تلمذة وصداقة وإعجاب... شيوخ المداحين ونجوم الغناء في موالد مصر

الأحد 6 ديسمبر 202003:44 م

"حب النبي يابا دوبني دوب... عن المعاصي يابا توبني توب"، مديح النبي محمد فن عشقه المصريون على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية ومستوياتهم الثقافية، بل وانتماءاتهم الدينية أيضاً.

فمدرسة المديح النبوي في مصر مليئة بالأسماء التي رسّخت هذا الفن، وجعلته حاضراً في كل المناسبات، في بلدان عربية وأجنبية أيضاً، بداية من الشيخ علي محمود، النقشبندي، طه الفشني، نصر الدين طوبار، ومحمد الكحلاوي، وانتهاء بالشيخ أحمد التوني، ياسين التهامي، العربي البلبيسي وغيرهم؛ استمر المديح واتسعت رقعة جمهوره.

لكن ما لا يعرفه الكثيرون تلك البصمة القوية، والحاضرة التي تركها شيوخ المداحين، على نجوم الغناء والموسيقى في مصر، ولا يزال بعضهم عاشقاً لهذا الفن.


عبد الوهاب في جامع الحسين

لا يعرف الكثيرون أن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب قد تتلمذ على يد الشيخ علي محمود، وكان الموسيقار الكبير يستشير الشيخ الجليل في الكثير من جمله اللحنية الصعبة، كما صرح الصحفي والناقد الفني المخضرم هشام يحيى، لرصيف22.

يقول يحيى: "المؤرخ الموسيقي المعروف الدكتور زين نصار حكى لي أن الموسيقار محمد عبد الوهاب في بداياته، بعد مرحلة التأثر بألحان الشيخ سيد درويش، بدأ يظهر تأثره بمدرسة المشايخ والمدّاحين، فكان يهرب من ترف القصور إلى سيدنا الحسين ليجلس تحت قدم الشيخ علي محمود، ليتعلم منه ويستمتع بأدائه في تقديم التواشيح الدينية، فلقد كان الشيخ الجليل إماماً للمنشدين، يجمع في أوتاره صوت كل آلات الطرب، كما وصفه الأديب الراحل محمد فهمي عبد اللطيف".

ولم يتتلمذ على يديه عبد الوهاب فقط، لكنه كان أستاذ علم الموسيقى وأصول المقامات للشيخ زكريا أحمد، وأم كلثوم، وأسمهان، بحسب يحيى.

نصر الدين طوبار

لا يعرف عشاق صوته أنه تقدم لاختبارات الإذاعة المصرية ست مرات متتالية وتم رفضه. لم ينجح المبتهل الشهير، نصر الدين طوبار، إلا بعد أن تتلمذ على يد موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، الذي لقنه أصول المقامات وارتباط اللحن بطبقات الصوت، وعلمه مخارج الألفاظ ودقتها عند الابتهال، وهو ما جعله يجتاز الامتحان بجدارة في المرة السابعة، بعد ثماني سنوات من المحاولات، ليصبح الشيخ نصر الدين طوبار واحداً من أهم المنشدين في الإذاعة المصرية. رافق صوته العذب المصريين في أحداث تاريخية هامة، حيث قدم أول ابتهال في حرب أكتوبر 1973، ليثني عليه الرئيس السادات، ويقرر اصطحابه معه في زيارته الشهيرة للقدس في عام 1977، لينشد طوبار ابتهالات في المسجد الأقصى وينال شهرة عالمية.

"كان عبد الوهاب يهرب إلى سيدنا الحسين ليجلس تحت قدم الشيخ علي محمود، ليتعلم منه ويستمتع بأدائه في تقديم التواشيح الدينية"

كما عرف عن طوبار تعاونه مع نجوم الفن في مصر، فقد تعاون مع بليغ حمدي وكمال الطويل في وضع القالب الموسيقي المميز لابتهالاته وأناشيده الدينية، التي زاد عددها عن 200 ابتهال، وكذلك مع الشاعرين مرسي جميل عزيز وعبد الفتاح مصطفى في نظم كلماتها.

صداقة النقشبندي وأم كلثوم

بدأت كوكب الشرق أم كلثوم مشوارها الفني من ساحة الموالد الشعبية وليالي المديح النبوية، فتتلمذت على يد الشيوخ والمنشدين، لذلك ظل للمديح النبوي مكانة خاصة لديها، حتى بعد شهرتها وتألقها.

لم تتكاسل أم كلثوم عن حضور ليالي المديح في الموالد الكبرى، حيث كانت ضيفة دائمة على مولد السيد البدوي بطنطا، وكانت تلتقي هناك بالمقرئين والمدّاحين، فتوطدت علاقتها بمشاهيرهم، حيث عرف عنها صداقتها بالمنشد الشهير سيد النقشبندي، الذي حكي عن علاقته بكوكب الشرق في حوار إذاعي نادر، أجراه معه الإذاعي الكبير، طاهر أبو زيد، للإذاعة المصرية.

كشف الشيخ آنذاك عن إعجابه الشديد بكوكب الشرق منذ أن كان صبياً وأنه كان يقلدها، وأخبرها بذلك حينما التقى بها في مولد السيد البدوي بطنطا، وهو الأمر الذي أسعدها كثيراً وقتها. كانت كوكب الشرق كذلك من أشد المعجبين بحنجرة الشيخ النقشبندي، وكانت تستعد لإتمام مشروع غنائي ديني مع الشيخ الجليل، يقوم بإعداده الموسيقار بليغ حمدي، بتوجيهات من الرئيس الراحل محمد أنور السادات، إلا أنه لم يتم بسبب الظروف الصحية لكوكب الشرق، والتي أدت لوفاتها بعد الاتفاق بينهما بوقت قليل.


شادية وأم كلثوم في المولد

في طنطا أيضاً، بلد مولد السيد البدوي السنوي الكبير، تفتح وعي الموسيقار هاني شنودة، على ليالي الإنشاد الديني والمديح النبوي في هذا المولد، وموالد أخرى في قرى ومدن مجاورة لطنطا محل ميلاده، بحسب ما جاء في كتاب "مذكرات هاني شنودة".

تحدث شنودة عن تذوقه للموشحات الصوفية، وافتتانه بفنون الإنشاد، وكان ينتظر المولد كل عام، وينتبه لتلك الكلمات التي يغيرونها مع الزمن، خاصة الأغاني العاطفية، ويولفونها على أغانٍ شعبية، ومقاطع ونصوص من الذكر في حب رسول الله وآل البيت، كما كان شنودة من عشاق النقشبندي، فقد كان ينتظر رمضان كل عام ليستمع لأناشيده وابتهالاته المميزة التي كان يؤديها في ساحة مسجد السيد البدوي.

 التأثر بفن الإنشاد امتد لمغنين/ات آخرين مثل محمد فوزي وشادية.

وأشار يحيى إلى أن التأثر بفن الإنشاد امتد لمغنين/ات آخرين مثل محمد فوزي وشادية.

"لقد تأثر فوزي كثيراً بالمديح النبوي والأناشيد الدينية، بحكم نشأته في طنطا وارتباطه في سنواته الأولى بمولد السيد البدوي، ففي حواراته الإذاعية القليلة، كثيراً ما كان يشير إلى معايشة المدّاحين".

"وحكت الفنانة شادية في مذكراتها التي تم نشرها على صفحات مجلة "آخر ساعة" عن أول لقاء جمعها مع كوكب الشرق، كان في مولد سيدي علي زين العابدين، والذي ارتبطت شادية بحضوره والاستماع لمشاهير المبتهلين والمنشدين الذين كانوا يحيون لياليه".


"منشد الأجيال الجديدة"

جمهور المدّاحين لم يقتصر على الأجيال القديمة من المبدعين والفنانين، لكنه استمر مع الأجيال الأحدث، الذين أصبحوا عشاقاً لنجوم المديح الجدد، كالشيخ ياسين التهامي، الذي استطاع أن يكسب فن المديح شرائح مختلفة من الجماهير.

الصحفية والسيناريست الشابة نهي سعيد، ارتبطت بالشيخ ياسين التهامي، بحكم نشأتها في مدينة طنطا وإحيائه سنوياً ليالي مولد السيد البدوي.

تقول نهى، واصفة المشهد أثناء مولد السيد البدوي في طنطا، لرصيف22: "لقد اعتادت المحلات التجارية في المنطقة المحيطة لمسجد سيدي أحمد البدوي على تشغيل أناشيده هو وغيره من المنشدين طوال اليوم، لتصنع أجواء خاصة جداً لا تتكرر في مكان آخر".

وتؤكد سعيد أن العديد من الفنانين المصريين يحضرون سنوياً ليالي مولد السيد البدوي، وخصوصاً ليلة ياسين التهامي، وكان منهم الفنان الراحل حسن حسني، الذي كان يحرص على الحضور سنوياً، وكوّن صداقات عديدة مع أهل طنطا بسبب المولد الشهير، كذلك المغني محمد ثروت والفنان ماجد المصري، باعتبارهم من أبناء طنطا.

"أول لقاء جمع الفنانة شادية بأم كلثوم كان في مولد سيدي علي زين العابدين، والذي تعلقت بحضوره للاستماع إلى مشاهير المبتهلين والمنشدين"

ويشدد الدكتور محمد عمران في كتابه "الثابت والمتغير في الإنشاد الديني"، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في عام 2004، على أن المديح أو الإنشاد هو أحد أنماط الموسيقى الشعبية الذي كان "محورياً" في الحياة الشعبية المصرية، والذي ظل فارضاً سطوته حتى مع ظهور الراديو في الثلاثينيات من القرن الماضي، إلا أنه مع المزيد من زحف الوسائل الجديدة من الترفيه، وتغير نمط الحياة، تراجع دوره وتقهقر.

ويلفت عمران النظر في كتابه إلى أن الإنشاد الديني نوع من الغناء ارتبط بخصائص معينه تحدد كلماته، التي يكون أغلبها بالفصحى وموسيقاه المعبرة عن المعنى تخرج في حالة من الوقار.

ولقد ذهبت العديد من الآراء، بحسب الكتاب، إلى أن الإنشاد الديني عموماً أكثر ضروب الغناء صرامة وثباتاً في الاحتفاظ بالطابع القومي للشعوب، لأنه أقل من غيره عرضة للمتغيرات المستمرة، بفعل عدم ثبات الذوق العام وتقلب الأهواء، بل ونزوات الفنانين أنفسهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard