لأوّل مرة: دبي تُرحب بكبار السن… لكن الأثرياء فقط

الجمعة 20 نوفمبر 202009:32 ص

يمكنك أن تجد أي شيء تقريباً في دبي، باستثناء كبار السن. المهاجرون الذين يديرون اقتصاد إمارة دبي هم مجموعة من الشباب، ولكون الإقامة في دولة الإمارات العربية المتحدة مرتبطة بالعمل، فإن التقاعد عادة ما يعني رحلة عودة إلى الوطن الأم. يميل السياح الذين يرتادون النوادي الليلية ويسترخون على الشواطئ لأن يكونوا شباباً أيضاً، لكن الإمارة قد تُظهر قريباً بعض الشعر الرمادي.

في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، أعلنت حكومة إمارة دبي عن إصدار تأشيرات إقامة جديدة لمن هم فوق 55 عاماً، ينطبق النظام على الأثرياء فقط. يجب على المتقدمين للحصول على هذه الإقامة أن يمتلكوا سكناً متميزاً أو أن يشتروا عقاراً بقيمة 2 مليون درهم (حوالي 540 ألف دولار).

تأمل الإمارة أن يقدم كبار السن، الذين يفكرون بالاستقرار في البرتغال أو بالم بيتش في فلوريدا، على اختيار العيش في الإمارة الخليجية بدلاً من ذلك. من الممكن، لو تحققت هذه الآمال، أن تعزز هذه الخطة التي استغرقت عامين لإعدادها، اقتصاد دبي المتعثر الذي قد ينكمش بنسبة 11% هذا العام.

على عكس معظم دول الخليج، لا تعتمد دبي، التي هي واحدة من الإمارات العربية المتحدة، على النفط أو الغاز لتحريك اقتصادها. تمثل الموارد الهايدروكاربونية 1% فقط من إجمالي الناتج المحلي للإمارة. بدلاً من ذلك، اعتمدت على صناعة إنشاءات وبناء مستمرة لتغذية اقتصاد يعتمد على الخدمات بشكلٍ كبير. يمكن أن تشعر عندما تزور المدينة وكأنها موقع بناء محموم: فنادق جديدة لجذب المزيد من السياح، والتي تخلق المزيد من فرص العمل للعمال المهاجرين، ويعني زيادة الطلب على مراكز التسوق والشقق.

حتى قبل وصول جائحة كورونا، أصبحت دبي تبدو كأنها مُتخمة بالبناء أكثر مما تتحمل وبشكلٍ مبالغ فيه، أصبح سوق العقارات مشبعاً: أدرج أحد مواقع تجارة العقارات على موقعه الإلكتروني ما يقرب من 19.000 شقة للبيع و32.000 شقة أخرى للإيجار.

يمكنك أن تجد أي شيء تقريباً في دبي، باستثناء كبار السن. المهاجرون الذين يديرون اقتصاد إمارة دبي هم مجموعة من الشباب، ولكون الإقامة في دولة الإمارات العربية المتحدة مرتبطة بالعمل، فإن التقاعد عادة ما يعني رحلة عودة إلى الوطن الأم

 انخفض متوسط أسعار بيع العقارات إلى 896 درهم للقدم المربع، حسب تقديرات شركة فاليوستارت الاستشارية، وهذا هو أدنى مستوى للأسعار منذ أكثر من عقد من الزمن، أي أقل من أسعار الذروة للسنوات العشر الماضية، الذي تم تسجيله عام 2014 والذي بلغ 1380 درهم، بمقدار 35%. أسعار الإيجارات آخذة في الانخفاض أيضاً، يفاوض بعض المستأجرين في المركز المالي بوسط المدينة على تخفيضات تتراوح بين 20% و25% على عقود الإيجار للأماكن التي يشغلونها، على الرغم من مشاهدتهم ارتفاعات شاهقة لبنايات تجارية وسكنية جديدة على الجانب الآخر من الشارع. 

أدى انتشار الجائحة إلى عكس اتجاه محرك النمو. انهار قطاع السفر والسياحة على سبيل المثال. اضطر مطار دبي لوقف استخدام أحد مبنيي الطيران الرئيسيين وانخفضت حركة الركاب بنسبة 20% في الربع الأول من هذه السنة، قبل أن يتم إغلاق معظم البلدان، ولم تتغير النسبة في الربع الثاني. كانت معدلات إشغال الفنادق في شهر أيلول/سبتمبر 45% فقط، بينما كانت عادة أكثر من 80%. قامت شركة طيران الإمارات، الناقل الجوي الرسمي لدولة الإمارات العربية المتحدة، بتسريح أكثر من 10% من قوتها العاملة. ستمتد عمليات تسريح العاملين في جميع أنحاء الاقتصاد، ما سيقلل الطلب على كل شيء، من المدارس الخاصة إلى أوقات الراحة والاستجمام.  

عندما تبدأ الاقتصادات بالتراجع، تعود دول الخليج إلى المثل القائل: ليس هناك أخبار جيدة في كل الأخبار. تُعرف دول الخليج بأنها تنشر بيانات المؤشرات الاقتصادية بعد شهور أو سنوات من حدوثها. يتذكر أحد المحللين أنه استخدم بيانات قديمة حول استهلاك الطاقة والمياه لتخمين النمو الاقتصادي في دبي. لكن على الرغم من ذلك، قدمت إمارة دبي في شهر أيلول/سبتمبر لمحة نادرة عن ميزانيتها العمومية، من خلال بيان تمهيدي لإصدار سندات حكومية للاقتراض بقيمة ملياري دولار. أدرجت الوثيقة ديون حكومة دبي عند 124 مليار درهم (حوالي 34 مليار دولار)، أي أقل من 30% من الناتج المحلي الإجمالي.

تأمل دبي أن يقدم كبار السن الأثرياء، الذين يفكرون بالاستقرار في البرتغال أو بالم بيتش في فلوريدا، على اختيار العيش في الإمارة الخليجية بدلاً من ذلك. من الممكن، لو تحققت هذه الآمال، أن تعزز هذه الخطة  اقتصادها المتعثر الذي قد ينكمش بنسبة 11% هذا العام

لكن الأرقام المعلنة لا تذكر الديون التي بذمة الكيانات المرتبطة بالحكومة، على الرغم من أن تلك الكيانات تقترض بشكلٍ تجاري، إلا أنها تتمتع بدعم ضمني من الدولة. احتاجت دبي العالمية، إحدى أكبر الشركات في الإمارة، إلى عملية إنقاذ في عام 2009 لتجنب التخلف عن سداد ديون بقيمة 59 مليار دولار. لم تتدخل الحكومة هذا العام إلا لمساعدة شركة طيران الإمارات التي تلقت 7.3 مليار درهم كمساعدات. لا تزال بعض هذه الشركات تعاني وبشدة من ارتفاع ديونها بالمقارنة مع قيمة الأصول التي تملكها، على الرغم من امتلاكها استثمارات كبيرة في مجالات العقارات والسياحة والنقل، وهي صناعات هشة أمام انتشار الجائحة. قدرت وكالة "أس أند بي"، المختصة بتصنيف اقتصادات الدول، الدين العام لدبي عند 148% من الناتج المحلي الإجمالي، إذا تم احتساب ديون الشركات المدعومة من قبل الدولة.

يمكن للمتقاعدين أن يستهلكوا بعض الطاقة الإنتاجية الزائدة في دبي، لكن ذلك لن يقدم سوى حل مؤقت، إذا استمرت دبي في الاعتماد على الاستمرار بالبناء والإنشاءات الجديدة لدفع النمو. لسنوات عديدة مضت كان النموذج الاقتصادي المُتبع في تلك الإمارة: "إذا قمت بالبناء، فسيقدم المستخدمون له"، لكن هذا الشعار يستحق أن يتقاعد كما يبدو. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard