"هيبة تخوّلهم خرق كل قانون"... ردود أفعال أردنية على الفيديوهات العنيفة بعد الانتخابات البرلمانية

الجمعة 13 نوفمبر 202004:04 م

"الهدف مرصود والرشاش جاهز، حضروا الأكفان ودوها الجنايز، اسأل الميدان عن أهل المعاجز دقت الساعة للحرب الضروس يوم خضناها ندرسهم دروس"، هذه بعض ما جاء في كلمات أغنية "الهدف مرصود" أضيفت لفيديو "احتفالي" على طريقة "الفيديو كليب" بعد نتائج انتخابات مجلس النواب الأردني، مساء الأربعاء الماضي. في الفيديو المدرج به صوت الأغنية يظهر أنصار لمرشح "انتصر" في السباق الانتخابي، بعضهم ملثم والغالبية يحملون الرشاشات وأجسادهم خارج نوافذ سيارات.

إن السيارات التي ظهرت في الفيديو، ربما لم تكمل مشهد "عمق" أغنية "الهدف مرصود"، وحالت دون إعطاء "الفيديو كليب" سمة "الكمال"، على أن تكون المدرعات فيه بدلاً من السيارات، "فالهدف مرصود والرشاش جاهز"، وما على المشاهد إلا أن "يحضر الأكفان"، أكفان من؟ لا نعلم!


وبالرغم من تدفق فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي في الأردن، بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية ظهرت فيها كل أشكال المخالفات على قرار حظر التجول الذي "فرضته" الحكومة الأردنية مساء انتهاء الانتخابات يوم الثلاثاء الماضي، تمثلت بتجمعات احتفالية، وإطلاق عيارات نارية، إلا أن فيديو "الهدف مرصود" كان الأكثر تداولاً من قبل أردنيين/ات، والأكثر تساؤلاً حول من أين تأتي تلك الممارسات ذات "الفكر" و"الهوى" الدمويين؟ أسئلة يجيب عنها مختصون في هذا التقرير.

وقبل أجوبة المختصين، فمن شاهد الفيديوهات التي انتشرت، رأى كيف أنها كشفت الستار عن اعتقاد "يعشعش" في عقول أردنيين/ات أنهم/ن فوق الدولة، وفوق القانون، ولا أحد يستطيع أن يهزم "سطوتهم/ن"، فـ"الرشاش جاهز".


لا شك أن الأصوات التي استنكرت فيديوهات التجمعات وإطلاق العيارات النارية، كانت أصواتاً أردنية عالية، وطالبت بمحاسبة المرشحين الذين فازوا في الانتخابات قبل محاسبة أنصارهم الذين مارسوا مخالفات أمنية، ووقائية، ولم تتوقف تلك الأصوات إلا بعد تدخل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الذي كتب عبر تويتر مساء أمس: "المظاهر المؤسفة التي شهدناها من البعض بعد العملية الانتخابية، خرق واضح للقانون، وتعدٍّ على سلامة وصحة المجتمع، ولا تعبر عن الوعي الحقيقي للغالبية العظمى من مواطنينا في جميع محافظات الوطن الغالي، نحن دولة قانون، والقانون يطبق على الجميع ولا استثناء لأحد".

وما إن غرد العاهل الأردني، حتى بدأت حالة تشبه حالة الطوارئ سواء من قبل الحكومة أو من الأجهزة الأمنية، كان أولها تقديم وزير الداخلية توفيق الحلالمة استقالته، وقبولها. تم الإعلان عنها خلال مؤتمر صحافي للحكومة، قال رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة فيه: "لا قول بعد قول جلالة الملك، ونحن دولة قانون ودولة مؤسسات ودولة دستور".


وحالما انتهى المؤتمر الصحافي باشرت الأجهزة الأمنية، وفق بيان لمديرية الأمن العام وصل رصيف22 نسخة منه، حملة مكثفة لإلقاء القبض على الأشخاص الذين ظهروا في الفيديوهات وهم يطلقون الأعيرة النارية، ويحملون أسلحة أوتوماتكية، وممن تم إلقاء القبض عليهم والد الطفل الذي ظهر في مقطع الفيديو وهو يطلق الرصاص، كما شملت الحملات الأمنية إحالة المرشحين الفائزين الذين جرت المخالفات الأمنية في احتفالات انتصارهم إلى الحكام الإداريين.

بالرغ من تدفق الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي في الأردن، بعد إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية والتي ظهرت فيها كل أشكال المخالفات على قرار حظر التجول، تمثلت بتجمعات احتفالية، وإطلاق عيارات نارية، إلا أن فيديو "الهدف مرصود" كان الأكثر تداولاً

"أستغرب من المستغربين!"

في سياق متصل، قال لرصيف22 المحامي عمر العطعوط تعليقاً على المشهد الأردني خلال اليومين الماضيين: "ماذا تتوقعين أن يحدث بعد إجراء انتخابات؟ كان من المفترض عدم إجرائها في ظل وضع وبائي خطير. فلماذا نمسك العصا من النصف ونتوقف عند المخالفات بعد العملية الانتخابية ولا نمسك طرف العصا وهو الإصرار على إجراء الانتخابات في هذا الوضع الحساس؟".

"المشهد من أوله خطأ"، يضيف العطعوط، سواء في إجراء الانتخابات في وقت تقفز نسب الوفيات والإصابات بفيروس كورونا إلى أرقام مرعبة، أو ما جرى خلال العملية الانتخابية من شراء أصوات من قبل مرشحين "استغلوا الوضع الاقتصادي المرهق الذي يعانيه الأردنيون/ات"، وما تلا انتهاء الانتخابات من مظاهر عنف وشغب وخرق للقانون، ويقول: "أستغرب من المستغربين!".

انظري في عيون من كان يطلقون الأعيرة النارية ويحملون أسلحة أوتوماتيكية، يقول العطعوط، ويتابع: "كانت العيون غير خائفة، بل واثقة ومتباهية، الأمر الذي كشف عن عجز الدولة في فرض سيادة القانون على كل مناطق المملكة".

واعتبر أن خطوة استقالة وزير الداخلية جيدة، لكن الأهم من ذلك "كيف ستتعامل الدولة مع النواب الجدد الذين منحوا الضوء الأخضر لأنصارهم في ممارسة العنف والشغب؟"، لافتاً إلى أن ما يشاع حالياً بأن النواب الجدد يحملون حصانة النائب هو أمر خاطئ، "فحسب الدستور الأردني في مادته 86 لا حصانة للنائب قبل إجراء الدورة العادية لمجلس النواب".


واستنكر خطوة التعامل الأمني مع أولئك النواب من خلال إحالتهم إلى الحاكم الإداري بـ"حجة" مخالفات أوامر قانون الدفاع الذي يمنع إقامة التجمعات، فبحسب قوله: "تلك الخطوة غير رادعة وعقابية بالشكل الكافي، فبإحالتهم إلى الحكام الإداريين من السهل الخروج بكفالة دفع غرامة، الأَولى معاقبتهم وفق المادة 68 من قانون العقوبات الأردني بتهمة التجمهر غير المشروع الذي يعرض السلامة العامة للخطر".

ما تعليقك أن من خالفوا القانون سيشرعون قوانين تحت قبة البرلمان؟ سألت المحامي العطعوط في ختام الحديث معه، وأجاب: "في ظل انتخابات في مثل هذه الظروف من غير المفاجئ أن تكون نتيجتها نواباً يخرقون القانون، ومن يتوقع عكس ذلك فهو واهم، وأكرر ما زلت مستغرباً من المستغربين!".


"إنّ أخطر ما تكشف عنه الفيديوهات التي انتشرت، أن من حملوا الأسلحة وأطلقوا العيارات النارية كانوا كأنهم يوجهون رسالة للدولة بأننا موجودون ولا أحد يقوى علينا"

"تتوفر لديهم أسلحة أوتوماتكية"

وعلق أخصائي علم الاجتماع، الدكتور حسين الخزاعي في حديثه مع رصيف22 على مشاهد العنف والشغب التي جرت بعد انتهاء الانتخابات، بقوله: "من مارسوا تلك السلوكيات ضاربين بالقوانين عرض الحائط، يعتقدون أن الفوز النيابي يمنحهم الهيبة، هيبة تخولهم خرق كل قانون، وهو ما ظهر واضحاً في تفاصيل الفيديوهات التي كشفت عن أن من أطلقوا العيارات النارية تتوفر لديهم أسلحة أوتوماتكية ويستخدمونها بشكل حرفي".

واعتبر الخزاعي في قراءته التحليلية لمشاهد الفيديوهات أنها جاءت بمثابة: "ردود فعل على من فاز بالانتخابات ومن لم يفز، فالانتخابات الحالية كان فيها مرشحون كثر من نفس العائلة أو العشيرة، وعدم فوز أحد منهم مقابل فوز مرشح من عائلة أو عشيرة أخرى يصبح خصما، لهم، الأمر الذي زاد من حدة الفوضى خلال اليومين الماضيين، وبرر ممارسة أعمال العنف والشغب".

"هناك أشخاص ليست لديهم ثقافة تقبل عدم الفوز"، يقول الدكتور الخزاعي، ويختم: "لكن أخطر ما تكشف عنه الفيديوهات التي انتشرت، أن من حملوا الأسلحة وأطلقوا العيارات النارية كانوا كأنهم يوجهون رسالة للدولة بأننا موجودون ولا أحد يقوى علينا"، أو نحن هنا "خاوة" مثل هذا الفيديو.


يبدو أن من لديهم فكرة أن فوز مرشحهم في الانتخابات يمنحهم "الهيبة" كما ذكر الخزاعي، لا تقتصر هيبتهم على الدولة وعلى القانون، بل أيضاً على نائبهم الذي فاز، مثل مقطع فيديو جرى تداوله لمرشح فاز بالانتخابات خلال مهرجان احتفالي بفوزه رغم حظر التجول "المفروض"، قال فيه لأنصاره: "إذا سمحتوا اللي بحب أبو  حديد سألته بالله ما يطخ"، ليرد عليه أحد أنصاره بإطلاق العيارات النارية على وقع متتالٍ، ويجيبه المرشح: "الله يفظح عرضك!".


اليوم، ونحن على أعتاب العام 2021 ما تزال آفة إطلاق العيارات النارية في الأردن حاضرة، والسلاح "صاحياً"، تذكرت عبارة عند كتابة هذا التقرير قالها العاهل الأردني قبل حوالى ستة أعوام في العام 2015: "ستُتخذ الإجراءات بحق مطلق العيارات النارية... حتى لو كان ابني!"، هل تذكرها الملك وهو يغرد أمس؟ ربما إذا تذكرها كان حاله يشبه ما جاء في هذا البيت: "لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي!".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard