سيزيف والعبث المضاد

الاثنين 30 نوفمبر 202002:30 م

تحضرني دائماً فكرة سيزيف، فكرة الشخص المرتبط بمصير عبثي، لا قدرة له على انتقائه والأهم على تغييره. إنه ارتباط المرء بسلسلة عبثية من الأسباب والنتائج التي تدخل في حلقة مفرغة. ليس من الضروري أن تكون ذات مبالغة درامية، كأن تدفع صخرة صعوداً على سفح جبل، وأن تشارف على الوصول للقمة ثم تهوي الصخرة مجدداً. أتخيل أحياناً الأمر أشبه برقص حماسي، فلنقل الدبكة مثلاً، لكن الراقص منفرد، يدور في حلقة لا نهائية.

إنه يلاحق نفسه فعلياً ولا شيء آخر، إنه صدى نفسه، القادم من الماضي والمستقبل. يرقص بحماس مثير للارتياب ويتعرّق.

يرقص بحماس مثير للارتياب ويتعرّق. لا يملك وقتاً للنظر حوله، لا شيء يحيط به غير صداه، حبات العرق هي المتغير الوحيد في المشهد وهو يمدّ ذراعيه كمسيح راقص. يقفز ويقفز دون أن يعي أن الموسيقى صامتة، لا أصوات له، وحدها الظلال الخفيفة على الأرض لخطواته من يحدد اقتراب خطوته من الأرض. كم سيصمد؟ لا أحد يعرف، أو بشكل أدق، لا أحد يريد أن يعرف. لأن ذلك يكسر اللعبة، اللعبة التي تسير دون لاعبين. توازن قائم على التجاهل، كلٌّ يدور في دائرته المخفية عن الآخرين، يتبع إيقاعاً ما برقصٍ يشبه الجري المثير للضحك أحياناً.

أذكر أني قرأت في كتاب الفيزياء المسلية وأنا صغير أن الجري هو فعلياً مجرد تحاشٍ للسقوط المتكرر عند انتقال مركز الثقل خارج حلقة القاعدة. أي قبل أن تقع تضع الخطوة التالية.

رقص منفرد يدور في حلقة لا نهائية

سحرتني الفكرة وأنا صغير، وأنا أتخيل هول الدرامية في فكرة النجاة المتلاحقة من هول السقوط. بالتأكيد الركض يحمل طاقة إيجابية وقوة تختلف عن مثال الرقص العبثي الذي طرحته، لكن السقوط هنا أمر حتمي فيما لو استمر فعل الركض. جزء من الاختلاف يعود لجمال دائرة الرقص أمام الخط المستقيم للجري، وهذا يفاقم من درامية الفكرة. تخيل أنك محكوم بالركض، فلنقل إن وراءك كلباً مخيفاً، ولتكن الصدفة المؤلمة أن وجهه يشبه وجهك بشكلٍ ما، وهو يجري خلفك واللعاب يتطاير من شدقيه، وأنت تجري بكل طاقتك، تجري بمهارة متقنة ما بين سلسلة السقطات الممكنة، ولكنك هنا لا تملك خيار التوقف أو الهرب فعلياً، سيؤلمك صدرك قليلاً وتكاد أن تقف، سيتمهل الكلب خلفك وينظر لك بريبة، ثم يهجم من جديد، لتعدو بسرعة من جديد.

الأمل الزائف

من أبشع وأقوى التجارب التي قام بها البشر، وضع فأر في وعاءٍ زجاجي أملس ثم ملء الوعاء بالماء. سيبدأ الفأر بالمقاومة قبل أن يغرق، سيقاوم خمسة عشر دقيقة كحدٍّ أقصى، ثم يوقن بعبثية الخيار ويغرق. في مرحلة ثانية يتم سحب الفأر قبل أن يغرق ليمنح فرصة ثانية، سيتوهم أنه قد نجا، ثم سيعاد إلى الوعاء، لكنه سيقاوم هذه المرة فترة طويلة تصل 60 ساعة أو أكثر. هو لا يعلم أنه محكوم عليه بالغرق، بل على العكس لقد اختبر النجاة، إنه عبد الأمل أو كلبه الوفي. الأمل الزائف الذي تقدمه يد "إلهية". سيغرق مجدداً والفرق هو بضع ساعات من المقاومة. وإثبات أن الأمل وسيلة عظيمة للصمود، تخيلوا لو استمر الباحث/الإله بإنقاذ الفأر ثم إعادته. قد تطول المدة التي يقاوم فيها الفأر. قد ينتصر الملل على غريزة البقاء لديه ويقرر أن يغرق وهو يتلو نص درويش الشهير في مديح الظل العالي: "جربناك جربناك...". قد ينال منه العمر ويفقد لياقته.

المغري هنا ليس الفأر، بل الباحث نفسه الذي وقع دون أن يدري في فخ سيزيفي، يرتبط فيه بالفأر. سيستمر بالتسجيل وبإثبات ما يعرفه سلفاً، وهو أن الأمل لعنة البقاء، الأمل صنو العبث، ستخبو ابتسامة فخره التي كان يحاول كبتها وهو ينقذ الفأر، وهو يمنحه مصيراً مختلفاً، مع الوقت سيتعود على مخالب الفأر وهي تحاول أن تخدش الوعاء، أن تجد ثلماً ما تتعلق به، سيتعود على رؤية نفضات جسد الفأر، كركوة قهوة مستعدة للفوران والانطفاء، سيدرب انتباهه ليعرف وقت وجوب تدخله، قد يغامر قليلاً ويتأخر ثواني، لكنه هو الآخر محكوم بلعبته، وسينقذ الفأر الذي بات لعنة الباحث. إنقاذ الفأر هنا هو تلك الخطوة التي تسبق السقوط، الفأر هنا هو جريه الخاص. فيما يتحول جسده لوعاء زجاجي أملس، سيتعكر الماء... لكن اللعبة ستستمر.

أليس من حق سيزيف الذي تحدى الآلهة وانتصر في مراحل ما أن ينال نهاية أكثر حيوية تليق بدهائه؟ 

الانطباع الأول من هذا الاستطراد هو السوداوية، لكنه ليس صحيحاً، أو بشكلٍ أدق، السوداوية ليست المحرك الأساسي لهذه الاستطرادات. إنه التأمل العميق كمرضٍ أليف. فلنعد للفكرة الأولى وهي عقاب سيزيف العبثي، طحنه بأمله، سيغدو أمله جلاده، سيضغط على الصخرة بأصابعه وجسده ليثبتها، لكنها في اللحظة الأخيرة ستفلت كالماء أو كحلم.

إنه عقاب من زيوس على ذكائه وتحديه للآلهة، تلك الآلهة التي تتسم بالدناءة "كاغتصاب زيوس لفتاة ما في الحكاية" أو البلاهة "كخداعه السهل لثانتوس وتقييده بالسلاسل الذهبية، باعتبارها هدية يعلمه كيفية ارتدائها" أو خداعه زوجة هاديس ليعود للحياة مرة أخرى.

طشهم الذي يأتي لأسباب لا تتعلق بالحق أو العدل

الحكاية لم تنصف سيزيف رغم شروره وأذاه، لم تنصف ذكاءه بشكلٍ أدق، وإنما توضح القوة العشوائية للآلهة، القوة غير المنضبطة، القوة التي تفتح ثغرات واسعة من الضعف بسبب السمات البشرية. ولكنْ أليس من حق سيزيف الذي تحدى الآلهة وانتصر في مراحل ما أن ينال نهاية أكثر حيوية تليق بدهائه؟ هل سيعجز أن يعلم أن الصخرة ستقع في نهاية الأمر حتماً؟ من البديهي أن ذكاءه أو خبثه سيسعفه في إدراك الأمر.

هل سيُضْرِب عن لعنة المصير فيفسد الأسطورة؟ هل سيدفع الصخرة بكل قوته من الأعلى لتتفتت تدريجياً؟ هل سيبول عليها؟ أعلم أنكم ستقولون ها قد اختار أكثر الوسائل سوقية للتمرد، حسناً فلنقل إنه سيربيها كحيوان أليف "تيمناً بالنمر الوردي"، ليس مهماً كيف سيتمرد على مصيره. المهم أنه سيجعل من الآلهة أضحوكة مرة أخرى. إنه عبث مضاد إن صح التعبير، أن تمسخ الحكاية وتخلد ذكراه في التاريخ من زاوية الساخر لا المُعاقَب والمهان. بالتأكيد قد تجد الآلهة عقوبةً أخرى أكثر وحشية، ولكنهم غالباً لن يقتلوه، لو أرادوا لفعلوا ذلك قبلاً. إذن سيبدؤون عقاباً جديداً قد يتمكن من السخرية منه مرة أخرى إن امتلك الخيار، وإن لم يمتلك فهو ضحية بطشهم لا ضحية أمله. بطشهم الذي يأتي لأسباب لا تتعلق بالحق أو العدل، سيصبح فأرهم ولعنتهم أيضاً، وهو يحزُّ بأظافره زجاج خلودهم بلا هوادة.   

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard