجوم على الحياة الشخصية لشخص ومعاداته حدّ رفع قضايا ضدّه وتهديده في أمنه وعرضه؟ هل الدفاع عن الله في التشهير بسمعة وعرض كاتبة؟!

هذا الشخص شارك في دورات سابقة، وفي الأمسية المفتوحة لتأبين الشاعر ماهر نصر، وحاول فرض وجوده في بعض الأمسيات، مما خالف البرنامج الموضوع وشاركت زوجته في دورات سابقة كمترجمة، وهو كقارىء للنصوص المترجمة. ألم يكن حينذاك المهرجان داعراً ولا كافراً ولا يضرب الدين وثوابت الأسرة؟ لماذا لم تظهر هذه الاتهامات إلا عندما غادره الأستاذ كشاعر وزوجته كمترجمة؟!

أما إسلام عبد الله فيؤكد أنه لم يشغل باله بالدوافع وراء اتهامات البيومي عوض، قائلاً: لست منشغلاً برفض شعري من قبل الأشخاص الذين يقولون إنني أهدم المجتمع والأسرة، وإنني فاحش وكافر، وأقرأ أيضاً مقارنات بين ما كتبته وما كتبه شعراء أمثال نزار قباني وسميح القاسم ونجيب سرور وغيرهم، وروائيون مثل نجيب محفوظ، وأضحك من كل قلبي، وأقرأ لمن يقول إنني أبشع وأسوأ شاعر في العالم، أو من يقول إنني يجب أن أذهب لأتعلم قواعد الشعر. بالتأكيد الشعر الذي أكتبه، قواعده غير قواعدهم،

هناك أيضاً من يقول إنني مطبع مع إسرائيل، ومن يسبني وأهلي. يا لكل هذا الضحك! حقيقة، لا أحب أن أدافع عما أكتب أو أن أصفه، لأنني لا أمارس أي سلطة على نصّي بعد نشره.

متى شعرتما بالخوف على الشعر؟

في رأي أمينة عبد الله، أن الخوف الحقيقي على الثقافة وليس على الشعر فقط، حين سُمح لأفراد جماعات الإسلام السياسي بفرض سلوكياتهم وملابسهم كمنشور سياسي واحتقارهم للمرأة وللسلام الجمهوري، وتسييد مصطلحات للتعامل اليومي، واستبدال "مساء الخير" بـ"السّلام عليكم"، و"شكرًا" بـ"جزاك الله خيراً"، و"تمّت" التي تكتب في نهايات الأعمال السردية بـ"تمّت بحمد الله".

لكن الجانب الأكثر أهمية، هو مهاجمة الأشكال الكتابية الحديثة، كقصيدة النثر المستبعدة ضمنياً من معظم المسابقات، وترسيخ نموذج ثابت وتقليدي للكتابة، وإضعاف تأثير دور المثقف بحصاره في مشاكل الحياة اليومية.

إنها الكوميديا السوداء أن يكتب أحمد شوقي ــ الذي يعرف فرنسا الحُرّة ــ نصوصاً بكل هذه الرجعية، وهو ما فعله مجايله حافظ إبراهيم الذي قال متحسراً على تحويل آيا صوفيا لمتحف: "فلا تنكري عهد المآذن/على الله من عهد النواقيس أكرم"، وكأنه "يؤسس للطائفية بالشعر!"

مخاوفي الشخصية بدأت في مدينتي الأم، الإسكندرية، حين تصدى الشاعر محجوب موسى لشعراء قصيدة النثر والقصيدة الحديثة بشكل عام، بحجة أن هذه الكتابة تضر باللغة والدين، حد أنه رفع الجذاء على الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي في واقعة شهيرة في الإسكندرية.

أما إسلام نوّار فيقطع بأن الشعر ليس ابنه ليخاف عليه، مؤكداً أن يكتب وسيظلّ يكتب فقط.

متى شعرتما بالخوف على نفسيكما؟

تقول أمينة عبد الله: لم أخشَ على نفسي منهم، فلن أموت إلا عندما يحين أجلي، قد أموت على فراشي وقد أموت بطعنة سكين؛ إنها إرادة الله. لم تتغير قناعتي بأحقية الكتابة في المغامرة وأسعى إلى تأسيس نص إبداعي يحفظ لي اسمي بعد موتي.

خوفي الحقيقي من حالة التوحش وشحن الضعفاء على اتخاذ مواقف بدافع الغيرة على الدّين. ففي الحلقة الخاصة بالزميل الذي أهانني، والمعنونة بـ"سبّ الذات الهية" والتي شاهدها 3 آلاف شخص في ساعتين، أي أن هناك 3آلاف قنبلة موقوتة غاضبة غير منظمة الانفعال.

ويؤكد إسلام نوّار: "أنا اعتاد العيش على المحك، سواء كشاعر أو كطبيب".

هل مثل هذه الأفكار الإرهابية تجعل منكما رقيبين على نفسيكما؟

أمينة عبد الله: لن أكون رقيباً على نفسي وأنا في الخمسين من عمري، وناقشت في كتاباتي فعلاً فكرة الرقابة على الرّوح إلى أن تخلصت منها تماماً في مرحلة مبكرة.

إسلام نوار: سأجاهد نفسي كيلا أقول كما قال أحد الروائيين في ندوة له: "حذفتُ نصوصاً من روايتي خوفاً على أولادي".

ماذا استفاد الله  من تهديدي وسبّي بأشنع الألفاظ واستعداء الجهات الأمنية والجماعات المتشددة ضدي؟ 

يتحدى البيومي عوض أن تنشرا قصيدتيكما على الملأ أمام جمهور عام. هل هذا حقيقي؟ ومن أين جاء بهذا اليقين؟

تقول أمينة: غير صحيح. القصيدة أُلقِيَت في ختام المهرجان الموثق بالصوت والصورة، والتي سمعها فيها هذا الأستاذ، وإلا من أين عرفها إذا لم تطرح على الملأ؟! فقد طٌبِعَ الديوان مرتان، وهنا أتساءل: كيف يصلّي من يكذب كمن يتنفس؟!

ويجيب إسلام: لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ألتفت لمثل هذه التفاهات. لقد قرأت النصّ أمام جمهور عام، وسيصدر ضمن ديواني الجديد العام المقبل، ومُرجح أن يكون اسمه "كشوف العذرية" وهو من الشعر الحكائي، وأرجو أن ألفت النظر إلى هذه العذرية الأنثوية التي هي حجر الأساس للبناء الاجتماعي لمجتمعاتنا العربية.

ما الذي يُضير شاعر أن تصف شاعرةٌ الإلهَ بـ"امرأة حنون"، أو أن يشير شاعر حرّ إلى شعر عانة المرأة؟

تقول أمينة عبد الله في ما يخص نصّها: هذا الزميل المعترض على وصفي للإله بامرأة حنون، لن يعترض لو قلت إن "الإله ذكر"، فمن واقع التعليقات على صفحته، والتي قام بحذف معظمها بعد أن ناقشه أحد الشعراء، أقرّ أننا عندما نهين شخصاً نقول له "يا مرة"! أي أنني بذلك أهين الله، بحسب زعمه! وفي رأيي أن هذا يدلّ على تكريس خطاب متدنٍّ تجاه المرأة، لدرجة أنه برر القصيدة الجنسية التي عرّضت باسمي وسمعتي وصورتي الشخصية، بأنها غضب للّه عز وجل! فهل يقبل الله الخوض في أعراض النساء واستباحتهن واستباحة دمائهن؟!

أما بخصوص نص إسلام الذي أشار فنياً إلى شعر عانة المرأة في قصيدته، فقال: أعلم أن نصي مختلف تماماً عن كلّ ما تربى عليه الشخص/الشاعر المعترض، وهو ما يجعلني أؤكّد مرة أخرى أنني حقاً لا أشغل بالي باعتراضاتهم جميعاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard