الإسلام القنصلي في فرنسا... كيف تسيطر دول إسلامية وعربية على جالياتها؟

الأحد 22 نوفمبر 202001:19 م

داخل قصر الإليزيه، وأمام عدسات المصورين، جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر، حوله أعضاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، الهيئة الأعلى تمثيلاً للمسلمين في البلاد، وطلب منهم أن يضعوا في غضون 15 يوماً "ميثاقاً للقيم الجمهورية".

هذا الميثاق من المفترض أن يتضمن تأكيداً على الاعتراف بقيم الجمهورية، وأن يحدّد أن الإسلام في فرنسا هو دين وليس حركة سياسية، وأن ينص على إنهاء تدخل أي دولة أجنبية أو الانتماء إليها. لكن المفارقة الطريفة تكمن في طلب الرئيس الفرنسي من أعضاء مجلس مفرّقي الولاء، يمثّلون دولاً ومنظمات سياسية عابرة للقوميات، أن يلتزموا بميثاق "ينهي التدخل أو الانتماء لدول أجنبية" وكأنه يقول لهم: عليكم إنهاء وجود هذا المجلس.

في شباط/ فبراير الماضي، وقف ماكرون خطيباً في مدينة ميلوز، شرق البلاد، معلناً أنه سيفرض قيوداً على إيفاد دول أجنبية أئمة ومعلمين إلى فرنسا، وذلك بهدف القضاء على ما وصفه بخطر "الانفصالية". لم يكن أحد حتى ذلك الوقت يعتقد أن فرنسا جادة في كسر نظام مقايضة دينية عمره أكثر من أربعة عقود، دأبت على تطبيقه مع مستعمراتها القديمة في الشمال الإفريقي وتركيا.

ماكرون قال حينذاك إنه سينهي بالتدريج نظاماً ترسل بموجبه الجزائر والمغرب وتركيا أئمة إلى فرنسا للوعظ في مساجدها، من أجل كبح النفوذ الأجنبي والتأكد من احترام الجميع لقوانين الجمهورية. ثم أخذت الأمور طابعاً تصاعدياً بعد أن أودعت حكومة جان كاستيكس في أيلول/ سبتمبر الماضي في مكتب البرلمان، مشروع قانون لمناهضة ما أسمته بـ"النزعات الانفصالية"، يهدف إلى منع "مجموعات معيّنة من الانغلاق ضمن مظاهر عرقية أو دينية".

تشير فصول القانون بوضوح إلى الإسلام والحالة الإسلامية الحركية داخل فرنسا. وفي جانب كبير منها تسعى إلى بناء إسلام فرنسي بعيداً عن حالة "الإسلام القنصلي" السائدة منذ عقود.

ولأن القوانين العلمانية الفرنسية تمنع الدولة من التدخل في شؤون الأديان أو إدارة أماكن العبادة، مالياً وإدارياً، فقد خضعت المساجد منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي إلى قانون الجمعيات، الذي يخوّل للفرنسيين والأجانب على حد سواء تكوين جمعيات دينية تدير أماكن العبادة وتموّلها بالتبرعات أو من خلال التمويل الأجنبي.

ما هو الإسلام القنصلي؟

العوائق القانونية الصارمة التي تقف بين الدولة الفرنسية والمؤسسات الدينية شكلت مدخلاً للعديد من الدول العربية والمسلمة للتدخل في إدارة شؤون الجاليات المسلمة في الداخل الفرنسي، وحتى في دول أوروبية أخرى كألمانيا مثلاً.

ومارست هذه الدول سيطرة قوية على الإسلام الأوروبي منذ وصول المهاجرين الأوائل بأعداد كبيرة مطلع الخمسينيات، بينما استفادت الدول الأوروبية لفترة طويلة من هذا الوضع الذي جنّبها التدخل في إدارة الإسلام وتنظيمه. ويرجع ذلك جزئياً إلى استمرار النظر إلى العمال المهاجرين الذين وُطّنوا في فرنسا، كوضع مؤقت، حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي.

هكذا، وعلى مدى عقود، كانت مصالح الدول المضيفة والدول الأصلية متوافقة نسبياً. واعتُبر وجود العمال المهاجرين المسلمين مؤقتاً، ولذلك كان يُنظَر إلى الإسلام على أنه واقع خارجي. وهكذا تجنبت البلدان المضيفة الدخول في القضية الشائكة المتمثلة في بحث وضع الإسلام في المجتمعات الأوروبية.

وعندما تبيّن أن وجود هؤلاء المهاجرين المسلمين مستدام، اعتمدت الدولة الفرنسية سياسة عملية شجعت الشبكات القنصلية على تجنيد الأئمة وإدارة المساجد الكبيرة في مدينتيْ باريس وليون.

وكانت للدول الأجنبية مصلحة أكيدة في إدارة الإسلام عن بعد في فرنسا، لأن ذلك وسيلة للسيطرة على هؤلاء المهاجرين باعتبارهم مواطنين خرجوا من دائرة مجتمع المراقبة المفروض في دولهم. وهكذا، حتى نهاية السبعينيات، وضع الفرنسيون سياسات مصممة لخدمة مصالحهم ومصالح دول المغادرة الرئيسية الثلاث: الجزائر والمغرب وتركيا.

لكن بقاء هؤلاء العمال في فرنسا، خاصة مع قدوم الإدارة الاشتراكية للرئيس فرانسوا ميتران، بداية الثمانينيات وتصاعد نسق عمليات لمّ الشمل العائلي، أدى إلى بروز أحياء كبيرة تضم أغلبية مسلمة مغاربية وتركية، في ما سيُعرف لاحقاً بإسلام "الضواحي".

تحوّل الإسلام من "واقع خارجي مؤقت" إلى واقع داخلي دائم. وعند ذلك، لم تحاول الدولة الفرنسية خلق برنامج إدماج يراعي هذا الوضع، بل استنجدت بدول المهاجرين الأصلية لحلّ المعضلة، ووقّعت اتفاقيات مع المغرب والجزائر وتركيا يتم بموجبها "توريد" أئمة للمساجد التي يرتادها أبناء جاليات هذه الدول.

في شباط/ فبراير الماضي، أعلن ماكرون أنه سيفرض قيوداً على إيفاد دول أجنبية أئمة ومعلمين إلى فرنسا، وذلك بهدف القضاء على ما وصفه بخطر "الانفصالية". لم يكن أحد حتى ذلك الوقت يعتقد أن فرنسا جادة في كسر نظام مقايضة دينية عمره أكثر من أربعة عقود

كما أطلقت الدولة الفرنسية برنامجImams-ELCO" " منذ عام 1975 لتعليم اللغات والثقافات الأصلية، تسمح للأطفال من أصل أجنبي بتعلّم لغة بلدهم الأصلي. وتشارك دول المنشأ في البرنامج عبر اختيار المدرّسين ودفع أجورهم، وهم موظفون مدنيون منتدَبون لتحديد مضمون ما يتعلّمه الأطفال، بينما تمنح وزارة الخارجية الفرنسية تأشيرات إقامة.

هؤلاء المعلمون المعارون من بلدان المنشأ لمدة أربع سنوات هم في غالبيتهم الساحقة من ذوي التكوين الديني، باستثناء القادمين من تونس، إذ يتمتع الأئمة بمركز موظف مدني في الجزائر وتركيا.

وتشير تقديرات نشرها معهد مونتني إلى أن حوالي 64 ألف طالب من أصل جزائري ومغربي وتونسي وتركي شاركوا في هذه البرامج التي تشرف عليها وزارة التعليم الفرنسية، بين عامي 1984 و1992.

كان الفرنسيون يعتقدون أن توكيل رعاية شؤون المسلمين إلى الدول التي جاؤوا منها، وخاصة عملية جلب أئمة المساجد منها، ستكون ضمانة أمنية هامةً في مواجهة إمكانية تسرّب أئمة يحملون فكراً متطرفاً. في المقابل، استحسنت هذه الدول السياسة الفرنسية لمزيد من إحكام سيطرتها على مواطنيها في الخارج، ومنعهم من التماهي مع الجماعات الإسلامية التي كانت ناشطة بقوة على الساحة الأوروبية، وهي أغلبها جماعات محلية معارضة وجدت في فرنسا وفي دول أخرى منفى لها، كحركة النهضة التونسية والجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية وميللي غوروش (الرؤية الوطنية) التركية بزعامة نجم الدين أربكان.

بجانب كل هذا، يوجد نوع آخر من الإسلام القنصلي لا يقوم على علاقات رسمية بين الدولة الفرنسية ومستعمراتها القديمة بل ينبع من سياسات دول عربية وإسلامية لنشر إيديولوجيات وسرديات دينية في فرنسا اعتماداً على شبكات المنظمات الإسلامية الحركية، كالسعودية وقطر وإيران. ولعبت الشبكات الإسلامية الإخوانية والسلفية دوراً واسعاً منذ الثمانيينات في التوسع ونشر أفكار الإسلام السياسي من خلال الدعم السعودي والقطري والخليجي بصفة عامة، وكذلك الجمعيات الرسالية والجعفرية المدعومة بشكل غير مباشر من إيران.

خارطة القوى القنصلية

تُعتبر الجزائر، لاعتبارات تتعلق بثقل جاليتها وروابطها الجدلية بالدولة الفرنسية، اللاعب التاريخي الأبرز في الساحة الإسلامية الفرنسية منذ عقود. ففي فرنسا، يقيم نحو نصف المواطنين الجزائريين المقيمين في الخارج، كما أن حوالي 1.5 مليون مسلم في فرنسا هم جزائريون أو من أصل جزائري.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الدولة الجزائرية لم تبدأ بتقديم تمويل ديني لمسلمي في فرنسا إلا في عام 1982، عندما استولت على الجامع الكبير في باريس، وشكلت حوله شبكة من الجمعيات الدينية والمساجد. وتشير تقديرات نشرها معهد مونتيني عام 2016 إلى أن جامع باريس الكبير يدير شبكة من حوالي 250 جمعية ومسجداً ويوظف حوالي 150 إماماً، أي حوالي 10% من الأئمة في فرنسا، وغالبيتهم يتلقون رواتبهم من الجزائر، ولديه معهد لتدريب الأئمة تحت اسم "معهد الإمام الغزالي".

العوائق القانونية الصارمة التي تقف بين الدولة الفرنسية والمؤسسات الدينية شكلت مدخلاً للعديد من الدول العربية والمسلمة للتدخل في إدارة شؤون الجاليات المسلمة في الداخل الفرنسي، وحتى في دول أوروبية أخرى كألمانيا مثلاً

مع ذلك، فإن النفوذ الرسمي الجزائري على الجالية والمسلمين الفرنسين ليس قوياً. فالجامع الكبير، على الرغم من قوته الرمزية، يلعب دوراً هامشياً في الإسلام الفرنسي، إذ تحوّل إلى مؤسسة شديدة الرسمية ذات ولاء سياسي واضح، ويفتقد البعد الشعبي الجامع الذي كان يحظى به منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي.

وبحسب تقديرات معهد مونتيني لعام 2016، انخفضت مشاركة الجزائر في تمويل النشاط الإسلامي في فرنسا إلى نحو مليوني يورو سنوياً، مقارنة بأربعة ملايين يورو في عام 2011، وحوالي ستة ملايين للمغرب.

باكراً، اهتم المغرب بتأطير جالياته الأوروبية لأسباب اقتصادية، إذ تقوم مؤسسة الحسن الثاني، منذ إنشائها عام 1990، بالتنسيق الوثيق مع وزارة المغاربة المقيمين في الخارج ووزارة الشؤون الدينية، بنشر الثقافة المغربية. وبميزانية سنوية من 15 إلى 20 مليون دولار، ترسل هذه المنظمة أئمة إلى أوروبا وتموّل الجمعيات الدينية المغربية.

ولاحقاً، مع تصاعد الإسلاموية في الداخل، صار المغرب أكثر حرصاً على السيطرة على شبكات الجالية المغربية وخاصة في فرنسا. فقام بدعم تأسيس الفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا، وهي منظمة تضم مئات الجمعيات والمساجد المغربية، على الرغم من أنها تأسست في البداية من مجموعة من الفاعلين في الوسط الإسلامي المعترضين على السيطرة الجزائرية على جامع باريس الكبير.

وعلى هامش الصراع الجزائري-المغربي، يظهر فاعل آخر لا يقل أهمية على خارطة الإسلام القنصلي، هو الفاعل التركي. تقدَّر أعداد أبناء الجالية التركية في فرنسا، بمَن فيهم الفرنسيون المتحدرون من أصل تركي، بحوالي 700 ألف شخص، يتركز وجودهم في منطقة الشرق وتحديداً في مدن سترازبورغ ومولوز، وهم امتداد للوجود التركي في ألمانيا وكذلك في الحوض الباريسي.

تدير الجالية التركية الكبيرة نحو 350 مسجداً من أصل 2500 مسجد في عموم فرنسا، كما تقوم رئاسة الشؤون الدينية التركية المعروفة اختصاراً بـ"ديانات" بتوظيف 151 إماماً تركياً في هذه المساجد وتدفع أجورهم مباشرة من تركيا، كما يتلقون تدريباً وتعليماً في مدارس دينية تركية.

وتتوزع المؤسسات التركية بين منظمتيين ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بالدولة التركية والحزب الحاكم: اللجنة التنسيقية لمسلمي تركيا في فرنسا، وتسمى أيضاً الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية، وهي منظمة تابعة إدارياً ومالياً للدولة التركية، وهي الفرع الفرنسي لرئاسة الشؤون الدينية التركية؛ وحركة "ميللي غوروش" التي تأسست في الستينيات لتجمع شمل الحركات والأفراد الأتراك المنتمين لتيار الإسلام السياسي في الغرب، بتوجيه من نجم الدين أربكان، ولديها حوالي 100 ألف عضو ناشط في القارة الأوروبية وتشرف على نحو 300 جمعية في فرنسا.

بدائل غامضة

منذ تسعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية، بدأت العديد من الأصوات الفرنسية بالدعوة إلى محاولة تشكيل "إسلام فرنسي" لا تتدخل في إدارة شؤونه الدول الأصلية للمهاجرين، بعد تشكّل جيل من المسلمين الفرنسيين الذين وُلدوا في فرنسا وليست لهم روابط قوية بالدول التي جاء منها آباؤهم، ولا تتدخّل فيه الجماعات الإسلامية الناشطة على الساحة الفرنسية والتي تحمل برامج سياسية.

في المقابل، كان "ملف الإسلام" في فرنسا دائماً بيد وزارة الداخلية. وتقول الصحافية ناتالي دول، مؤلفة كتاب "الإسلام الفرنسي سيكون ليبرالياً"، إن الهاجس الأمني دفع بالسلطات العامة إلى إيجاد سبل للإشراف على تنظيم الإسلام. فمن الثورة الإيرانية عام 1979 إلى اعتداءات 11 أيلول/ سبتمبر، مروراً بالحرب الأهلية في الجزائر واختطاف الرهائن في الفليبين وبالطبع النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، كانت للأحداث الدولية انعكاسات غير مباشرة على مسلمي فرنسا وعلاقتهم بسائر فئات البلد. وفي هذا الإطار تبحث الدولة عن محاورين "يمثلون" المؤمنين و"يقودونهم" في الوقت نفسه من أجل إقامة الحوار أو أقله التواصل في حال الأزمات الدولية أو التوتر الداخلي.

إلا أن العديد من محاولات المسؤولين الفرنسيين لإنشاء "هيئة تمثيلية لمسلمي فرنسا" فشلت حتى العام 2002، عندما نجح وزير الداخلية نيكولا ساركوزي في دعم تأسيس "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" من خلال مجلس إدارة يُنتخب أعضاؤه كل ثلاث سنوات في انتخابات عامة يشارك فيها نائب عن كل مسجد في فرنسا.

حاولت الحكومة الفرنسية حينذاك تقديم المجلس على أنه حيّز للحوار بين الدولة والمسلمين بغية إيجاد حل للقضايا المرتبطة بالممارسات الاجتماعية والعامة للإسلام مثل رمضان والذبح الحلال والحج وإعداد الأئمة وبناء المساجد ومرشديات السجون والمستشفيات والمؤسسات التربوية والمدارس الخاصة.

غير أن نجاح ساركوزي في رعاية تأسيس أول هيئة تمثيلية لمسلمي فرنسا، أمام السلطات الرسمية، كان مجرد نجاح شكلي، فقد حافظت تركيبة المجلس على التوزيع العرقي القائم على جنسيات المنظمات التمثيلية داخل مجلس الإدارة وبدأ المجلس في النهاية بإعادة إنتاج للإسلام القنصلي إذ ضمّ: لجنة تنسيق المسلمين الأتراك في فرنسا الموالية للحكومة التركية، الاتحاد الوطني لمسلمي فرنسا الموالي للمغرب، مسجد باريس الكبير الموالي للجزائر، اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين.

بقيت الأوضاع تراوح مكانها دون جديد، حتى تصاعدت الهجمات الإرهابية داخل فرنسا مرة أخرى، بداية من عام 2015، فعادت الأصوات الصحافية والسياسية المنادية بإيجاد حلّ لـ"المعضلة الإسلامية" وضرورة تشكيل "إسلام فرنسي" بعيداً عن التأثيرات الأجنبية الدولتية أو الحركية.

وفي هذا السياق، دفعت إدارة الرئيس ماكرون بالنقاش نحو ما أسمته بـ"تخليص الإسلام الفرنسي من الولاءات الأجنبية". جاء ماكرون إلى الإليزيه محملاً بأطروحات "فرنسة الإسلام" التي وضعها مستشاره السابق وأحد المقربين منه حكيم القروي، الباحث في معهد مونتيني ومؤلف كتابي "إسلام فرنسي ممكن" (2016) و"صناعة الإسلاموية" (2018) والذي يدافع عن إمكانية وجود إسلام فرنسي بعيداً عن الولاءات الأجنبية والسياسية من خلال اتّخاذ الدولة سلسلة إجراءات قانونية من بينها مراقبة التمويل الأجنبي للجمعيات الدينية والمساجد وتحديده وتدريس اللغة العربية في المدارس النظامية بدلاً من المساجد وتدريب أئمة المساجد في فرنسا.

ومقترح "تدريب الأئمة في فرنسا" كان قد تقدّم به، منذ سنوات، حسن شلغومي، رئيس مؤتمر أئمة فرنسا، وأيده بشدة رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، بعد الهجوم الإرهابي في فيينا في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، بل ذهب ميشال إلى ضرورة إنشاء "معهد أوروبي لتدريب الأئمة".

كما أعلن ماكرون في بداية تشرين الأول/ أكتوبر الماضي عن إنشاء ما أسماه بـ"المعهد العلمي لعلوم الإسلام" لتدريب علماء الإسلام وباحثين مختصين في دراسة الإسلام والمعرفة الإسلامية الدينية.

لكن هذه المبادرات تقف أمامها عوائق قانونية أهمها قانون علمانية الدولة الذي يمنع تمويل أو إدارة المؤسسات الدينية، وكذلك مشاكل تتعلق بطبيعة الوجود الإسلامي شديد التنوع طائفياً ومذهبياً في فرنسا، ما سيطرح مشاكل حول مناهج التدريب.

ويذهب البعض إلى التقليل من أهمية هذه الخطوة باعتبارها شكلية ولا تعالج جوهر المشكلة، إذ يرى عز الدين قاسي، عميد مسجد فيلوربان في مدينة ليون في مقال نشره في جريدة لوموند أن "التسليم بأن تدريب الأئمة هو مفتاح كل المشاكل ليس صائباً تماماً، إذ يوجد اليوم في فرنسا حوالي 2500 مكان عبادة للمسلمين ونحو 2000 إمام، وعدد كبير من هؤلاء الأئمة لم يتلقوا أي تدريب ديني جامعي. لذلك فهم غير قادرين على إنتاج الفكر الديني بما يتماشى مع السياق والواقع الفرنسي. وبالمثل، لا يمكنهم تقديم بدائل للقراءات الحرفية التي غالباً ما تهيمن على العلاقة بالنصوص التأسيسية للإسلام. هذا هو السبب في أن مثل هؤلاء الناس سيظلون عاجزين عن محاربة التطرف".

مقابل ذلك، توجد عشرات المؤسسات التي تدرّب أئمة في فرنسا، وليست لها ولاءات لدول أجنبية، إلا أنها تشتغل بمناهج إسلامية حركية قريبة من سرديات الإسلام السياسي، بل إن بعضها تابع إدارياً ومالياً لجماعة الإخوان المسلمين وأهمها: المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في شاتو شينون، ومعهد ليل، شمال البلاد، والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في سان دوني، شمال باريس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard