من سيء إلى أسوأ… لا يملك بشار الأسد حلولاً للأزمة السورية

الثلاثاء 17 نوفمبر 202002:08 م

على الرغم من معاناتها لتسع سنوات من الحرب الأهلية التي أدت لمقتل مئات الآلاف من الناس، عادت سوريا، بشكلٍ ما، إلى النقطة التي بدأت منها. لازال المتظاهرون في جنوب شرق سوريا يرددون شعارات مناهضة للنظام، الشعارات نفسها التي كانت هناك عند بدء الصراع. يصرخ المتظاهرون "الله، الوطن والحرية"، مطالبين بإسقاط دكتاتور سوريا، بشار الأسد، من منصبه الرسمي. 

وجد أحد مراسلي التلفزيون الحكومي أثناء تغطيته مسيرة غير موالية ذات حضور قليل، صعوبة جمة في إيجاد متفرجين مستعدين للثناء على الرئيس الأسد. لا زال معظم السوريين يشكون من الفقر والفساد وعدم المساواة الاجتماعية. يقول أستاذ جامعي في دمشق: "إن المظالم التي أشعلت الانتفاضة أصبحت أكثر وضوحاً اليوم".

كسب الرئيس الأسد الحرب من خلال الحصول على مساعدة إيران وروسيا، واستخدام الغازات السامة ضد أبناء شعبه. آخر معقل كبير للمتمردين في سوريا الآن هي مدينة إدلب، لكن النظام يواجه تحديات جديدة لا يمكن حلها باستخدام القوة. تدفع العملة المنهارة المزيد من السوريين للسقوط في فخ الفقر. ستجعل مجموعة جديدة من العقوبات الأمريكية الأمور أسوأ. نشأت معارضة حتى داخل صفوف حكم الرئيس الأسد، وهو لا يقدم أي حلول لتعاظم الأزمة. 

يبدو أن حتى الطبيعة لا تسعف الأسد.

عندما ورث الرئيس بشار الأسد الرئاسة عن والده قبل عقدين من الزمن، كانت سوريا دولة متوسطة الدخل. الآن يقع أكثر من 80% من سكانها تحت خط الفقر. كان الناتج المحلي الإجمالي في العام الماضي حوالي ثلث ما كان عليه قبل بدء الحرب، وسيكون أقل هذا العام. يمكن إلقاء اللوم بشكلٍ جزئي على جائحة كورونا، بالإضافة الى تأثير الوضع في لبنان المجاور، أكبر سوق خارجي للبضائع السورية والمورد الرئيسي للدولار، حيث يغرق ذلك البلد في أزمة مالية حادة، مع ندرة العملة الصعبة في كلا البلدين، انخفضت قيمة الليرة السورية إلى مستويات قياسية. تم تداول العملة عند حوالي 50 ليرة مقابل الدولار قبل الحرب، اليوم يساوي الدولار حوالي 3000 ليرة في السوق السوداء. بدأ المتمردون في مدينة إدلب مؤخراً باستخدام الليرة التركية بديلاً عن الليرة السورية. 

قيمة الرواتب الحكومية تنخفض بالقيمة الحقيقية، وهناك ارتفاع مهول في الأسعار. النتيجة، كما تقول منظمة الأمم المتحدة، إن الكثير من الناس لم يعد بإمكانهم شراء الطعام. نفذت كثير من الأدوية من الصيدليات، لأن المنتجين المحليين ليس لديهم ما يكفي من الأموال لدفع ثمن المُدخلات المستوردة من الخارج. أُغلقت المتاجر والمقاهي التي أعيد فتحها بعد رفع الإغلاق مرة أخرى بسبب الأعراف السائدة. في محاولة لدعم احتياط العملة الصعبة، جعلت الحكومة الأمور أسوأ، تم الطلب من البنوك التوقف عن تقديم القروض، وعليه، أُغلقت مكائن السحب الآلي، وحددت السحب النقدي بشكلٍ كبير. ينتظر الناس خارج البنوك في طوابير، على أمل استرداد بعض مدخراتهم قبل أن تنخفض العملة مرة أخرى.

بدأ بشار الأسد، الذي يفتقر إلى الإجابات وكذلك السيولة النقدية، في سلب الأموال من أنصاره الأغنياء. رضخ الكثيرون منهم، لكن ليس رامي مخلوف، أغنى أغنياء سوريا وابن خال الرئيس. بدأ السيد مخلوف في شهر أيار/ مايو الماضي بنشر مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، اشتكى فيها من يد النظام الثقيلة ومصادرته للأصول التي يملكها. في وقت سابق من هذه السنة استولى بشار الأسد على شركة سيرياتل، أكبر شركة هاتف محمول في البلاد، كان يملكها مخلوف.

بدأ مؤيدون سابقون آخرون يديرون ظهورهم للنظام كذلك. احتج مئات من أبناء الطائفة العلوية، وهي طائفة دينية تنحدر منها عائلة الأسد، على طول ساحل اللاذقية حيث يعيشون. نزل الدروز، وهم أتباع طائفة باطنية صغيرة، إلى شوارع مدينة السويداء. يقول الصحفي السوري إبراهيم حميدي: "مشكلة النظام تكمن في الموالين له، وليس مع المعارضة". يتصاعد العنف في مدينة درعا حيث انطلقت الانتفاضة، والتي اعتقد النظام أنها قد انتهت.

بدأ مؤيدون سابقون آخرون يديرون ظهورهم للنظام كذلك. احتج مئات من أبناء الطائفة العلوية، وهي طائفة دينية تنحدر منها عائلة الأسد، على طول ساحل اللاذقية حيث يعيشون. نزل الدروز، وهم أتباع طائفة باطنية صغيرة، إلى شوارع مدينة السويداء

في يوم 11 حزيران/ يونيو، أعفى بشار الأسد رئيس وزرائه عماد خميس من منصبه. يعتمد الرئيس الآن على دائرة متناقصة من الأصدقاء والموالين، لكن مشاكله تتزايد. في يوم 17 حزيران/ يونيو، فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة صارمة على سوريا، بموجب قانون قيصر، الذي سمي بهذا الاسم نسبة لمصور عسكري سوري سابق، قام بتهريب صور تعذيب المعارضين خارج البلاد. تستهدف هذه العقوبات أي شخص أو شركة أو مؤسسة، سورية أو أجنبية، تتعامل مع النظام أو تقدم الدعم له. تُعدّ موجة العقوبات الجديدة هذه واسعة النطاق، لدرجة أنه من المتوقع أن تردع المستثمرين والشركات التي كانت تأمل في المشاركة في إعادة إعمار سوريا.

لا شك أن الرئيس الأسد ضعيف الآن، ومع ذلك، ربما لن يذهب إلى أي مكان. الشعب السوري مُنهك، ويعتمد الملايين منه على النظام للسماح للأمم المتحدة بإيصال المساعدات الغذائية التي يحتاجونها للبقاء على قيد الحياة. علّمت أربعة عقود من العقوبات النظام كيف يتعامل مع الضغوط وإعادة توجيه اللوم على الآخرين. يدّعي النظام إن الغرب يشن حرباً اقتصادية على سوريا، بعد أن فشل في الإطاحة بالرئيس الأسد من خلال تسليح المتمردين. ينتقد النظام كذلك الولايات المتحدة لتسليمها الأراضي التي تحتوي على حقول النفط السورية وسلة خبز السوريين للأكراد. عاد النظام مرة أخرى للاعتماد على طرق التهريب القديمة التي يمر معظمها عبر لبنان، وبدأ بخلق طرق جديدة. الأهم من ذلك أن روسيا وإيران تواصلان دعم النظام الديكتاتوري، ومازالا يأملان في الحصول على عائد من استثماراتهم في دعمه.

شكلت قرارات بعض الدول الخليجية لإعادة بعثاتها الديبلوماسية إلى دمشق نافذة أمل للنظام للخروج من العزلة التي عاناها خلال ما يقارب عقد من الزمن. تحتاج ترجمة عودة العلاقات الديبلوماسية إلى فعلٍ على الأرض، في مجال إعادة إعمار البلاد وعودة العلاقات الاقتصادية والاستثمارات، وقتاً طويلاً وبيئة ملائمة، قد يجد الرئيس الأسد نفسه غير قادر على تحقيقها. تغيرت سوريا وكذلك دول المنطقة، الاستقطاب الحاصل بين محوري إيران والدول الخليجية التي تشعر بالتهديد من طموحات إيران التوسعية، جعل بوصلة علاقات الخليج تتجه نحو بناء علاقات قد تتطور إلى تحالفات مع إسرائيل، العدو التاريخي لسوريا من وجهة نظر الرئيس الأسد. 

يحاول الأسد مد ذراع سطوته مرة أخرى على السوريين ممن خرجوا عن سيطرته. انطلقت أعمال مؤتمرٍ باذخ في دمشق يومي 11 و12 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، من أجل تيسير عودة أكثر من 6 مليون لاجئ سوري للبلاد. نسي الرئيس الأسد أن السبب الرئيسي لتمنّعهم عن العودة هو بقاؤه في السلطة. لا يثق أغلب اللاجئين بالنظام ويخشون إن عادوا أن يكونوا موضع شك من قبل أجهزة النظام الأمنية، ما يجرّ عليهم تبعات لا قبل لهم بها. قال بعض هؤلاء اللاجئين ممن يعيشون في دول أخرى: "العودة تبدأ برحيلك"، في إشارة إلى أن عودتهم مرهونة بتخلي الرئيس عن السلطة. 

لا شك أن الرئيس الأسد ضعيف الآن، ومع ذلك، ربما لن يذهب إلى أي مكان. الشعب السوري مُنهك، ويعتمد الملايين منه على النظام للسماح للأمم المتحدة بإيصال المساعدات الغذائية التي يحتاجونها للبقاء على قيد الحياة

شكّل تعيين لونا الشبل مستشارة خاصة للأسد انتصاراً على حساب منافستها بثينة شعبان، أحد أعمدة الحرس القديم في النظام السوري، والتي تحكمت على مدى عقود بخيوط الإعلام في سوريا. جرى الحديث مراراً عن تنامي دور الشبل على حساب دور بثينة شعبان، وعن وجود صراع خفي بين الاثنتين. إثر تمتين علاقتها مع الرئيس الأسد، شكلت الشبل تحالفاً يضم وزير الإعلام عماد سارة، وعدداً من الوزراء وقادة أفرع الأمن الموالين لروسيا، في ظل تحالف آخر يتبع بثينة شعبان والمقرب من الإيرانيين. يبدو أن الصراع وصل إلى قلب الحلقة المحيطة بالرئيس، حيث ربما يؤدي تعيين الشبل إلى توجه جديد في السياسة الإعلامية الرسمية، يتماشى مع تغييرات في قمة المؤسسات الإعلامية والصحافية السورية. 

يبدو أن حتى الطبيعة لا تسعف الأسد. توفي وزير خارجيته السيد وليد المعلم يوم الأحد 15 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري. عمل السيد المعلم وبجهد خلال سنوات الأزمة السورية لدفع سوريا نحو روسيا وإيران، ما جعل النظام في دمشق يصبح أسيراً لإرادات خارجية. الرئيس الأسد الآن في أمس الحاجة لوزير خارجية قادر على بناء شبكة علاقات خارجية أكثر توازناً، إذا أراد الرئيس العودة للمجتمع الدولي. يبدو أن خيارات الرئيس لتعيين وزير خارجية جديد محكومة بصراعات القوى في الحلقة المحيطة به.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard