"قد يتعرضون حتى للتحقيق لو رسموا ما يخالف سياسة الدولة"... الكاريكاتير السياسي في الخليج

الاثنين 16 نوفمبر 202002:37 م
Read in English:

The Dangers of Political Caricatures in the Arab Gulf

يعبّر الكاريكاتير عادة عن المشكلات والظواهر السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية داخل المجتمعات، فيتناول القضايا من وجهة نظر ساخرة أو مضحكة، ولكن في دول الخليج هناك العديد من الموضوعات التي هي في عداد الخطوط الحمراء وخصوصاً السياسية منها. فحلال على فناني الكاريكاتير الخليجيين أن يتناولوا قضايا سياسية  في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، في الصين أو اليابان ولكن ليس في بلدانهم أو البلدان المحيطة بهم. فلماذا يا ترى؟

خطوط حمراء

قوانين وأعراف وسياسات المؤسسات الإعلامية تحكم الكاريكاتير السياسي،  "لا توجد موضوعات سیاسیة دون عواقب قانونية او أمنية إلا إذا المعني ھو لسان حال المؤسسة الرسمیة في الدولة، وهذا لیس محصوراً بالموضوعات السیاسیة فقط، فثمة حدود وخطوط حمراء عديدة (بعضها وردي) تحرسھا السلطات الرسمیة والأھلیة أیضاً بشتى ھیئاتھا ونفوذھا في المجتمع وعلى فنان الكاريكاتير أن یدرك ذلك لیرسم حدوده ودائرة نقده بقدر 'اللیاقة' التي یتمتع بھا، وأن یكون لدیه الاستعداد لممارستھا دون أن یھلك"، هكذا وصف فنان الكاريكاتير البحريني خالد الهاشمي الوضع في الخليج في حديثه لرصيف22.

قوانين وأعراف وسياسات المؤسسات الإعلامية تحكم الكاريكاتير السياسي.

وأضاف: "كثیراً ما تحجر تلك الخطوط والمحرمات مكاناً ضیقاً للرسم والنقد ولیس ذلك حكراً على الموضوعات السیاسیة بحكم قسوة العواقب التي قد یتعرض لھا الفنان جراء خروجه على تلك الخطوط والموانع، فثمة عقلیات متزمتة، وتحدیداً العقليات ذات المیول الدینیة التي باتت تحكم الفضاءات الاجتماعية باستبداد وتنمّر ورفض للآخر ولكل أشكال النقد، تساهم في التسلط وقمع حریة الفنان أيضاً".

ويرى الهاشمي أن المجتمعات الخليجية لیست متقدمة في مجال حریة التعبير والنقد، ويتابع: "ربما شھدت انحداراً على ھذا المستوى بالمقارنة مع الفترات السابقة، لذلك أصبح حضور الكاريكاتير في الجانب السياسي سواء المحلي أو الخلیجي خجولاً ومتواضعاً، وغالباً ما یكون منحازاً للمؤسسة الرسمية في الصحافة، هذا بالإضافة لحزمة قوانین النشر والتعبير التي تتضمن هوامش جانبیة مجحفة من السھل، وبشكل كیدي وربما قانوني أيضاً، أن یتم تحویرھا ضد الفنان لیدفع ثمنها غالياً".

أما فنان الكاريكاتير الكويتي بدر بن غيث فتحدث لرصيف22 عن الخطوط الحمراء، قائلاً: "الخط الأحمر هو خط وهمي، زرعه المجتمع في عقلية الفنان وبالتالي دائماً  يخشى الفنان ملاحقته أو محاسبته، وهذا الخط الوهمي، غير الموجود، على كل فنان أن يتغلب عليه بخفة ريشته، فأحياناً هناك نصوص قانونية تجرم الانتقاد أو رسم لشخصية أو موضوع معين، ولكن الفنان الذكي يتغلب على هذا التجريم بالإبداع، أما الخط الأخلاقي، فمن المفترض أن الفنان يعي أن ما يقدمه من رسومات يجب أن يكون لمصلحة المجتمع وليس لعمل شرخ في المجتمع أو تهديم المجتمع، أو أيضاً، وهو الأهم، أن لا يخرج عن المبادئ التي يؤمن بها".

ويختلف معهما فنان الكاريكاتير السعودي ماهر عاشور الذي يرى في حديث لرصيف22 "أن الكاريكاتير السياسي تحديداً لا يناسب طبيعة شخصية الإنسان  العربي العاطفية، أما الموضوعات السياسية التي يمكن تناولها فهي المواضيع الدولية العامة التي تتماشى مع سياسة الدولة التي ينتمي لها الفنان، فبإمكانه التطرق لكل القضايا الدولية العامة سواء المرتبطة بسياسة الدول الداخلية أو الخارجية ".

ويعتقد عاشور بأنه في الوطن العربي بشكل عام "أكثر فناني الكاريكاتير العرب والخليجيين يعتمدون في رسوماتهم على ما هو مقبول ويتماشى مع سياسة الدولة التي ينتمون لها، فهم يعرفون أنهم قد يتعرضون للإيقاف والمساءلة وحتى التحقيق لو رسموا ما يخالف ذلك".

وتعتقد فنانة الكاريكاتير البحرينية سارة القائد أن الوضع معقد خليجياً، وتضيف في حديث لرصيف22: "الكاريكاتير السياسي مرتبط بالمزاج السياسي العام، والفنان يعتمد على التخمينات، فمن الممكن أن يُنتج عملاً فنياً ويُفهم بطريقة أخرى، فهناك رقابة الأنظمة ورقابة الجمهور".

التطبيع مع إسرائيل

بعد موجة التطبيع الخليجي مع إسرائيل، خصصت القائد العديد من الأعمال لنقد هذه الخطوة بموقف واضح وصريح: "لا للتطبيع" رغم أن ذلك لا يتناسب مع توجهات الدولة. تقول: "لا أستطيع تحمل الفكرة، تربيت في منزل يهتم جداً بالقضية الفلسطينية، فصور القضية موجودة في المدرسة وأيام الانتفاضة وصورة محمد الدرة، كما أن أول كاريكاتير رسمته كان لعائلة السموني 2009/2010 التي قُتلت في ذلك الوقت، فالقضية الفلسطينية بالنسبة إلي ليست قضية تُرسم في المناسبات، إنما هي موضوع معاصر والمظالم موجودة، ووحشيتها تزداد كل يوم، ومع الأسف الأنظمة تنبطح كل يوم أكثر فأكثر، حتى وصلنا للتطبيع".

وأضافت: "أنا خائفة من محو الذاكرة البصرية، لذلك سعيت لإنتاج المزيد منها، كم دليلاً تريد الأنظمة لرفض الشعب؟ ففي المستقبل سيقرأ الناس التاريخ وأريد أن يروا موقفنا واضحاً. أهدي هذه الأعمال لكل الأرواح التي استشهدت وتشردت، يجب أن يكون الصوت الرافض للتطبيع موجوداً دائماً، يجب أن لا نقول نعم ولا نميّع الموضوع، هناك الكثير لتقديمه للقضية الفلسطينية من جوانب عدة وكثيرة مهما كلف الأمر".

سارة لا تؤمن بالحرية المطلقة، فهناك ما تمتنع عن تناوله في أعمالها السياسية، وتتابع: "لا أرسم إيحاءات جنسية، انتقد إسرائيل، ولكنني لا انتقد الديانة اليهودية بالضرورة، انتقد ممارسات المسلمين أحياناً لأنني مسلمة، كما أن الرقابة الذاتية تجبرني أحياناً على حذف بعض الأعمال لأنه يمكن أن تُفهم بطريقة معينة، بالإضافة إلى أن هناك حدوداً أمنية واجتماعية ودينية حسب التوقيت والقصة والموضوع".

يعبّر الكاريكاتير عادة عن المشكلات والظواهر السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية داخل المجتمعات، فيتناول القضايا من وجهة نظر ساخرة أو مضحكة، ولكن في دول الخليج هناك العديد من الموضوعات التي هي في عداد الخطوط الحمراء وخصوصاً السياسية منها

ويلفت فنان الكاريكاتير العُماني فهد الزدجالي إلى أن هناك هامش حرية لا بأس به لدى فنان الكاريكاتير، ويتابع: "بخلاف الصحافي الذي يصور ويصيغ الخبر بشكل جاد وموضوعي، مما يحتم عليه الالتزام بسياسات صحيفته، لدى رسام الكاريكاتير هامش أكبر من الحرية، كونه ينقل فكرة أو تصوره لأزمة ما بشكل ساخر وأقل جدية في أحيان أخرى، مما يتيح له الالتفاف حول الموانع والمحرمات، إنّ صح التعبير".

ويواصل الزدجالي: "الواقع الصحافي في الخليج والقوانين المرتبطة به في حاجة إلى انفتاح أكثر وزيادة في هامش الحرية، وما ينطبق على الصحافة ينعكس على رسم الكاريكاتير، كونه أحد أركان الفنون الصحافية، ومادة مهمة في أي صحيفة كانت، فواقع حرية الصحافة في الخليج ينعكس أيضاً على رسام الكاريكاتير ودوره في نقل تصوره حول أزمة أو قضية ما، ولكن برأيي أقل حدة من العمل الصحافي الجاد وأكثر مرونة منه، كما أن لدى فنان الكاريكاتير سُبلاً أُخرى لعرض أفكاره عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها متنفس وفضاء واسع لا تربطه الكثير من القيود".


ما هي أهم الموضوعات؟

الصراعات الطائفية، الصراع على السلطة، الفقر والفساد هي موضوعات عامة وتعانيها أغلب الدول العربية والخليجية، فما الذي يجذب فنانيّ الكاريكاتير الخليجيين؟ 

أجاب بن غيث إنه دائماً يبحث عن الموضوعات ذات الطابع الإنساني، أو القضايا المحلية التي تتشابه مع القضايا الدولية، وأضاف: "المواضيع السياسية المحلية تتطرق في بعض الأحيان لزوايا مختلفة عن القضية الأساسية أو الأبعاد التي اعتادها المتلقي، لذلك أبحث عن زاوية جديدة أو بعد جديد في عالم السياسة".

وقالت القائد: "يهمني تناول تفاصيل المجتمع وقضاياه، هكذا بدأت والدراسة ساعدتني وأحببت الكاريكاتير أكثر مع الممارسة، تثيرني موضوعات كالحاكم والمنطقة المتنازع عليها، والديكتاتور والشعب الراضي بحكمه. الرسم يضع الأمور بوضوح أمامي، ليس بالضرورة أن تكتمل الصورة".

وتُثير الهاشمي الموضوعات التي تصدر عن غباء أو غرور سياسي في التعامل مع الأحداث، حسب تعبيره، ويضيف: "شخصیاً أھتم بالموضوعات التي تتعلق بھموم الناس والإنسان بعیداً عن النرجسية السیاسیة للأفراد أو الأحزاب. وتستفزني كثیراً السلوكيات التي تسيء إلى عقل وكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية في الحياة، وتحديداً حینما تكون بھدف تعزیز سلطة أو ھیمنة الفرد أو الفئة أو الفكر الواحد، وأميل لتناول الموضوعات التي تتميز بالشمولیة وتتجاوز حدودھا الجغرافية الضيقة بمعنى أن یكون مداھا أوسع وأشمل، تحدیداً كتلك المتعلقة بقدر الإنسان والإنسانیة".

ويتابع: "ھناك فیض ھائل من الموضوعات في المجال السیاسي في وطننا العربي المتھالك والمتناقض، وفي نھایة المطاف الرسام ھو المعني في التعامل مع تلك الموضوعات حسب وجھة نظره إن كان حُراً طبعاً، أما إذا كان مغلوباً على أمره وموظفاً كأداة للمؤسسة الصحافية أو السیاسیة، فلا شك أن أعماله ستكون إعلانات دعائیة للسیاسة الرسمیة التي تحكم انتاجه، ولا شيء أسوأ من التقلبات المنافقة في السیاسة العربیة". 

ويشير الزدجالي إلى أن الوضع السياسي في العالم مليء بالأحداث والموضوعات والأزمات الشائكة التي تثيره لرسمها، ويضيف: "والتي خلفت وراءها أزمات إنسانية تؤلم القلب ويندى لها الجبين، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، دون أن ننسى الوضع الإنساني في اليمن وليبيا وسوريا أزمة الروهينغا وغيرها من الأزمات الانسانية التي خلفتها الحروب وسياسات التصادم والاضطهاد، إضافة إلى قضايا ومواضيع أخرى كالحروب الباردة ذات الطابع الاقتصادي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين من جهة وروسيا من جهة أخرى". 

"ھناك فیض ھائل من الموضوعات في المجال السیاسي في وطننا العربي المتھالك والمتناقض، وفي نھایة المطاف الرسام ھو المعني في التعامل مع تلك الموضوعات حسب وجھة نظره إن كان حُراً طبعاً، أما إذا كان مغلوباً على أمره وموظفاً كأداة للمؤسسة الصحافية أو السیاسیة، فلا شك أن أعماله ستكون إعلانات دعائیة للسیاسة الرسمیة"

أما فنان الكاريكاتير البحريني علي البزّاز فيقول: "في بلداننا كل شيء مرتبط بالسياسة بشكل مباشر أو غير مباشر، لذلك مهما كان المجال الذي تتناوله في رسمك فهو يلامس السياسة بشكل ما، ولو أردنا التخصيص، فمشكلة التخلّف السياسي في البلدان العربية هي من أهم الموضوعات التي يتناولها الرسام، هذا بالإضافة للقضية الفلسطينية وقضايا الاحتراب السياسي والطائفي الدائر على أكثر من بقعة من عالمنا العربي".

ويضيف: "لا يمكن للفنان أن يغض الطرف عما يدور حوله من قضايا، لا سيما إذا ما كان يرى فيما يقوم به شكلاً من أشكال التعبير عن واقعه ومحيطه. ولكن يمكن أن تكون للفنان حرية تبني قضية ما لم تنل حظها من الاهتمام بغية لفت أنظار المعنيين والمجتمع إليها".

لا يتفق البزّاز أن "أي عمل إبداعي هو عمل سياسي" ويقول: "كرسام كاريكاتير أنا مجرد مراقب ومعلق على الحدث، لا صانع له أو مؤثر مباشر فيه، قد يحدث أن يثير رسم ما أزمة سياسية، أو قضية ما، لكنه بالعادة يتحرك من خلف الكواليس".

"ھناك تجارب جادة وجدیرة للمرأة في التعامل مع الشأن السیاسي في الخلیج، وستفرض حضورھا في المستقبل القریب، كما أن الانفتاح التكنولوجي والنشر الإعلامي قد أفسحا مجالاً أوسع للمرأة للمساھمة بفعالیة في الشأن العام، وھذا ما سنشھده في الفترة المقبلة"

المرأة والكاريكاتير السياسي

سارة القائد هي من فنانات الكاريكاتير القلائل في الخليج، ومن القلة التي ترسم الكاريكاتير السياسي. تقول: "رغم أن الرجال يسيطرون على عالم الكاريكاتير في الخليج والعالم العربي، لم أر نفسي شخصاً مختلفاً عنهم منذ أن بدأت الرسم".

أما الهاشمي فيُرجع الحضور المتواضع للمرأة في الكاریكاتیر إلى أنه "جزء من الواقع الثقافي والاجتماعي العام في المنطقة العربیة"، ويضيف: "رغم ذلك ھناك تجارب جادة وجدیرة للمرأة في التعامل مع الشأن السیاسي في الخلیج، وستفرض حضورھا في المستقبل القریب، كما أن الانفتاح التكنولوجي والنشر الإعلامي قد أفسحا مجالاً أوسع للمرأة للمساھمة بفعالیة في الشأن العام، وھذا ما سنشھده في الفترة المقبلة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard