"قد تكون قاتلة ومميتة"... لماذا أصبحنا أكثر عرضة لحساسية الطعام؟

الأربعاء 9 ديسمبر 202004:05 م

يمكن أن تكون حساسية الطعام أمراً مرعباً، فعندما يأكل شخص ما كمية ضئيلة من أحد أنواع الأطعمة التي يعاني من حساسية تجاهها، فإن جسمه قد يختبر ردة فعل بسيطة يمكن أن تشمل الحكة، التورم وآلام في المعدة، لكن واحداً من كل 4 أشخاص سيواجه في مرحلة ما حساسية مفرطة anaphylaxis، تُعرف بأنها رد فعل يشمل عضوين من أعضاء الجسم، وتتميز بأعراض مزعجة، مثل الصفير في الصدر، الدوخة والقيء، يرافقها انخفاض في معدل نبضات القلب، انخفاض في ضغط الدم وانسداد المسالك الهوائية، مع العلم بأن الحساسية المفرطة قد تكون في بعض الأحيان قاتلة ومميتة.


أعراض الحساسية الغذائية

في حديثها مع موقع رصيف22، أوضحت الأخصائية في علم التغذية سالي الزين، أن حساسية الطعام تعني الحالة التي تؤدي فيها بعض الأطعمة إلى استجابة مناعية.

وأوضحت الزين أن البعض يخلط ما بين الحساسية الغذائية food allergy وعدم تحمل نوع من الطعام food intolerance، شارحة الفرق بينهما: "الحساسية الغذائية يعني أن يقوم الجهاز المناعي برد فعل تجاه نوع محدد من الطعام، بحيث يختبر المرء مجموعة من الأعراض التي تشمل: صعوبة في التنفس، الطفح الجلدي، آلام في الرأس، مشاكل في الكبد... أما في الحالة الثانية تأتي ردة الفعل من الجهاز الهضمي على شكل أعراض بسيطة، كحدوث انتفاخ في البطن، غازات، إسهال...".

أما بالنسبة إلى أنواع الحساسية الغذائية الأكثر شيوعاً في منطقتنا العربية فهي: حليب البقر، البيض، الفول السوداني، القمح والسمك.

واعتبرت الزين أنه من أجل إيجاد حلول للحساسية الغذائية، فإنه يتعيّن معرفة السبب الأساسي الكامن وراءها، بالإضافة إلى إدخال هذه الأطعمة بشكل تدريجي منذ الطفولة وحتى في مرحلة الحمل: "نحن نتجه أكثر فأكثر نحو أسلوب حياة صحي، وهذا قد يسبب أحياناً حساسية تجاه أطعمة معيّنة لطالما تجنبناها، فالأمر أشبه بالإصابة لأول مرة بأنفلونزا، حيث تكون الأعراض شديدة، في حين أن التعرّض المتكرّر لها يجعل الأعراض أخف وطأة، لأن الجهاز المناعي يكون قد تحصن ضد المرض".

أنواع الحساسية الغذائية الأكثر شيوعاً في منطقتنا العربية هي: حليب البقر، البيض، الفول السوداني، القمح والسمك

هذا وختمت سالي الزين حديثها بالقول: "لدينا بكتيريا جيدة في القناة الهضمية تحمينا بطريقة ما، وبالتالي علينا إدخال كميات ضئيلة من بعض الأطعمة، كالبيض، الحليب، القمح والسمك، لكي يتمكن الجسم من تقوية الجهاز المناعي".

ارتفاع الحالات

من الملاحظ في الآونة الاخيرة انتشار حالات حساسية الطعام في العالم أكثر من أي وقت مضى، إذ بات المزيد من الناس يعانون من الحساسية الغذائية، وفق ما ذكره موقع بي بي سي.

يعتبر البعض ان السبب الكامن وراء ارتفاع معدل انتشار حساسية الطعام هو ببساطة أننا أصبحنا أكثر وعياً بالحساسية الغذائية، لكن كاري نادو، أخصائية الحساسية في جامعة ستانفورد، التي وصفت في كتابها الجديد The End of Food Allergy انتشار الحساسية بـ "الوباء"، تعارض هذه النظرية بالقول: "لقد أصبحنا أكثر وعياً بالحساسية الغذائية، لكن هذا لم يؤثر على معدلات التشخيص".

الحساسية المفرطة قد تكون في بعض الأحيان قاتلة ومميتة

وفي حين أنه من الصعب تحديد مقدار ارتفاع الحساسية تجاه الطعام، إذ إنه من الصعب الوثوق بالبيانات المبلغ عنها ذاتياً، غير أن نادو أكدت أن نسبة الحساسية الغذائية في جميع أنحاء العالم قد ارتفعت من حوالي 3% من السكان في العام 1960 إلى حوالي 7% في العام 2018.

واللافت أن أنواع الأطعمة التي يعاني الأشخاص من الحساسية تجاهها قد ارتفعت بدورها: قبل عقود، كانت الحساسية محصورة بالأطعمة الكلاسيكية فقط، أي المأكولات البحرية، الحليب والمكسرات، أما اليوم فقد توسعت بشكل كبير لتشمل مجموعة كاملة من المنتجات.

إذن، يتفق الخبراء على أن الحساسية الغذائية آخذة في الارتفاع في وقتنا هذا، والسؤال الذي يبرز في هذا الصدد: ما الذي يفسّر ذلك؟

فرضية النظافة و"الأصدقاء القدامى"

طرح عالم الأوبئة ديفيد ستراشان، "فرضية النظافة"، بعدما لاحظ في العام 1989 أن الأطفال الذين لديهم أشقاء أكبر سناً أقلّ عرضة للإصابة بحمى القش والأكزيما، وكتب ستراشان: "على مدى القرن الماضي، أدى انخفاض حجم الأسرة، التحسينات في المنزل وارتفاع معايير النظافة الشخصية، إلى تقليل فرص انتقال العدوى بين الأشقاء الصغار".

لكن العديد من العلماء يختلفون مع هذه النظرية والتي، وفق رأيهم، لا تتعلق بنظافة المنزل، بل بمدى تنوع الكائنات الدقيقة التي تتعرّض لها الأمعاء.

تعليقاً على هذه النقطة، قال غراهام روك، الأستاذ الفخري لعلم الأحياء المجهرية في كلية لندن الجامعية: "إن وجود أشقاء أكبر سناً هو أمر جيد، لأنه يزيد من احتمالية التعرض لأنواع مختلفة من الميكروبات الخاصة بالعائلة"، الأمر الذي يسمح بتكاثر هذه الكائنات الدقيقة في الأمعاء ما "يثقّف" جهاز المناعة.

لهذا السبب يربط العلماء بين حساسية الطعام والأطفال الذين يولدون بعملية قيصرية: عدم الخروج من خلال قناة الولادة يعني أن الطفل لا يبتلع البكتيريا المفيدة...

لوصف نظريته، صاغ غراهام روك عبارة "الأصدقاء القدامى"، مشيراً إلى أن تجمع الكائنات الدقيقة في الجسم، تتغير ببطء. منازلنا الحديثة، بأخشابها وألواحها الجصية المعالجة بالمبيدات الحيوية، بها ميكروبات لا علاقة لها بالعالم الخارجي الذي تطورنا فيه، لذلك، فإننا نتعرّض لعدد أقل من الميكروبات، أو الأصدقاء القدامى، التي تساعد جهازنا المناعي على الاستجابة للمواد الغريبة المسببة للأمراض. ولهذا هناك دليل جيد على أنه كلما زاد عدد المضادات الحيوية التي تناولها الشخص في مرحلة الطفولة، كلما زادت احتمالات إصابته بحساسية تجاه الطعام، بحيث تقتل المضادات الحيوية البكتيريا الجيدة في أمعائنا.

التعرض لمسببات الحساسية

هناك نظرية أخرى تتحدث عن التعرض لمسببات الحساسية، ولشرحها يجب أن نستكشف منعطفاً في الطريقة التي تغيرت بها النصائح المرتبطة بحساسية الأغذية على مر السنين.

في هذا الصدد، قالت كلير ميلز، أستاذة الحساسية الجزيئية في جامعة مانشستر في إنجلترا: "عندما بدأت هذه الحساسية الغذائية تظهر في التسعينيات، كان الناس قلقين للغاية بشأن إدخال الأشخاص الفول السوداني في النظام الغذائي للأطفال. وانتهى بنا الأمر في الواقع بإرشادات تقول: لا تعط طفلك هذه الأطعمة حتى يبلغ من العمر ثلاث سنوات".

وبحسب ميلز، أن هذه النصيحة لم تكن تستند حقاً إلى أي دليل، بل كان يتعيّن على الأهل فعل العكس تماماً، أي إدراج الأطعمة المسببة للحساسية في أقرب وقت ممكن.

كيف يبقى الشخص آمناً وسط ارتفاع حالات الحساسية تجاه الطعام، بخاصة وأن تجنب أصناف معينة من الأطعمة بالكامل لن يساعد بالضرورة في خفض الإصابة بالحساسية الغذائية، بل قد يضرّ بها؟

والسبب هو أن مجرد عدم تناول الرضيع للفول السوداني لا يعني أنه لن يقابل أشخاصاً يتناولونه، إذ يمكن أن يتعرض الطفل للفول السوداني من خلال الغبار، الاحتكاك مع الأثاث ومع الكريمات التي تحتوي على زيت الفول السوداني. وبالتالي، فإن التلامس مع الجلد يمكن أن يؤدي إلى استجابة من جهاز المناعة.

والحقيقة أن هناك إجماعاً لدى الخبراء، بضرورة تقديم مجموعة متنوعة من الأطعمة من خلال الفطام من حوالي ثلاثة أو أربعة أشهر من العمر، خاصة بالنسبة للأطفال المصابين بالأكزيما، بحيث أثبتت الدراسات أن إدخال الفول السوداني بين 4 و11 شهراً أعطى الأطفال البالغين من العمر خمس سنوات فرصة أقل بنسبة 80% للإصابة بحساسية الفول السوداني.

الفيتامين د

عامل آخر يمكن أن يكون وراء حساسية الطعام، هو فيتامين د. وهناك سؤال يبرز في هذا الصدد: هل نعاني من ارتفاع معدلات الحساسية تجاه الطعام لأننا نقضي المزيد من الوقت في الداخل، ونحرم أنفسنا من فيتامين د الذي يلعب دوراً مهماً في تطوير آليات تنظيم المناعة؟

أظهرت بعض الدراسات وجود صلة بين فيتامين د ومخاطر الحساسية الغذائية، لكن الباحثين في ألمانيا وجدوا ارتباطاً إيجابياً بين مستويات فيتامين د لدى الأمهات وخطر الإصابة بحساسية الطعام قبل سن الثانية، وقد وجدت دراسة ألمانية أخرى أن الأطفال الذين لديهم معدلات أعلى من فيتامين د عند الولادة، كانوا أكثر عرضة للإصابة بحساسية الطعام في سن الثالثة، بمعنى آخر، فإن النقص الشديد في فيتامين د وارتفاع مستوياته يسببان مشكلة.

إذن، مع استمرار البحث في ارتفاع الحساسية الغذائية، يبقى السؤال: كيف يبقى الشخص آمناً وسط ارتفاع حالات الحساسية تجاه الطعام، بخاصة وأن تجنب أصناف معينة من الأطعمة بالكامل لن يساعد بالضرورة في خفض الإصابة بالحساسية الغذائية، بل قد يضرّ بها؟ الحل قد يكمن في العلاج المناعي، أي استهلاك كميات ضئيلة من الأطعمة المسببة للحساسية، بشكل تدريجي، بعدما تبيّن أن هذه الوسيلة تحقق نتائج واعدة للغاية، وقد تعني بالنسبة لبعض الناس، الفرق بين الحياة والموت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard