سوق التهريب في مضايا ينتعش ويستقطب الأثرياء السوريين

الجمعة 27 نوفمبر 202009:35 ص

صار ساذجاً جداً نعي الطبقة الوسطى في سوريا. صار المجتمع ثنائي التركيب: مقابل الطابور الطويل للواقفين للحصول على الخبز، هنالك طابور صغير جداً على مدخل إحدى الحانات التي يعادل ثمن الدخول إليها يوم الخميس راتب موظف حكومي حديث التعيين.

أبرز ساحات تجسيد هذه "التركيبة السورية" يتربع في سوق مضايا في ريف دمشق. هو سوق يمتد على طول بلدة منهكة عادت بعض أشكال الحياة إليها مؤخراً.

البلدة الواقعة على السفح الشرقي لسلسلة جبال لبنان الشرقية والقريبة من الحدود اللبنانية، يعجّ سوقها بالبضائع الأجنبية المهرّبة من لبنان، في وقت لا يقوى أهلها من غير "المهرِّبين" على شراء سلعة محلية الصنع بسبب فقر الحال.

التهريب يلتقط أنفاسه

يمتد السوق على طول البلدة بمسافة تقدر بحوالي 600 متر. يبدأ من نهاية بلدة بقين حتى نهاية طريق مضايا. اليوم، يُعتبر أكثر أسواق سوريا فخامةً من حيث ما فيه من بضائع. يكاد يوازي بما فيه ما يوجد في الأسواق الحرة، ويعجّ بالأدوات الكهربائية وأجهزة الهاتف المحمول والألبسة والأحذية ومساحيق التجميل والعطورات... وكل ما يغيب عن السوق السورية.

ما إنْ بدأت الحياة بالعودة إلى مضايا بعد فترة من المعارك والحصار، حتى التقطت محلات بيع البضائع المهرّبة أنفاسها، معلنة استعادة سوق التهريب لمجده، وبشكل علني يعكس تجذّر ثقافة بيع منتجات التهريب لدى غالبية سكان تلك المنطقة التي تضم أيضاً سرغايا والزبداني.

إقبال لا يستوعب سيل البضائع المهرّبة

الأسعار بشكل عام توازي أسعار البضائع في الأسواق الحرة. يتراوح سعر كيس قطع الشوكولا الأجنبية بين 30 ألف ليرة سورية (10 دولارات) وبين 50 ألف ليرة سورية (20 دولاراً)، وعبوات مواد التنظيف تبدأ من 15 ألف ليرة سورية (5 دولارات) وتصل إلى 75 ألف ليرة سورية (30 دولاراً).

أما الألبسة، فيبدأ سعر القطعة من 50 ألف ليرة سورية (20 دولاراً) ويصل إلى 750 ألف ليرة سورية (300 دولاراً)، مع الاستمرار في بيع بعض الأصناف محلية الصنع، والتي تكون أسعارها أدنى.

محمد ن. (35 عاماً)، صاحب متجر في مضايا، يقول لرصيف22: "سوق مضايا كانت له شهرة قبل الحرب على مستوى الوطن العربي. كان السائحون يأتون إليه من دول الخليج العربي، وكنّا نصل الليل بالنهار في العمل، خاصة في الصيف وأيام العطلة، وكان أصحاب المحال التجارية في وسط دمشق يتمنون لو أنهم يملكون محلاً في سوق مضايا".

ويضيف: "خلال الحرب أصبح السوق تقليدياً يتعامل بالبضاعة المحلية. ظل الأمر كذلك لسنتين، ثم أغلق بشكل كامل مع إغلاق البلدة، وتوقف الحركة إليها، ليعود اليوم وينتعش، فحركة البضائع المهرَّبة من لبنان إلى مضايا ميسرة أنشط من سنوات ما قبل الحرب".

ولكن محمد يؤكد أنه لا يمكن مقارنة حركة البيع والشراء اليوم بما كانت عليه قبل الحرب، ويقول: "تمرّ بعض الأيام الجيّدة على مستوى البيع، فيوم الجمعة لا تجد مكاناً للسير في هذا السوق، لكن في باقي الأيام تكون الحركة محدودة".

كيف دخلت هذه البضائع إلى المحلات؟ أي طفل عمره سبع سنوات في مضايا قادر على الإجابة عن هذا السؤال. بالتهريب من لبنان. لكن ما هي الآلية؟ "بالتأكيد ليس عبر حشوها في فرش السيارة"

"سعر المصرف المركزي لا أحد يحتكم إليه في سوق مضايا"، يؤكد محمد، مضيفاً أن تجار البضائع الأجنبية يتعاملون بالدولار الأمريكي، ويشترون معظم بضائعهم بالعملة الأجنبية، أو يدفعون ثمنها بالليرة السورية، بعد احتساب قيمتها على سعر الصرف في السوق السوداء، أما الثمن الذي يسدده المستهلك فيكون غالباً بالليرة السورية، بعد احتساب قيمتها وفق سعر السوق السوداء، فيما يقبض بعض التجار من الزبائن "المعارف" بالدولار الأمريكي بشكل مباشر.

سوق 7 نجوم

بدوره، يروي وائل م. (29 عاماً)، صاحب محل لبيع ألبسة أجنبية، لرصيف22 أن "السوق كان معروفاً على مستوى سوريا والعالم العربي من حيث جودة بضائعه، وكانت المجموعات السياحية تنظم رحلات إلى مضايا، بغرض التسوق، أما اليوم فلا يمكن التعويل على قدرة الناس الشرائية، لأن ظروف الحرب القاهرة جعلت الجميع يعتكفون عن شراء الملابس، إلا في حالة الضرورة القصوى".

يضيف وائل: "قبل الحرب، كانت الناس تشتري معطفاً أو معطفين كل فصل شتاء، اليوم مَن لديه معطف من العام الماضي أو الذي قبله سيرتديه هذا العام، إضافة إلى أن لهذا السوق خصوصية، فمعظم بضائعه تأتي من لبنان، ويُدفع ثمنها بالدولار الأمريكي، وبالتالي على الناس شراؤها بالدولار الأمريكي، أو ما يوازي قيمته، وهذا ليس بمستطاع الجميع".

يزور سامي ب. (57 عاماً)، صاحب أحد معامل الرخام في ريف دمشق، سوق مضايا كل يوم جمعة، بعد قضاء عطلة نهاية أسبوع جميلة في سهل مضايا مع عائلته. يتناول اللحم المشوي على الفحم في مطاعم ومتنزهات "التكية" الشهيرة، وعندما يحين موعد العودة إلى دمشق، يقصد وعائلته سوق مضايا.

في السوق، التقى رصيف22 به، وقال له: "كنّا قبل الحرب نشتري كل حاجياتنا من السوق، أما اليوم، فلم يعد ذلك بالإمكان، رغم أن الدخل الشهري الذي أحصل عليه جيد جداً، لكنه يبقى دخلاً بالليرة السورية، وهنا كل شيء بالدولار الأمريكي".

في الوقت الذي تحصد فيه الضابطة الجمركية غرامات بقيمة 300 مليون ليرة سورية من زيارة سوق واحد في دمشق وريفها، تغيب بشكل كامل عن سوق مضايا، لاعتبارات عدّة منها أنه "لا يمكن ضمان سلامة أي دورية تموينية تجوب سوق مضايا"

ويضيف سامي: "أنفق أنا وعائلتي (5 أشخاص) كل يوم جمعة هنا في مضايا حوالي 500 ألف ليرة سورية (200 دولار)، لقاء وجبة الغداء وشراء بعض المنظفات والعطور ومستحضرات التجميل وأكياس الشوكولا، أما إذا أردنا شراء الثياب أو الأحذية، فيجب مضاعفة هذا المبلغ".

العين بصيرة والجيب معدم

ما ينفقه سامي يوم الجمعة في نزهته وتسوقه، يتقاضاه جلال ز. (49 عاماً) في أربعة أشهر لقاء عمله في شركة صرافة خاصة. يقصد جلال مضايا مع العائلة لزيارة أحد أقربائه، وعن دوافع زيارته لسوق مضايا يقول لرصيف22: "شم ولا تدوق. لا يمكن شراء أي قطعة حلوى من هذا السوق، لكننا اعتدنا على هذا الأمر، فمنذ خمس سنوات ونحن نُشبع حاسة النظر فقط خلال جولات التسوق هنا وفي المجمعات التجارية. حتى الأطفال فقدوا الأمل في طلب شراء أي مفرقعات أو بسكويت في السوق".

لا يشعر جلال بالتذمر تجاه أهل السوق أو قاصديه، ويقول: "كنّا في سنوات الحرب الأولى نشعر بالحسرة عندما ننظر إلى واجهة محل تجاري ونرى سلعة بعيدة المنال، لكن تحوُّل هذه الظاهرة إلى عادة يومية أفقدها وقعها وتأثيرها. صار الأمر اعتيادياً، وما يواسيني أن هذا حال معظم أهل هذا البلد، أما هؤلاء (في إشارة إلى شخص خارج من أحد المحلات ويحمل البضائع) فهم الاستثناء، ولا أحسدهم"، ويختم حديثه بعبارة: "الله يجيرنا من الأعظم".

كما تُقسِّم مدرجات سباق الخيول قاصديها بين متفرج ومضارب، يصنّف هذا السوق زائريه بين متفرج ومشارك، سواء أكانوا متنزهين من خارج مضايا أم من أهلها الذين لا يتعدى عدد المشاركين منهم في تداولات هذا السوق المكلف أصابع اليد الواحدة.

يؤكد محمد ن.، صاحب أحد المحال، لرصيف22: "العائلات الثرية في مضايا لا تتجاوز الخمس عائلات، أما باقي الناس فلا تقترب من أبواب محالنا. حتى نحن أصحاب هذه المحلات لا نستطيع تحمل أعباء استهلاك البضائع المهرّبة".

درب المحظور سالك

كيف دخلت هذه البضائع إلى المحلات؟ أي طفل عمره سبع سنوات في مضايا قادر على الإجابة عن هذا السؤال. بالتهريب من لبنان. لكن ما هي الآلية؟

يهمس عماد ج. (34 عاماً)، وهو أحد أصحاب المحلات: "بالتأكيد ليس عبر حشوها في فرش السيارة، أو داخل فراغات المحرك، فهذه الطرق أصبحت تقليدية. اليوم طريق هذه البضائع مفتوح ومعبّد من لبنان، سواء سلك المهرّب الطريق النظامية (معبر جديدة يابوس) أم سلك طريق الجرود والجبال".

وعند سؤاله عن دور الرقابة والجمارك، يجيب عن السؤال بابتسامة صفراء مفعمة بنشوة النصر، مع عبارة: "الناس بدا تعيش"، في إشارة واضحة إلى أن المهرّب يُدخل البضائع عبر رشوة عناصر الجمارك وحرس الحدود.

أمر واقع تقبّله الرقيب

مضايا وغيرها الكثير من الأسواق الواقعة بالقرب من المناطق الحدودية، كتلكلخ، أعزاز والنيرب، تعيش منذ ما قبل الحرب السورية واقعاً أيقنت السلطات الرقابية صعوبة تغييره، وربما في بعض الأماكن لا يُراد تغييره.

لكن سوق مضايا هو السوق الوحيد الذي انتعش بعد توقف الحرب في معظم أنحاء سوريا، وهو بمنأى عن الرقابة لاعتبارت خاصة، بحسب تصريح مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك السورية رفض ذكر اسمه. ففي الوقت الذي تحصد فيه الضابطة الجمركية غرامات بقيمة 300 مليون ليرة سورية من زيارة سوق واحد في دمشق وريفها، تغيب بشكل كامل عن سوق مضايا، لاعتبارات رفض المصدر الخوض فيها، واكتفى بالقول: "لا يمكن ضمان سلامة أي دورية تموينية تجوب سوق مضايا".

تحفظ الجهات الرقابية ماء وجهها عبر تنظيم بعض الضبوط التموينية بين الحين والآخر في سوق مضايا، ويتم ذلك بـ"التراضي" وبـ"معية" وجهاء السوق. أما المواطنين القاصرين عن تذوّق طيباته، فلا يوجد ما يحفظ ماء وجههم سوى قناعة باطنية بأنهم أصبحوا الأكثرية في هذه البلاد، ولا سبيل لخلاصهم سوى الدعاء بتحسّن الظروف. يمكثون تحت سقف "أساسيات الحياة" المنخفض والذي يواصل الزحف نحو القاع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard