"خائنون" و"تقليديون"... عن استقطاب لغوي في المجتمع الجزائري بين الفرنسية والعربية

الأربعاء 2 ديسمبر 202004:02 م

حالة من الاستقطاب يعيشها جزائريون تخص نمط المعيشة، والسلوك، والقناعات الأخلاقية الاجتماعية والدينية، وأكثر ما تتجسد تلك "الحالة" في اللغة، هنا نجد الحدة الانفعالية، والتطرف، وتنميط الآخر.

يرى بعض الجزائريين الذين يفضلون العربية أن هؤلاء الذين يتحدثون بالفرنسية في يومياتهم، ومعاملاتهم، خائنون لوطنهم، وقيمهم، بينما يرى مفضلو اللغة الفرنسية من لا يتقنون تلك اللغة أنهم تقليديون، متخلفون عن ركب منجزات الحداثة.

"أولاد الخونة"

"أكره الفرنسية، والفرنسيين، وأولاد الحركى (الخونة) الذين يتكلمونها هنا، أنت جزائري فلماذا لا تتكلم العربية، وتتكلم الفرنسية؟ اذهب من هنا إذًا وعش معهم ما دمت تريد أن تكون مثلهم"، هكذا عبّر سفيان، شاب عشريني يبيع المواد الغذائية، ويسكن في حي شعبي بضواحي العاصمة الجزائر، عن رأيه فيمن لا يلتزمون العربية لقضاء حوائجهم.

يشعر سفيان بالاستفزاز حين يكلمه أحدهم بتلك اللغة، التي يتمنى أن تلغى من كل المدارس والجامعات الجزائرية، إذ لا يخجل أن يعترف بأنه كان تلميذاً "فاشلاً في مادة الفرنسية"، رغم مجهود أساتذته، لأنه اختار ألا يدرس لغة "أعداء الجزائر والإسلام" على حد تعبيره.

يقرِن سفيان، وهو هنا يشبه كثيرين ممن يتبنون العربية في حديثهم، بين اللغة الفرنسية وماضي فرنسا المظلم في الجزائر.

يحاول سفيان جاهداً توضيح مشاعره أكثر لرصيف22 بشيء من الانفعال والتوتر: "تخيلي أن تموت أمك، ويتزوج أبوك امرأة أخرى تشبعك ضرباً، وتعنيفاً، وإهانة، هل كنت ستحبينها؟ مستحيل! كيف تريدينني أن أحب الفرنسيين ولغتهم إذاً؟".

رغم عدم انضمام الجزائر رسمياً للمنظمة الفرنكوفونية، فإن الشعب الجزائري اعتاد أن يصغي إلى خطابات مسؤوليه بالفرنسية، وأن يسخر من تصريحاتهم العربية الركيكة، المليئة بالأخطاء، فلغة موليير حاضرة بقوة في حياة الجزائريين العامة، والتربوية، والثقافية، بفعل العامل التاريخي، وبقاء المستعمر الفرنسي بالجزائر لأكثر من 130 عاماً، مانعاً بذلك أي استعمال للغة العربية، مما خلق جيلاً من الفرنكفونيين، من بينهم أدباء مثل الروائي الكبير كاتب ياسين صاحب المقولة الشهيرة "اللغة الفرنسية غنيمة حرب".

ورغم سياسة التعريب التي تبناها الرئيس هواري بومدين، المعروف عنه تصريحه في 29 أبريل/نيسان عام 1970: "قضية التعريب هي مطلب وطني وهدف ثوري، ونحن لا نفرق بين التعريب وبين تحقيق أهداف الثورة في الميادين الأخرى".

يشعر سفيان بالاستفزاز حين يكلمه أحدهم بتلك اللغة، التي يتمنى أن تلغى من كل المدارس، ولا يخجل أن يعترف بأنه كان تلميذاً "فاشلاً في مادة الفرنسية"، لأنه اختار ألا يدرس لغة "أعداء الجزائر والإسلام"

يرى المختص في علم الاجتماع، عبد الكريم هواري، أن الصراع بين "المعرّبين" و"الفرنكفونيين" في تلك الفترة كان يخفي مطامع سياسية في اقتسام المناصب العليا في الدولة، يوضح: "لا يجب أن ننسى أن مشروع التعريب الذي جاء به بومدين خوّل لأصحاب التعليم التقليدي المعرّب البسيط أي الذين درسوا في المدارس القرآنية أن يأخذوا حصتهم من المناصب العليا في النظام حتى لا يستفرد بها الفرنكفونيون الحاصلون على شهادات من المدارس والجامعات الفرنسية، هكذا ظل الحكم في الجزائر نظام محاصصة يرفع شعارات رنانة لإلهاء المواطن البسيط".

ويشرح عبد الكريم هواري لرصيف22 أن أصل الأزمة في الجزائر "يعود إلى عشرينيات القرن الماضي مع حزب نجم شمال أفريقيا، الذي انبثق عنه حزب الشعب الجزائري بزعامة مصالي الحاج، إذ عرف الحزب ما سمي بالأزمة البربرية سنة 1949، والتي كان سببها الفكر الشمولي، وتمركز السلطة في يد الزعيم، بهذا يكون أصل الصراع اللغوي الفشل في إرساء مبادئ الديمقراطية عند القادة والسياسيين الجزائريين".

"أصل الصراع اللغوي الفشل في إرساء مبادئ الديمقراطية عند القادة والسياسيين الجزائريين".

أما عن موقف سفيان ونظرائه من رفض اللغة الفرنسية، فلا يتعدى بالنسبة لعبد الكريم هواري "مجرد خطابات اعتادوا ترديدها دون قناعة"، يقول: "تعوّد الجزائري بسبب فشل المدرسة والجامعة في مهامهما على عدم التفكير، فهو لا يتقن سوى ترديد الكلام واتباع الخطاب السائد في المجتمع، ممّا يخلق عنده عقداً ومشاكل نفسية وتفكيراً سطحياً".

"هماج ولا أقصد التحقير"

يرى نسيم (37 عاماً)، رئيس قسم في بنك فرنسي بالعاصمة الجزائر، هو الآخر في الخطاب المعادي للفرنسية "مجرد نفاق مجتمعي لا علاقة له بواقع الأمور، وأن أصحاب هذه الشعارات لن يرفضوا الهجرة إلى فرنسا لو سنحت لهم الفرصة".

ويشدّد نسيم على ضرورة الفصل بين فرنسا الاستعمارية والشعب الفرنسي واللغة الفرنسية، يقول لرصيف22: "المجاهدون الذين لم يستشهدوا في حرب التحرير عاشوا على الطريقة الفرنسية، ومنهم من ماتوا في فرنسا، وأولادهم الآن يعيشون هناك، لا علاقة لفرنسا الاستعمارية بفرنسا اليوم، كما يجب أن لا ننسى بأن من الفرنسيين من ساعدنا في حرب التحرير".

كذلك يتبنى نسيم هو الآخر تنميطاً اختزالياً شائعاً في الجزائر بحسب اللغة، إذ يقسم الناس إلى نوعين، الأول مثله "يعيش على الطريقة الفرنسية"، ويقرنها بمعانٍ تحمل قيماً حداثية مثل: احترام الخصوصية، والحريات الفردية، والانفتاح على الثقافات العالمية، أما النوع الثاني فيطلق عليه نسيم تسميات انتقادية شائعة كـ"السوسيال" و "الهماج"، يقول نسيم: "لا أقصد الشتيمة هنا أو التحقير، وإنما أعني من تعودوا نمط حياة فيه تدخل في خصوصيات الآخرين دون احترام الحدود"، ويستدرك قائلاً: "حياتهم تقليدية لا أستطيع أن أعيشها، لكنني أحترمها لأن هذا يعطي ثراءً للمجتمع الجزائري".

محيط فرنكفوني

روزا، تدرس اللغة الفرنسية منذ حوالي 12 سنة بإحدى ثانويات العاصمة، تلفت النظر للخلفية الاجتماعية التي تلعب دوراً لمن يجيدون التحدث بالفرنسية، ولمن يكرهونها أيضاً. تقول لرصيف22: "التلاميذ النجباء في مادة الفرنسية قادمون من محيط فرنكفوني، يتمتعون بمواصفات مشتركة تميزهم عن غيرهم، فهم منفتحون، ومتحررون فكرياً، ملابسهم عصرية مقارنة بغيرهم، وعلاقة الذكور بالبنات جيدة، يسودها تناغم".

تشرح روز: "هم ينشأون في محيط فرنكفوني، لا يوفر لهم اللغة فحسب وإنما ثقافة وطريقة تفكير، وأهاليهم ذوو مستوى تعليمي جيد، يشجعونهم على تعلم اللغات، والابتعاد عن الأفكار المتعصبة والمتطرفة، ولهذا فإن علاقتهم باللغة الفرنسية علاقة حب، كما أنهم يشعرون بالفخر حين يتحدثون فرنسية سليمة على عكس تلاميذ آخرين ينظرون إليها بمنظار أيديولوجي، إذ يشاع بينهم أن "الفرنسية لغة الكفار"".

استقطاب لغوي تعيشه الجزائر، يقول بعض من يتحدثون بالعربية أن الذين يتبنون الفرنسية في حديثهم "خائنون أبناء خائنين"، بينما يقول آخرون عمن يجهلون تلك اللغة "تقليديون، ولكن أحترم وجودهم لأنه يثري مجتمعنا"

تتفق روزا مع نسيم على ضرورة التمييز بين اللغة الفرنسية والماضي الدموي للجنود الفرنسيين في الجزائر، وتستدلّ على ذلك بما أخبرتها به واحدة من تلامذتها في بداية السنة: "قالت لي إنها تريد فعلاً تعلّم الفرنسية بالرغم من غضبها من الجنود الفرنسيين، وما فعلوه بالجزائريين وقت الاستعمار، وقالت إن جدّها الذي زرع فيهم هذا الحقد، هو نفسه الذي شجّع أحفاده على تعلّم الفرنسية".

"البعض يفضل الإنجليزية"

أما أيوب بوخاتم، أكاديمي وصاحب معهد تعليم اللغات، يعمل في هذا المجال منذ سنة 2012 بولاية المدية جنوب الجزائر العاصمة، فيرى أن علاقة الجزائريين باللغة الفرنسية تختلف من ولاية إلى أخرى، فكلما توجهنا جنوباً يزداد رفض هذه اللغة، ويشتد الصراع بين العربية والفرنسية، على عكس العاصمة، والولايات الساحلية الكبرى، كما أن اللغة الأم، حسب رأيه، تلعب دوراً في علاقة الجزائري بالفرنسية: "فمن كانت لغته الأم أمازيغية تختلف علاقته بالفرنسية عمّن لغته الأم عربية".

ويضيف أيوب شارحاً لرصيف22 مدى تعقيد علاقة الجزائري باللغة الفرنسية: "أعتقد أن الأمر له علاقة بعقدة المستعمَر تجاه مستعمرِه، إذ يرفضه لكن يرى فيه مثالاً للتطور والحضارة، فالجزائري الذي يرفض تعلّم الفرنسية، يجد في إتقانها شكلاً من الرقي الاجتماعي، كما أن اللغة الفرنسية مقرونة بالمكانة الاجتماعية على عكس الإنجليزية التي لا تحمل هذه الخاصية، ولهذا هناك اعتقاد عام أن مكانة من يتكلمون الفرنسية في المجتمع أهم وأرقى".

"الإقبال على اللغة الفرنسية يشهد تراجعاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة".

واستدرك بوخاتم: "الإقبال على اللغة الفرنسية يشهد تراجعاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، خاصة إذا ما قارناه بالإقبال على تعلّم الإنجليزية. نسبة الإقبال على اللغة الفرنسية في معهدنا تنخفض كل سنة، فتعلّم الفرنسية عموماً لا يكون بدافع الحب، وإنما بدافع مهني أو دراسي، على عكس الإنجليزية، التي يقبل عليها الطلبة بشغف، ربما لمشاهدة الأفلام أو ولعاً بالثقافة الهوليودية الأمريكية".

من الناحية النفسية، يتحدث أيوب بوخاتم عن ارتياح الطلبة أكثر في الإنجليزية، "لأن هامش الخطأ المسموح ارتكابه أكبر، على عكس الفرنسية التي يجد الجزائري نفسه مطالباً بإتقانها، وإلا أصبح محل سخرية الجميع إذا أخطأ في استعمالها، وهو ما شجع الكثيرين على اللجوء إلى الإنجليزية والنفور من الفرنسية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard