"من شأنها أن تحمي بناتنا مستقبلاً"... تظاهرة صامتة لنساء السويداء تصرخ في وجه جرائم قتلهن

الثلاثاء 24 نوفمبر 202002:39 م

"ما بكفّي تلتغى المواد المتعلقة بقانون ما يسمى بجرائم الشرف، بدنا تطبيق ومحاسبة." هكذا أجابتني بوضوح ومباشرة عُلا حمزة، إحدى المشاركات بحملة "لا شرف في جريمة الشرف"، و "دمّك برقبتنا" عندما سألتها: ماذا عن تظاهرة الخميس في السويداء؟ 

لأن القضية لم تعد تحتمل الشرح والتأويل، لم يعد من الممكن تداولها لبعض الوقت ثم طيّها إلى حين قتل امرأة أخرى بدم بارد. لم يرمِ الصمت بوجه نساء السويداء سوى المزيد من الجثث الهامدة والباردة وغير المأسوف عليها، وبالتالي، وضَع مقتل امرأة ثلاثينية، مطلع شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، على يد أمها وخالها، نهاية لصمت المجتمع في السويداء على الجرائم المرتكبة بحق النساء تحت ما يسمى بـ "جريمة الشرف".

وبعد الجريمة، دعت ناشطات مجتمع مدني إلى تظاهرة صامتة يوم الخميس الماضي 19 تشرين الأول/ نوفمبر 2020، أمام "قصر العدل" في مدينة السويداء تحت شعاري "دمّك برقبتنا" و"لا شرف في جريمة الشرف"، تنديداً باستمرار مقتل نساء على أيدي أقاربهن بذريعة "الشرف"، رغم إلغاء المادة (548) من قانون العقوبات السوري، والمتعلقة بمنح عذر مخفّف لمرتكبي "جرائم الشرف".
وجاء في دعوة الناشطات للتظاهرة الاحتجاجية: "ندعوكم إلى تظاهرة احتجاجية صامتة على قتل تسع ضحايا من النساء، بعد إلغاء العذر المخفف للعقوبة بحجة غسل العار، سنطالب بدم الضحايا، وخاصة التي قتلت بأبشع طريقة ضرباً بالفأس. معاً نطالب بأقصى العقوبات ونحمي مجتمعنا من الغرق في الدم والهمجية، الشرف هو العلو والسمو، والجريمة وجه من وجوه الانحطاط، لا يمكن أن يقترن الشرف بالجريمة".
استمراراً لحديثها عن التظاهرة، قالت عُلا لرصيف22: "نفّذت الناشطات التظاهرة المقررة أمام "قصر العدل" ورفعن اللافتات المطالبة بعدم التهاون مع القتلة، والإسراع بتطبيق القانون علّه يحدّ من العنف الممارس على النساء". مشيرة إلى انضمام النائب العام في "قصر العدل" وبعض المحامين إلى المحتجات والمحتجين للاستماع إلى المطالب، إذ وجهن إليه أسئلة حول الجرائم التي ارتكبت بعد إلغاء مادة العذر المخفف، وما مصير الجناة وما هي الأحكام الصادرة بحقهم، فاقترح تشكيل لجنة لتتابع معهن هذا الموضوع.
دعت ناشطات مجتمع مدني إلى تظاهرة صامتة يوم الخميس الماضي 19 تشرين الأول/ نوفمبر 2020، أمام "قصر العدل" في مدينة السويداء تحت شعاري "دمّك برقبتنا" و"لا شرف في جريمة الشرف"، تنديداً باستمرار مقتل نساء على أيدي أقاربهن بذريعة "الشرف"

تابعت عُلا: "رغم المشاركة المتواضعة بالأعداد فإن المشاركات والمشاركين نزلوا بأسمائهن/هم بدون أي تبعية لحزب أو جهة أو تكتل، والجميع الآن بصدد التحضير للخطوة القادمة من هذا النشاط". 
وفي جولة على مواقع التواصل الاجتماعي بدا واضحاً الانقسام في آراء أهالي السويداء حول هذه المبادرة الأولى من نوعها، إذ لجأ البعض للتقليل من شأن التظاهرة في ظل الأزمة المعيشية التي تشهدها المحافظة، وأشاد آخرون، خاصة من النساء، بأهميتها وأثرها في مجتمع لم يعترض في السابق علناً على مثل هذه الجرائم خوفاً من المجتمع أولاً، ومن الدخول بسجال مع الأجهزة الأمنية ثانياً. 
في ظل الجدل حول التظاهرة بين أهالي السويداء، لم تغب أصوات أبنائها وبناتها في الغربة مساندةً التظاهرة والاحتجاج.

مساندة من اللجوء والغربة

في ظل الجدل حول التظاهرة بين أهالي السويداء، لم تغب أصوات أبنائها وبناتها في الغربة مساندةً التظاهرة والاحتجاج. وفي حديث مع فاديا أبو زيد، صحافية وناشطة اجتماعية ونسوية مقيمة في السعودية، قالت لرصيف22: "ما قام به شباب وشابات السويداء خطوة مهمة ومطلوبة وتدخل ضمن الحراك السلمي المطلبي، الذي يحتج ويعلن رفضه لقتل النساء بحجة الدفاع عن "الشرف"، بعد أن سجلت "جرائم الشرف" في السويداء نسبة عالية خطيرة في الأشهر الماضية دفعت المجتمع الأهلي المستقل للخروج والاحتجاج، رغم الحالة الأمنية القاهرة التي تعيشها سوريا، والتي تجعل من النساء الحلقة الأضعف في البنية المجتمعية التي تؤيد قتل النساء".

وتابعت فاديا: "هذه البنية مدعومة بالبنية القانونية للدولة التي ساندت الموروث السوري من خلال إطباق الخناق على حياة المرأة عبر حزمة مواد قوانين "جرائم الشرف" التي تنتمي إلى قانون العقوبات السوري، الذي يحمي القاتل ويستهين بدم النساء الضحايا الدائمات لهذه القوانين منذ بداية تأسيس الجمهورية الأولى. فهي مواد مأخوذة من القوانين الفرنسية، المأخوذة بدورها من الدولة العثمانية، وقد ألغتها فرنسا في عام 1973 لكنها ما زالت جاثمة فوق صدور السوريين، والمرأة السورية".

وأضافت: "التعديل الأخير بإلغاء المادة (548) من قانون العقوبات، والتي تحمي القاتل بالعذر المخفف، ليس كافياً. فمواد كثيرة في القانون السوري ما زالت تعطل هذه المادة وتحمي القاتل. ولم تشهد المحاكم السورية إلى اليوم محاكمة لقاتل اتهمته المحكمة بالقتل العمد. نقول جريمة قتل عمد لأن عمليات قتل النساء بنسبة كبيرة جداً لا تحدث نتيجة غضب بسبب المفاجأة بـ "ارتكاب الزنى أو الجنس المحرم" –أساس مواد جرائم الشرف- ولكن تأتي غالباً بعد تخطيط من قبل الرجل في العائلة: أخ أو أب، بموافقة أفراد العائلة أو بالتخطيط معهم".

قالتها نساء السويداء بوضوح: "قُتلت لأنها امرأة... قَتَلها لأنّهُ مجرم".

وختمت فاديا: "قد لا تنتهي "جرائم الشرف" بإلغاء قوانين معينة متعلقة بها، لأن قتل النساء عادة موروثة في الكثير من الدول العربية التي ما زالت تناضل للانتقال إلى حالة الدولة. فالأنظمة المتعاقبة بعد الاستقلال لم تسمح لبلداننا بالتخلص من بنيتها العشائرية والعائلية، والقبلية، وقتل النساء جزء من هذه البنية الماضوية التي منعت الأفراد من الانتقال إلى مرتبة /مواطن محميّ ومواطنة محمية بقوانين الدولة، وليس مهددة بقوانين الدولة العشائرية. فالبداية من القانون دائماً".

الحرب فجّرت ميولاً عنيفة

أما سالم ناصيف، وهو صحافي مقيم في فرنسا، فيقول لرصيف22: "العديد من جرائم العنف الأسري، ومنها ما يسمى "جرائم الشرف"، تجري دون أن نعلم بها، فما يظهر للعلن هو الجزء الأقل من تلك الجرائم، وغالباً يُعدّ القتل بدوافع ذكورية حالات انتحار وتتواطأ الأجهزة المختصة والقضائية مع مرتكبيها".

ويضيف: "الحرب فجّرت لدى المجتمعات ميلها للعنف، وزاد في نسبته غياب المحاسبة القضائية وتواطؤ القوانين مع معظم الجرائم بالاستناد إلى أسباب تخفيفية، لذلك لن يكون هناك حلّ أو رادع لتلك الجرائم ومرتكبيها ما لم يكن هناك إصلاح قانوني كامل يشمل قانون الأحوال الشخصية ويمنح المرأة حصانة قانونية كما يجري في الدول التي تحترم أفرادها بغض النظر عن الجندر (النوع الاجتماعي)، والدين والعرق، وإلخ".

ويتابع سالم: "الاحتجاج ضد ما يسمى "جرائم الشرف" هو الوجه الحضاري والنقطة المنيرة في هذا الواقع البشع، واقعٌ باتت معظم العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فيه تشجع على الإجرام الذي غدا حدثاً اعتيادياً ينهش في التكوين الأخلاقي لتلك المجتمعات ولا يترك لها سوى قبحها".

يرى سالم أيضاً أن جميع المناطق السورية تحتاج إلى تنسيق تظاهرات احتجاجية وحملات شبيهة بتظاهرات السويداء، مشيراً إلى أن تُقتل امرأة في السويداء بمطرقة وتسعى أمها وخالها لإخفاء جثمانها هو العار، ويختم حديثه: "القتل هو العار. الشابات والشبان الذين خرجوا وقالوا "لا لجرائم الشرف في السويداء" هن/م الشرف هن/م كرامة السويداء وحبل نجاة القيم النبيلة في المستقبل".

في حديث لرصيف22 عن التظاهرة مع سارة هنيدي، كاتبة وناشطة حقوقية وجندرية مقيمة في الولايات المتحدة الأمريكية، قالت: "التظاهرة  شجاعة جداً في مجتمع يتم التطبيع فيه مع القاتل بحجة الشرف، وتأتي أهميتها من كسر هذا التطبيع وإعلان رفض هذه الجرائم غير المبررة، علناً. هذه التظاهرات من شأنها أن تحمي بناتنا مستقبلاً من أن يكنّ ضحايا هذا النوع من الجرائم. فخورة جداً بصبايا مدينتي وبقدرتهن على خوض معركتهن الخاصة وسط الحروب اليومية التي يعشنها، وبدي قلن إنتوا مش لحالكن".

تسع ضحايا من النساء قضين بين عامي 2019 و2020 في السويداء، منهن ديانا أبوحسون، ابنة السادسة عشرة التي قُتلت برصاص والدها إثر "نوبة غضب" أصابته بعد علمه بأنها تغيّبت عن المدرسة. أخريات قُتلن على أيدي أفراد من العائلة وتناقلت مواقع الأخبار أسماءهن على النحو التالي: "أمل. ز، ناديا الجمال، عبير أ.خ، امرأة ثلاثينية، امرأة أربعينية مطلّقة، ثلاثينية أرملة".
"التظاهرة  شجاعة جداً في مجتمع يتم التطبيع فيه مع القاتل بحجة الشرف، وتأتي أهميتها من كسر هذا التطبيع وإعلان رفض هذه الجرائم غير المبررة، علناً"


تظاهرة أمام كل بيت

السويداء ليست إلّا مثالاً على ما تتعرض له النساء في عموم سوريا، حيث تقدّر منظمات حقوقية وإعلامية أعداد الجرائم التي ترتكب بدافع ما يسمى "الشرف" من 200 لـ 300 سنوياً. كيف لا ومواد كثيرة في قانون العقوبات السوري تبيح مختلف أشكال العنف والتمييز ضد النساء، وعلى الرغم من إلغاء المادة 548، لا يلغي هذا مسؤولية القانون عن جرائم مقتل سوريات، لا مجال لتعدادهن، فمظلة المواد التمييزية بحق النساء جنّبت مرتكبي تلك الجرائم المحاكمات العادلة وجعلت الكلمة الفصل في حياة النساء للعرف الاجتماعي.
على الرغم من أن تظاهرة شابات السويداء وشبابها كانت صامتة توصيفاً، لكنها مدوّية الأثر، وقفتهن ليست أمام "قصر العدل" فحسب، هي تظاهرة أمام كل بيت، وأمام كل أم وأب وأخ، تظاهرة انتصرت لكل ضحية ذهبت ولم نسمع عنها، لكل ضحية ذهبت ولم نعرف سوى الحرف الأول من اسمها، لكل ضحية ذهبت ولم تحظ حتى بوداع لائق.
قالتها نساء السويداء بوضوح: "قُتلت لأنها امرأة... قَتَلها لأنّهُ مجرم".
***

*صورة الغلاف للفنانة السورية مروة مزهر

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard