"لعبة مكررة وسمجة"... لماذا يقاطع كويتيون الانتخابات التشريعية وماذا يريدون؟

الأربعاء 25 نوفمبر 202001:13 م

في أجواء مختلفة هذه المرة، تستعد الكويت للانتخابات التشريعية مطلع كانون الأول/ ديسمبر المقبل. لا مقار انتخابية وولائم للناخبين ولا دعايات انتخابية تكلف أموالاً طائلة، بل تواصل إلكتروني بحت تفرضه جائحة كورونا.

وسط هذه الأجواء، أطلقت كتل سياسية عدة حملةً لمقاطعة الانتخابات، تحت وسم #مقاطعون_لأجل_الوطن، علماً أنها ليست المرة الأولى التي تقاطع فيها كتل انتخابات البرلمان، إذ حدث ذلك وقت انتخابات عام 2012، بعد حل البرلمان من قبل المحكمة الدستورية وتغيير القانون الانتخابي إلى نظام الصوت الواحد.

لماذا انطلقت الدعوات للمقاطعة؟

"تجري الانتخابات وفق نظام الصوت الواحد ذاته الذي يعاني منه المسار الديمقراطي منذ سنوات، فالنظام الانتخابي السابق كان أكثر شمولية، بمعنى أنه لم يكن يفرق بين أطياف المجتمع ويحض على التعاون، ثم أتى النظام الجديد من السلطة لكبح جماح المطالبات الإصلاحية والديمقراطية، وكي يسمح للسلطة التنفيذية بالعمل دون عرقلة من المجلس"، يعلق الصحافي ورئيس تحرير موقع "منشور" جاسم القامس.

ويضيف القامس موضحاً في حديثه لرصيف22: "الحكومة إلى الآن غير قادرة على العمل والإنجاز، بينما المجلس بلا مخالب وهو ما يبين أن المشكلة الحقيقية ليست فيه".

بموازاة ذلك، يشير القامس إلى أن "الانتخابات تأتي في أعقاب مجلس أثار سخط الجمهور بشكل عام، لكنها أول انتخابات في ′العهد الجديد′ للأمير نواف الأحمد وولي العهد مشعل الاحمد، وقد يكون هناك ترقب للمسارات السياسية مع البرلمان المقبل".


مع ذلك، يستبعد القامس أن يكون المجلس المقبل مختلفاً عن سابقه، إذ "قد تتغير الوجوه، إلا أن طبيعتها وطبيعة التعاطي السياسي بين الحكومة والمجلس قد لا تختلفان كثيراً".

وتُبيّن الناشطة الحقوقية هديل بوقريص، من جهتها، أن الدعوات لمقاطعة الانتخابات اليوم تأتي بعد إبطال عدة مجالس ورفض السياسات الانتخابية والمطالبة بالشفافية في التصويت ومحاربة الفساد، ما صنع أرضية خصبة لجذب الشباب نحو المقاطعة، كما أن هجرة رموز المعارضة وعدم فتح ملف الحوار والمصالحة الوطنية ساهما بشكل كبير في الاستمرار بالمقاطعة السياسية إلى أن يتم تبني الإصلاح الفعلي في تلك الملفات، حسب حديثها لرصيف22.

حول مسألة المقاطعة، يقول رئيس المنتدى الخليجي لمنظمات المجتمع المدني ورئيس الحركة الليبرالية الكويتية أنور الرشيد لرصيف22: "بعد تجربة ديمقراطية بدأت منذ ستين عاماً، شهدت 15 فصلاً تشريعياً، لا زلنا عاجزين كشعب عن تحقيق أدنى مستويات المشاركة في السلطة والثروة، ناهيك عما نشهده من مشكلة شراء الأصوات، والخلل في توزيع الدوائر الانتخابية، فضلاً عن إغلاق الخدمات العامة في وجه المواطنين كي يبقى الناخب مرتبطاً بمرشح ما لتسيير معاملاته، بالإضافة إلي الانتخابات القبلية التي فتّتت المجتمع إلى قبائل، ويعجز القانون عن تجريمها لثغرات فيه".

في أجواء مختلفة هذه المرة، تستعد الكويت للانتخابات التشريعية مطلع كانون الأول/ ديسمبر المقبل... لا مقار انتخابية وولائم للناخبين ولا دعايات انتخابية تكلف أموالاً طائلة، وسط دعوات واسعة للمقاطعة منها مرتبط بالقانون ومنها بممارسات سابقة

يُذكّر الرشيد أن محاولات عدة بدأت منذ عام 2000 لتصحيح الخلل في الممارسة الديمقراطية التي احتكرتها الحكومة طوال هذه السنوات، والتي غالباً ما تحدد نوع الانتخابات وقانونها، ناهيك عن تجارب سابقة في تزوير الانتخابات وحل البرلمان وتعليق الحياة السياسية، وهي جميعها إجراءات مخالفة للدستور.

استناداً إلى ما سبق، يعتبر الرشيد المشاركة في الانتخابات المقبلة بمثابة إعطاء شرعية لقوى الفساد لأن هناك من يتحكم في العملية الانتخابية ويتحكم في مخرجاتها، قائلاً: "إزاء كل هذه المآخذ والملاحظات، ارتأينا أن تكون لنا وقفة جادة، فأطلقنا الحملة الوطنية لمقاطعة الانتخابات، وسنستثمر هذا الوقت في توعية المجتمع بكل هذه المخاطر والممارسات غير المقبولة دستورياً وديمقراطياً".

تعلق المستشارة والمدربة الدولية في مكافحة غسل الأموال والجرائم المالية الكويتية هدى العنزي بالقول: "العملية الانتخابية من وجهة نظري غير منظمة وغير مرصودة، ولا تتم مراقبة الأموال التي تضخ فيها، كما كشفت السلطات مطلع العام الحالي عن قضايا غسيل أموال وفساد كبيرة، لا نعرف حتى الآن مصيرها، كما أن المال السياسي لا يزال موجوداً ولا خطوات أو إجراءات ضده".

وبينما تشير العنزي إلى أنها "غير متفائلة بتغيير كبير في المجلس القادم، بسبب الوسائل ذاتها وطريقة التفكير ذاتها"، تقول: "المجالس السابقة لم تلبِّ طموحنا، وأصبح الموضوع مكشوفاً، لأننا كنا نوصل أشخاصاً للمجلس ونتكل على أنهم يشعرون بالمواطن ومشكلاته، لكننا نراهم يصلون فيصبحون وسطاء للفساد".

وتختم كلامها بالتعليق: "كل ما أنجزته الانتخابات هي أنها أدخلت إلى المجلس مرشحين بسطاء أصبحوا من أصحاب الملايين".

أما عبد الله الخنيني، وهو باحث أكاديمي وشريك مؤسس لـ"راقب50"، وهو مرصد إلكتروني لمتابعة أداء أعضاء مجلس الأمة المنتخبين والوزراء المعنيين، فله وجهة نظر أخرى حول الانتخابات التشريعية لهذا العام.

يقول الخنيني: "تختلف هذه الانتخابات لسببين، الأول هو إكمال المجلس مدته الدستورية (أربع سنوات) منذ مجلس 1999-2003، أما السبب الثاني فهو أن هذه الانتخابات تأتي خلال جائحة كورونا ومنع إقامة المقرات الانتخابية والدواوين التي تكون عادة محوراً أساسياً في فترة الانتخابات لتبادل الآراء والنقاشات، والتي انتقلت للفضاء الإلكتروني عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي".

في هذا السياق، يلاحظ الخنيني وجود توجه شبابي لمناقشة المرشحين في هذه الانتخابات أكثر من أي وقت مضى، فـ"هناك أكثر من تسع جهات شبابية (منصات، وتجمعات وحملات) تشارك خلال هذه الانتخابات عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي من خلال نقاشات مع المرشحين، أو تسجيل وعود المرشحين في حال وصولهم للبرلمان لتقديم بعض الاقتراحات بقوانين أو التركيز على مواضيع معينة، ونشر بيانات النواب السابقين ومواقفهم خلال البرلمانات الماضية".

بدورها، تقول الناشطة الإنسانية أروى الوقيان إن "الانتخابات المقبلة في ظروف الكورونا تأتي مختلفة لتخوف البعض من المشاركة ولرغبة آخرين بالتغيير بسبب الإحباط العام، لذلك ستشكل تحدياً كبيراً للمرشحين أكثر منها للناخبين".

الملاحظات على العمل البرلماني

لدى بوقريص العديد من الملاحظات على العمل البرلماني، ومنها أن "المجالس النيابية جميعها متشابهة إذ لا توجد استقلالية تامة لصناعة قرار مختلف عن التوجه الحكومي"، مشيرة إلى بعض أبرز الملفات الإنسانية العالقة لسنوات دون وضعها مجدداً على طاولة الحل، كقضية الحق في الجنسية التي سُحبت من كويتيين دون محاكمة أو أمر قضائي ولم يتم تداول ملفهم نيابياً رغم مرور 39 عاماً.

التجربة مع البرلمان ليست مشجعة لكثير من الكويتيين، ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تدعو كتل سياسية عدة للمقاطعة، مستحضرة مشاكل كقانون الانتخابات وسيطرة السلطة التنفيذية، فيما يطالب آخرون بمزيد من الشفافية والحريات والحلول لقضايا حقوق الإنسان العالقة

وتخشى بوقريص من وصول بعض المرشحين الحاليين والذين يمثلون تيارات تتبنى الخطاب العنصري والإقصائي ضد العمالة المهاجرة أو الكويتيين البدون ولديهم قواعدهم الشعبية والدعم السياسي الكافي لإيصالهم للبرلمان،"ما قد يعيدنا إلى نقطة الصفر في معركتنا الإنسانية وهذا هو الملف الثقيل".

وتعيب بوقريص على الانتخابات المقبلة شطب بعض المرشحين الذين يمثلون التيار المعارض، وهو "ما يتعارض مع حقهم في المشاركة بالشأن السياسي والعام، وما يقدم صورة مبدئية عن شكل المجلس القادم الذي يرجح الكفة الموالية للحكومة".

ماذا يريد الكويتيون من البرلمان؟

رغم كل هذه المآخذ على النظام الانتخابي والانتخابات المقبلة، إلا أن الكويتيين لهم مطالب ينتظرون البرلمان أن يحققها لهم.

حول هذه المطالب، يقول الخنيني: "الشعب يريد الكثير، وخصوصاً في مجالي حرية التعبير والمشاركة السياسية، فهناك مطالبات عدة لإعادة النظر وتعديل القوانين الخاصة بالتعبير عن الرأي مثل قانون الجرائم الإلكترونية وقوانين المرئي والمسموع والمطبوع. وكذلك، في مجال المشاركة السياسية وتعديل قانون الانتخاب الحالي (الصوت الواحد) الذي ساهم في تفكيك العمل السياسي الجماعي وقلل من الأداء البرلماني من الناحيتين التشريعية والرقابية، بالإضافة إلى قضايا مثل الفساد الإداري والسياسي، وإعادة النظر في اقتصاديات البلد، ومحاربة العنصرية التي لا تزال موجودة على الساحتين السياسية والاجتماعية، وتحديداً خلال السنوات العشر الأخيرة". 

ويؤكد الخنيني على أهمية طرح موضوع البدون في البرلمان، إذ "تمت محاولة التصدي من قبل جمعيات النفع العام ومجاميع الضغط ضد الخطاب العنصري الذي تواجهه هذه الفئة الاجتماعية المسلوبة من حقها في المواطنة والجنسية والعدالة الاجتماعية، إلا أن الموضوع لا يزال معلقاً سياسياً بلا رؤية سليمة تستند الى أسس عادلة وواضحة، مثل الفصل بين السلطات في قضية البدون والسماح بالتقاضي أمام المحكمة".

"لا أريد شيئاً ولا أنتظر منه شيئاً، فقد أصبح البرلمان الكويتي شكل نفاخر به أمام العالم لكنه حتماً خاضع لسيطرة الحكومة أكثر من أي وقت مضى". 

أما الوقيان فتقول: "أريد أن أرى المزيد من الوجوه النسائية والدماء الجديدة التي تطالب بمزيد من الحريات والانفتاح في البلاد، كما أتمنى أن يسقط المرشحون الذين ضيّقوا الحريات على الشعب في السنوات الماضية".

ولم يُبد القامس تفاؤلاً: "لا أريد شيئاً ولا أنتظر منه شيئاً، فقد أصبح البرلمان الكويتي شكلاً نُفاخر به أمام العالم، لكنه حتماً خاضع لسيطرة الحكومة أكثر من أي وقت مضى. ما أريده هو حكومة قادرة على إدارة البلد وحل مشاكله، لا أريدها حكومة عبقرية بل تواكب تفكيري كمواطن على الأقل، أما البرلمان  فلا أنتظر منه شيئاً وأرفض أن أشارك في هذه اللعبة المكررة والسمجة".

ويطالب الرشيد أن "يكون هناك قانون للأحزاب السياسية وفق مبادئ مدنية وديمقراطية لا طائفية أو قبلية، ويتم تعديل قانون الانتخاب، وإيجاد هيئة عليا للانتخابات مستقلة بشكل تام عن أي سلطة من السلطات التشريعية أو التنفيذية".

بدورها، تلخص بوقريص المطالب من المجلس المقبل في عدة نقاط، ومنها "الحل الجذري والعادل لقضية الكويتيين البدون، دون تمييز على أساس الهوية العرقية أو المذهبية، وإعادة الجنسيات المسقطة لمن أسقطت عنهم الجنسية قبل الغزو العراقي لأسباب سياسية وكذلك في فترة قيام المعارضة الكويتية بعد عام 2011، والمصالحة الوطنية وعودة المهجرين لأسباب سياسية".

وتضيف نقاط أخرى كـ"إقرار القوانين التي من شأنها صنع المساواة التي نص عليها الدستور بين الجنسين، والتصديق على الاتفاقيات المعنية بحقوق الإنسان ومواءمة القوانين المحلية معها، وإقرار قانون مخاصمة القضاء، وفصل الطب الشرعي الجنائي عن وزارة الداخلية ليكون تحت إمرة وزارة الصحة، ومراقبة مراكز الاحتجاز والتوقيف والتحقيق والمباحث الجنائية وأمن الدولة ومباحث الهجرة، وتدريب رجال الشرطة على الاتفاقيات المعنية بحقوق الإنسان وحقوق الموقوفين والسجناء".

أما العنزي فتقول: "نريد مجلساً يكافح الفساد فعلاً وليس قولاً، فهذا الشعار من أكثر الشعارات المرفوعة من قِبل المرشحين، وعدد كبير منهم كانوا أعضاء مجلس الأمة ويعيدون ترشيح أنفسهم، فلماذا لم يكافحوا الفساد عندما كانوا في البرلمان؟".

وتتابع: "أريد وجوهاً جديدة معروفة بنزاهتها، تعيد لنا الثقة في أن الدولة ستحارب الفساد، وتعمل بمبدأ تكافؤ الفرص، وهذا شيء غير موجود حالياً، فاليوم قرارنا مختطف ونحن نريد أن نشعر بالأمان، كما أريد كمواطنة كويتية امرأة أن يتم التعامل معي كما يُعامل الرجل في الحقوق والواجبات التي نص عليها الدستور".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard