"قانون تعزيز المبادئ الجمهورية"... ماذا يتضمن تشريع ماكرون لمواجهة "الهيدرا الإسلامية"؟

الخميس 10 ديسمبر 202011:04 ص

ناقش مجلس الوزراء الفرنسي، في 9 كانون الأول/ ديسمبر، مشروع قانون جديد يدعمه الرئيس إيمانويل ماكرون يحظر مجموعة واسعة من الأنشطة التي تعتبرها الحكومة الفرنسية أشكالاً من "الانفصالية الإسلامية"، بما في ذلك إساءة استخدام التعليم المنزلي وصولاً إلى جرائم الكراهية عبر الإنترنت، كما يعمل على تعزيز الإشراف على الجمعيات الدينية والرقابة على تمويلها.


المشروع، الذي من المقرر أن يناقشه البرلمان الفرنسي في كانون الثاني/ يناير المقبل، يضم نحو 50 بنداً وربما يكون أحد آخر مشاريع القوانين الكبيرة في عهد ماكرون. يأتي القانون المقترح عقب سلسلة من الهجمات الإرهابية التي نسبت إلى  متطرفين إسلاميين، أبرزها نحر المدرس الفرنسي صامويل منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الماضي لعرضه رسوماً كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد على تلاميذه.


وبوجه أعم، صيغ مشروع القانون ردّ فعل على انتشار الإسلام الراديكالي، الأيديولوجية التي ترى الحكومة الفرنسية أنها تهدف إلى بناء مجتمع مواز تطغى فيه القواعد الدينية على القواعد المدنية، ويشدد مسؤولون فرنسيون على أنها تقوض قيم الجمهورية الفرنسية، لا سيما مبدأ العلمانية الذي يفصل بين الدين والدولة.


عقب المناقشات حول القانون، قال ماكرون عبر منصة "بروت" الإلكترونية الموجهة للشباب: "الشر بيننا. ومن الخطأ القول إننا سنطرده بعصا سحرية"، فيما صرح رئيس وزرائه جان كاستيكس خلال مؤتمر صحافي بأن "الجمهورية تعتزم الدفاع عن نفسها".


أهم بنود القانون

أفضت الإجراءات العاجلة عقب اغتيال المدرس باتي إلى إغلاق 400 جمعية ومسجد وقاعة رياضية بتهمة الترويج للتطرف. لكن ماكرون اعتبر أن هناك نواقص في ترسانة القوانين الفرنسية، مشجعاً على إعداد قانون جديد يعالج ذلك كشف عن خطوطه العريضة قبل نحو شهرين.

يحظر الحجاب على الموظفين العموميين ويجرم فحوص كشف العذرية ويكافح تعدد الزوجات… أبرز بنود مشروع القانون الذي يستهدف محاربة "الانفصالية الإسلامية" في فرنسا

عُدّل عنوان القانون عدة مرات لكي لا يبدو مستهدفاً منه المسلمين في البلاد، واستقرت تسميته أخيراً على "قانون تعزيز المبادئ الجمهورية" وهو يوفر بشكل أساسي إطاراً لمعالجة الكراهية عبر الانترنت وحماية الموظفين الرسميين من التهديدات والعنف والإشراف المشدد على الجمعيات ودور العبادة.


يلزم التشريع الجمعيات الدينية والمساجد بالإعلان عن أي تمويل أجنبي يزيد عن 10000 يورو (نحو 12 ألف دولار أمريكي). ويسهل على السلطات الفرنسية إغلاق المدارس التي "تلقن" الأطفال والجمعيات التي تنتقد القيم الجمهورية الفرنسية مثل المساواة بين الجنسين.


ينص القانون أيضاً على ضرورة "حياد" العاملين في المرافق العامة وعدم ارتدائهم أية "رموز دينية" من قبيل "الصليب وغطاء الرأس". وسيعاقب كل شخص ينشر التفاصيل الخاصة لشخص آخر عبر الإنترنت بغرض تعريضه للأذى، بما يصل إلى ثلاث سنوات في السجن وغرامة قيمتها 45000 يورو (نحو 54 ألف دولار).


بموجب التشريع الجديد يعد الضغط على موظفي الخدمة المدنية ومقدمي الخدمات العامة للابتعاد عن القيم العلمانية لفرنسا "جريمة جنائية". على سبيل المثال، الرجل الذي يرفض السماح لطبيب بفحص زوجته قد يواجه عقوبة السجن حتى خمس سنوات وغرامة تصل إلى 75 ألف يورو (نحو 90 ألف دولار).


في غضون ذلك، سيجعل ارتياد المدرسة إلزامياً اعتباراً من سن الثالثة لتجنب التسرب المدرسي لأسباب دينية وتسجيل الآباء أطفالهم سراً في مدارس دينية سرية، مع إتاحة التعلم المنزلي الذي يشمل نحو 50 ألف طفل في حالات استثنائية بينها الحالات المرضية أو ظروف خاصة مثل الرياضيين المحترفين.

بعد يوم من منحه أرفع وسام شرف فرنسي لـ"أحد أكثر الديكتاتوريين المسلمين وحشية في العالم"، السيسي، ماكرون يناقش مع حكومته قانون مكافحة "التطرف الإسلامي"!

من الأمور التي يحظرها مشروع القانون "فحوص كشف العذرية"، وهي الممارسة الشائعة بين بعض العائلات المسلمة التي تطلب من المرأة الخضوع لفحص طبي للتحقق من عذريتها قبل الزواج، جنباً إلى جنب مع تعزيز التدابير الرامية إلى منع الزواج بالإكراه والقضاء على تعدد الزوجات.


انتقادات ومآخذ

لكن انتقادات بعضها ذات وجاهة تعرضت لها الحكومة الفرنسية والقانون. يعتقد بعض الزعماء المسلمين وجماعات حقوق الإنسان مثلاً أن التشريع يخاطر بوصم الجالية المسلمة في فرنسا، وهي واحدة من أكبر الجاليات المسلمة في أوروبا.


هناك شكوك متعلقة بكيفية تمييز السلطات، لدى إنفاذ نصوص التشريع، بين الأشخاص الذين يتبعون ببساطة الممارسات الإسلامية وأولئك الذين يسعون إلى الانفصالية. قبل يومين، أعرب المبعوث الأمريكي للحرية الدينية، سام براونباك، عن قلقه بشأن طابع التشريع الفرنسي المحتمل "القمعي جداً".


وقال أنور كبيش، رئيس إحدى أكبر المنظمات الإسلامية في البلاد، "تجمع مسلمي فرنسا": "لا ينبغي لأحد أن يلقي باللوم على المجتمع المسلم بأكمله"، مبرزاً شراكته في تحركات الحكومة لمحاربة الإسلام الراديكالي، ومؤكداً أن الغالبية العظمى من المسلمين في البلاد يلتزمون قيم الجمهورية الفرنسية. وانتقدت جماعات حقوقية على وجه التحديد غلق منظمات إسلامية تندد بـ"الإسلاموفوبيا".


لكن رئيس الوزراء الفرنسي قال إن القانون "الذي يعزز مبادئ الجمهورية الفرنسية" ليس "ضد الأديان ولا ضد الديانة الإسلامية بشكل خاص" بل يستهدف "الفكر الخبيث الذي يحمل اسم الإسلام المتطرف".


من جهته، اتهم الزعيم اليساري المتطرف جان لوك ميلونشون الحكومة الفرنسية بالاستفادة من تصاعد المشاعر المعادية للمسلمين لتحقيق مكاسب سياسية، قائلاً: "الحكومة تَرْكَب موجة معادية للمسلمين".

زعيم اليسار المتطرف في فرنسا، جان لوك ميلونشون، اتّهم الحكومة الفرنسية باستغلال تصاعد المشاعر المعادية للمسلمين لتحقيق مكاسب سياسية، قائلاً: "الحكومة تَركَب موجة معادية للمسلمين"

اللافت أن مناقشة مشروع القانون أعقبت استقبال الرئيس الفرنسي للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي يثير تعامل نظامه مع ملف الحريات وحقوق الإنسان انتقادات شديدة. دفع هذا العديد من المعلقين عبر الإنترنت إلى السخرية من ماكرون، قائلين إنه بينما يزعم مكافحة "التطرف الإسلامي" يستمر في "تدعيم وتمويل أحد أكثر الديكتاتوريين المسلمين وحشية في العالم".

ولفت بعضهم إلى منح ماكرون "الدكتاتور العسكري المصري" أرفع وسام فرنسي، وسام جوقة الشرف الفرنسي، في قصر الإليزيه حيث أقام الرئيس الفرنسي مأدبة عشاء، في "مجاملة" غابت عنها الصحافة الفرنسية وكشفتها صحيفة "لو سوار" لاحقاً.


وسلطوا الضوء على المفارقة بين تكريم السيسي في الإليزيه قبل يوم واحد من مناقشة تشريع ماكرون المقترح لتجريم "فحوص كشف العذرية" التي أدينت الأنظمة المصرية منذ عام 2011 بإتباعها ضد النساء رغم اعتبارها شكلاً من أشكال الاعتداء الجنسي والتعذيب.


تجدر الإشارة إلى أن مشروع القانون جرت مناقشته في الذكرى الـ115 لسن القانون الذي أرسى العلمانية في فرنسا عام 1905 التاريخي حول العلمانية، أعقب ثلاث سنوات من المحاولات لمواجهة ما وصفه ماكرون بـ"الهيدرا الإسلامية" ، في إشارة إلى الحية هيدرا متعددة الرؤوس كما في الأساطير اليونانية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard