السلطان إبراهيم... متصوّف أفغاني في مدينة الفينيقيين

الثلاثاء 17 نوفمبر 202011:58 ص

لا توجد مئذنة للمسجد، ولهذا السبب بالتحديد، يَرفع الآذان خادمه المعروف بأبي عمر المصري، نسبةً إلى جنسيته، متكلاً على حنجرته وحسب. في الوقت ذاته، لا يحتاج اللبنانيون إلى تعريف بمدينة جبيل، وإنْ كانت تعريفاتهم لها تتفاوت، لشدة قربهم منها أو بعدهم عنها.

عموماً، يعرف اللبنانيون، والعرب غالباً، ما يحتاج المرء إلى معرفته لبناء تصوّرات أولية عن هذه المدينة السياحية التي تسكنها أغلبية مسيحية، وفيها من الآثار ما يجعلها أقرب إلى تاريخ لبنان السحيق منه إلى زمن الفتوحات الإسلامية، بخلاف طرابلس أو صيدا.

المسجد الصغير

في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر، دخل أشخاص إلى المسجد الصغير واعتدوا على المؤذن بعد مشادة. قبل انتشار الخبر، كثيرون ربما لم يكونوا يعرفون أن هنالك مسجداً في "المدينة الفينيقية".

ثمة ما يشبه المدخل المفضي إلى مسجد السلطان إبراهيم بن أدهم، في مدينة جبيل. لكنه ليس مدخلاً تماماً. لا يشعر الناظر من بعيد، أو المتجول في المدينة السياحية، أنه يقترب من مسجد، بل يبدو أشبه بمبنى تراثي، لا تختلف روحه إطلاقاً عن روح المدينة المتباهية بماضيها الذي نُسِج حول الشاطئ.

الأحجار التي بُني بها ليست غريبة عن أحجار المباني الأخرى هنالك. وستبدأ معالم الاختلاف بينه وبينها فور الدخول إلى باحة صغيرة، بعد المدخل، ولو أن الدخول ليس يسيراً كما هي العادة في المساجد، وذلك لوجود بوابة حديدية.

من داخله، ومن جهة الغرب تحديداً، يقيم المسجد علاقته الجغرافية الأساسية مع المدينة، باتصاله بأحد شوارعها، عبر نافذتين صغيرتين، توفّران قدراً معقولاً من الضوء، يأتي من الأسفل، وليس من الأعلى. السكان القريبون، يعرفون المسجد، بصفته لا باسمه، أي يقولون: المسجد. وهنالك مَن يقول مسجد السلطان، وقلة مَن يعرفون اسمه كاملاً. حتى أن اللافتة التي تشير إليه، كُتب عليها "مسجد السلطان"، وكتب تحتها بخط مختلف: إبراهيم بن أدهم. هل يعرف سكان المدينة إبراهيم بن أدهم؟

السلطان إبراهيم

هنالك مَن يقول إن إبراهيم بن أدهم مرّ على هذه الزاوية، وأقام فيها ملاحقو أثره مسجداً من بعده. وهنالك مَن يقول إن القادم من ولاية مزار شريف، ترك حياة المال، وصار زاهداً إلى الله في بلاد الشام، ما جعله مشهوراً ومحبوباً، فأُطلق اسمه على المسجد في جبيل اللبنانية.

وحسب أستاذ الإسلاميات في جامعة القدّيس يوسف في بيروت، محمد النقري، كان البحارة يرتاحون في هذا المسجد، وتسمية "السلطان إبراهيم" التي تُطلق على نوع شهير من الأسماك التي يصطادها الصيادون اللبنانيون مرتبطة بالمدينة البحرية (جبيل) وبهذا المسجد وبصاحب اسمه بالتحديد.

هذا يعني أن التسمية بالتأكيد قديمة، حتى لو لم ترتبط بمرور صاحب الاسم على المكان. ويوافق جبيليون على هذا التأريخ، ومنهم عمر بهيج اللقيس، في كتابه "جبيل مواقع ومواقف" (منشورات بلدية جبيل – 2012)، إذ يصف المسجد بمصلّى البحارة.

وعلى الأقل، هنالك مسجدان آخران قريبان يحملان اسم مسجد السلطان إبراهيم بن أدهم: الأول، في بيت حنينا الفلسطينية، ويقع شرق القدس. وحسب مصادر عدّة، يُقال إن صاحب الاسم مرّ من هناك، وإن الفلسطينيين أسهموا في ترميمه قبل النكبة بعقد بزمن؛ والثاني، يقع حيث مدفنه، كما هو مفترض، في مدينة جبلة الساحلية السورية.

الثابت أن صاحب الاسم، إبراهيم بن أدهم، أبا إسحاق، إبراهيم بن منصور بن زيد بن جابر العجلي، ويُقال التميمي، كان متصوفاً أتى من أفغانستان في القرن الميلادي الثامن.

"إبراهيم بن أدهم، وهو مولود في القرن السابع، ينتمي إلى فترة الفتوحات الإسلامية التي يتفادى اللبنانيون الحديث عنها، ليس لعدم امتلاكهم الأدوات الكافية لذلك، إنما غالباً بسبب الخوف من التاريخ، والاكتفاء بسرديات الحاضر عنه"

وهنالك نزاع عموماً على تاريخ المتصوّف الشهير، لا يسهم الكتاب المعروف لشيخ الأزهر عبد الحليم محمود والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1972 في حسم الجدال حوله، إذ ينشغل كتاب "إبراهيم بن أدهم: شيخ الصوفية" بالدفاع عن الصوفية وعن الطريق، ويعرض فيه مؤلفه أقوال الشخصية وتفسير انتماء الصوفية إلى الإسلام بتفسير أخلاقها، أكثر مما يعرض سيرة تاريخية موثقة لتاريخ إبراهيم بن أدهم وأسفاره.

افتراض معرفة سكان المدينة بتاريخ المسجد، أو تاريخ المدينة بشكل عام، ليس متاحاً من دون أبحاث جدية. لكن معظم سكان المدن اللبنانية يملكون، عموماً، تصورات متقطعة عن تواريخ مدنهم.

التاريخ المُهمَل

جبيل، مدينة بحرية، وهذا للطرافة كافٍ بالنسبة لكثيرين لكي يقولوا إنها مدينة فينيقية بامتياز. أما في العصر الحديث، فهنالك محاولات تأريخ مختلفة بين الطوائف اللبنانية، لتحديد علاقة هذه المدينة مع الحكم العثماني، ولاحقاً مع الاستعمار الفرنسي، وصولاً إلى الاستقلال وما بعده، تبعاً لحسابات الطوائف.

ولكن يبدو لافتاً أن هنالك فترة طويلة، تقع بالتحديد بين التاريخ القديم المصنّف فينيقياً وبين التاريخ المعاصر الممتد من الإمبراطورية العثمانية وصولاً إلى يومنا هذا، لم تشغل بال المهتمين بالتاريخ، وإنْ كانت قد شغلت مؤرخين جديين بالفعل.

إبراهيم بن أدهم، عملياً، وهو مولود في القرن السابع (718)، ينتمي إلى هذه الفترة، وبالتالي، قد يكون من معاصري الإمام عبد الرحمن الأوزاعي. وهذه الفترة، هي فترة الفتوحات الإسلامية التي يتفادى اللبنانيون الحديث عنها، ليس لعدم امتلاكهم الأدوات الكافية لذلك، إنما غالباً بسبب الخوف من التاريخ، والاكتفاء بسرديات الحاضر عنه، ما يسهّل عليهم تجاوزه في مناهجهم الدراسية عندما تستدعي الحاجة، أو استحضاره كسلاح غير حاسم، لافتقاده إلى دلائل قطعية تقود إلى اتفاق أركانه عليه.

اللافت أن النزاع بين الجماعات اللبنانية على التاريخ، في منطقة جبيل وكسروان تحديداً، هو غالباً نزاع بين الشيعة والموارنة. وهو نزاع تبدو الحقبة التي يأتي منها إبراهيم بن أدهم سابقةً عليه.

من بين محاولات كثيرة لفض نزاعات الجماعات الطويلة على المنهج، توصل كمال الصليبي في "منطلق تاريخ لبنان" (دار نوفل – 1996) إلى أن الشيعة كانوا موجودين هنالك خلال فترة الحكم المماليك، وأن معارك حدثت بينهم وبين المماليك عام 1291، ويستدل على ذلك بأن سلطة ولاة الشام وحكامها لم تصل إلى الشيعة.

"النزاع بين الجماعات اللبنانية على التاريخ، في منطقة جبيل وكسروان تحديداً، هو غالباً نزاع بين الشيعة والموارنة. وهو نزاع تبدو الحقبة التي يأتي منها إبراهيم بن أدهم سابقةً عليه"

وفي مكان آخر، يؤكد المؤرخ المنهجي في "تاريخ لبنان الحديث" (نوفل – 1991)، أنه ومنذ أواخر القرن السابع عشر، خضعت مناطق بشري، البترون، وجبيل أيضاً، التي يصفها بأنها مناطق "مارونية" (عكس استشهادات مؤرخي الطوائف الأخرى)، إضافة إلى منطقة الكورة الأرثوذكسية، إلى نفوذ آل حمادة الشيعة، الذين مثلوا مصالح ولاة طرابلس فيها لجهة الجباية والضرائب، ولم تكن للأمراء الشهابيين سلطة عليهم.

إلى ذلك، هنالك ما يشبه الاتفاق الذي يحتاج إلى تدقيق على أن العائلات في بعلبك ليست من بعلبك في الأصل. ولا يعني ذلك أن بعلبك ومحيطها كان أشبه بصحراء لا سكان فيها، لكن السكان الحاليين لـ"مدينة الشمس" المعروفة بآثارها الرومانية، وبكونها معقلاً من معاقل حزب الله حالياً، وأحد منطلقاته باتجاه سوريا قبل الثورة وبعدها، هم في الأصل نازحون من مناطق أخرى، ولاجئون من قمع واضطهاد آخر، أي من جبيل وكسروان.

بالتالي، فإن الباقين في جبيل يكتسبون صفة "البقاء"، بفعل التاريخ، أو ما نعرفه من التاريخ، خاصةً أن معظم التاريخ الذي بين أيدينا في لبنان هو تاريخ الطوائف عن وجودها، وتاريخ لتخيّلها لهذا الوجود وإعادة إنتاجه، وليس في غالبه تأريخاً منهجياً.

الآخرون صاروا نازحين في وقت كانوا فيه في الأساس لاجئين. المفارقة أن أشد المتشبثين بمصطلح النزوح، للدلالة إلى اللاجئين السوريين في لبنان، ليسوا مهتمين عموماً بشيء إلا بعودة اللاجئين من حيث أتوا، بينما يقول التاريخ إن نزوح الجماعات الناتج عن العنف والتهجير، ليس مثل النزوح صيفاً إلى الساحل هرباً من برد الجبال القاسي. أحياناً يكون هذا النزوح نهائياً، وتتأسس بموجبه حياة جديدة، تُستحدث لأجلها الأراضي وتبنى حولها شروطها الاجتماعية مع الوقت.

النازحون من جبيل وكسروان، إنْ كان ذلك قد حدث فعلاً بفعل غزوات المماليك التي يبالغ جزء كبير من مؤرخي الجماعة الأهلية الشيعية اللبنانية في تعظيم نتائجها، نزحوا فعلاً من جبيل ومن كسروان. أما المبالغة فلها مقصدان: الأول هو إثبات الوجود الشيعي في المنطقة قديماً؛ والثاني النقاش في أسبقية الوجود وبناء سرديات تقوم على هذا التتابع.

ناجٍ من عدّة تواريخ

من أمام المسجد، كشاهد، كناجٍ من عدة تواريخ، ومن عدة جماعات، سيشبه الحديث عن التاريخ تلك النبرة "الفانتازية" التي تظهر في أحاديث اللبنانيين عن طوائفهم وعلاقاتها ببعضها البعض، خاصةً عندما يتعلق الأمر بحيّز جغرافي مشترك.

لعل أوضح مثال على هذه الفانتازية يظهر في فيلم "وهلق لوين" لنادين لبكي. يمكن التذمّر من الفيلم إلى درجة معيّنة، خاصةً في ما يتعلق بمشاهد الكنيسة والمسجد، في القرية اللبنانية النموذجية، كما نسجها الاتفاق الشفهي بين رجلين هما بشارة الخوري ورياض الصلح، واصطُلح يومها على تسمية هذا الاتفاق بـ"الميثاق الوطني"، وصار تعميمه إلزامياً على الآخرين، تحت مسمى "التعايش". حتى تلك الدرجة، يقلل ابتذال الرموز والإكثار من استخدامها من معناها فعلاً. لكن، وربما بعد ذلك، وبدون فهم معاني "التجربة الدينية"، وبدون خلفية علمية، لا يعود التذمر من حوادث المؤمنين إلا شكلاً من أشكال الفوقية، النابعة غالباً من سلوك يشبه سلوك المنتمين إلى عادات طبقة وسطى متكلفة (حتى من دون اعتراف أصحاب هذا السلوك أو وعيهم بأن السخرية من تمثال العذراء وهو يرشح زيتاً هو سلوك عدائي). بالتالي، يجب قبول/ تقبّل التجارب الدينية، مثلما يتوجب على المتدينين أيضاً أن يقبلوا التاريخ.

هذا الجانب لم يحضر في النقاش بتاتاً. حتى الذين أصرّوا على اعتبار حادثة الاعتداء على خادم المسجد حادثة فردية، أعربوا عن خوفهم من تحوّلها إلى مسألة جماعة ضدّ جماعة. وهذا يعني في النهاية، أن المسألة جماعية، مهما بلغت درجة محاولة إنكار طابعها الجماعاتي.

وبين إبراهيم بن أدهم، الصوفي القادم من أفغانستان، والبحارة الذين أخذوا قسطاً من الراحة في المسجد الذي يحمل اسمه، وبين تاريخ جبيل الممتد من الفينيقيين إلى المماليك وصولاً إلى الوقت الحالي، لا يكفي اختزال التاريخ بعبارة تستسهل النخب الحاكمة إطلاقها لحماية مصالح آنية: "حادث فردي".

داخل المسجد التابع للأوقاف السنّية في لبنان، يهدأ التاريخ، كما لو أن الجماعات تتركه في حاله قليلاً. لا يصل تلاطم الأمواج إلى الجالسين في المحراب، كي لا يفرط المحبّ في تخيلاته، أو يبالغ المهووس بالتراث في تصور المشهد.

إلى الشمال، طريق ضيّق يقود إلى مصلّى النساء، وهو أصغر بكثير من مصلّى الرجال، كما درجت العادة في التقليد الديني، حيث يسيطر الذكور على الحيّز العام. لكن صدر المسجد يبقى وديعاً، وهو عبارة عن مساحة كاملة لا تتفرّع منها زوايا، كما هي العادة في المساجد الكبيرة. هذه المساحة تتفيأ بسقف متوسط نسبياً، لا يميل إلى الارتفاع كثيراً عن الأرض، تجمعها أعمدة تتكاتف مع بعضها البعض في صورة القناطر.

بلا أي شك، يشعر المؤمنون بالسكينة وهم يوجهون أبصارهم نحو القبلة، رغم وجود شبابيك في الحائط المواجه. الشبابيك تحتاج إلى ترميم، لأنها عبارة في النهاية عن ثقبين ضخمين في الجدار. ثقبان أشبه بالماضي والحاضر. الماضي الذي يحتاج إلى ترميم، والحاضر العنيف الذي لا يمانع اقتلاع التاريخ من أساسه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard