"دائرة الفساد اكتملت تماماً"... أصوات "مبكرة" تدعو لمقاطعة الانتخابات البرلمانية الأردنية

الاثنين 10 أغسطس 202001:52 م

هل اتخاذ موقف المقاطعة من المشاركة في الانتخابات جاء مستعجلاً أو فيه شيء من الحكم المسبق الظالم؟ ما الذي أوصل الشارع الأردني إلى حالة اللاثقة التي ازدادت عمقاً اليوم؟ وهل من المعقول ألا يكون هناك بصيص أمل للتغيير، أو حتى التعويل بأن يكون مجلس النواب المقبل يحاكي صوت الشعب؟ هل فقدنا الأمل؟ ألن نردد عبارتنا الشهيرة: قف على ناصية الحلم وقاتل؟

أسئلة طرحتها خلال إعدادي لهذا التقرير على ناشطين/ات سياسيين/ات ومنخرطين/ات في الشأن العام الأردني. لم تأت تلك الأسئلة مبكرة، ذلك لأن الأصوات التي تطالب اليوم بمقاطعة الانتخابات البرلمانية الأردنية المقبلة هي التي جاءت مبكرة، لكنها مبررة بحسب آراء من أجريت معهم/ن المقابلات، والتي تبرهن الحالة في الشارع الأردني اليوم الذي تجاوز مرحلة انعدام الثقة بالنخب السياسية ووصلت لمرحلة اليأس، أو كما يقال: "مسحوا إيديهم منهم".

هل من المعقول ألا يكون هناك بصيص أمل للتغيير، أو حتى التعويل بأن يكون مجلس النواب المقبل يحاكي صوت الشعب؟ هل فقدنا الأمل؟ ألن نردد عبارتنا الشهيرة: قف على ناصية الحلم وقاتل؟

وكان الأردن قد أعلن قبل أيام، عن موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة والتي ستكون في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، وما إن شاع الخبر حتى بدأت دعوات مقاطعة الانتخابات تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي، ذات المواقع التي تعجّ منذ أكثر من أسبوعين بقضية تشغل هم الشارع الأردني، وهي قضية نقابة المعلمين. فلا الوقت ولا حالة الخذلان بسبب ما حصل بحق المعلمين، ولا سياسة القمع المتفشية بحق ناشطين/ات والاعتقالات، يشجعون على المشاركة بانتخابات لمجلس يفترض أنه يمثل الشعب، بحسب آراء المتحدثين/ات لرصيف22.

"ليست حالة شعبية جديدة"

الكاتب والمحلل السياسي مالك عثامنة، يعلق في حديثه لرصيف22 عن سبب قرع جرس مقاطعة الانتخابات المقبلة مبكراً، بقوله: "دعوات مقاطعة الانتخابات ليست حالة أردنية شعبية جديدة، ولم يخل المشهد السياسي منها في الانتخابات السابقة، لكن الجديد هذه المرة هو في نوعية المعطيات التي كشفت حالة الهزال السياسي، بل حتى مرحلة فقر الدم في الدولة الأردنية، وأعني هنا الدولة ككيان للكل، وليس المفهوم المختطف من قبل النخب التي تحكم وتتحكم بالمشهد".

وأضاف عثامنة: "هناك أيضاً صراع قوى في تلك النخب السياسية، التي تقاطعت مصالحها والآن وصلت مرحلة التضارب، ما جعلنا نشهد عروض تصفيات حساب قد تلقي بظلالها على الانتخابات، أما عن حالة اللاثقة بأي مجلس نواب قادم فقد وصلت حدوداً غير مسبوقة، واليأس من أي تغيير أصبح شعوراً غالباً عند الجميع، بسبب فقر الدم في الدولة كما ذكرت، وإفلاس النخب المتصارعة على المصالح، إفلاساً يجعلها غير قادرة فعلياً على أن تنتج أي تغيير".

وختم بنبرة حزينة: "نحن واقعياً أمام حائط اليأس... دائرة الفساد اكتملت تماماً".

ما إن شاع خبر الانتخابات، حتى بدأت دعوات المقاطعة، تزامناً مع اشتعال قضية نقابة المعلمين. فلا الوقت ولا حالة الخذلان بسبب ما حصل بحق المعلمين، ولا سياسة القمع المتفشية بحق ناشطين/ات والاعتقالات، يشجعون على المشاركة بالانتخابات، حسب متحدثين لرصيف22

"سياسة قمع متفشية"

فيما يصف الناشط الشبابي محمد الزواهرة، مسألة تصفية الحسابات التي يرجّح أنها ستكون حاضرة في الانتخابات المقبلة بقوة، والتي ذكرها عثامنة، بقراءة أعمق إحباطاً، فهي حسب وجهة نظره، كما جاء في حديثه لرصيف22: "مثلبة، وكنت أتمنى أن يتم تأجيلها للعام المقبل"، ويفسر ذلك قائلاً: "اليوم هناك حالة إحباط لدى النشطاء والأحزاب على ضوء سياسة القمع المتفشية مؤخراً، والتي وصلت لحلّ اتحادات طلابية واستدعاءات أمنية لنشطاء واعتقالات، ناهيك عن قضية نقابة المعلمين وحلّها واعتقال مجلسها، كل ذلك يبرر الإحباط من كل ما هو قادم، مثل الانتخابات".

ويضيف: "فضلاً عما مرّ به الأردنيون من تأثيرات اقتصادية ونفسية خلال فترة كورونا، والتوسع باستخدام قانون الدفاع، سيكون هناك حضور قوي آخر للمثلبة، حيث سيتم فتح الباب على مصراعيه للمال السياسي خلال الانتخابات المقبلة، وأعتقد أن أغلب المرشحين سيكونون من رجال الأعمال وليس من السياسيين والحزبيين".

"لا ألوم من سيقاطع الانتخابات"، يقول الناشط الزواهرة، ويضيف: "حالة اللاثقة بصناع القرار أصبحت تتعمق لجملة طويلة من الأسباب، لوعود نكثتها الحكومة تتعلق بالإصلاح السياسي والاقتصادي، لقبضة أمنية تصبح كل يوم أشد ولقمع للحريات"، ويختم: "لا أميل لمقاطعة الانتخابات، كونه استحقاقاً دستورياً، لكن من المستحيل أن ألوم من سيقاطعها".

"أجواء تسودها اعتقالات"

محمد العبسي، ناشط حزبي، يعرب عن استغرابه من إجراء انتخابات برلمانية في ظل المناخ الذي يعيشه الشارع الأردني اليوم، فأي انتخابات، كما يقول لرصيف22، يجب أن "تحدث في أجواء تسمح بإجرائها، ليس في أجواء تسودها اعتقالات واسعة لناشطين ولمعلمين، ولإغلاق واحدة من أكبر النقابات المهنية في الأردنية، والتي خرجت أصلاً من رحم مطالب حراكية على مدار أعوام. ما هو المناخ الذي يسمح بإجراء انتخابات في ظل تعدٍّ واضح على حرية الصحافة والحريات العامة، وتجريم صحافيين وناشطين يحملون خطاباً خارجاً عن عباءة الدولة؟".

واعتبر العبسي أن مقاطعة الانتخابات والدعوة لها ليست مبكرة، بل هي تسجيل موقف سياسي إزاء ما يحدث من كل ما يهز مفهوم الديمقراطية اليوم في الأردن، ناهيك عن "القرصة" التي سببها مجلس النواب الحالي، الذي بحسب وصفه لم يمثل الحد الأدنى للصوت الشعبي، وذلك لتمريره قوانين رُفضت شعبياً، مستشهداً: "مجلس النواب الحالي مورست عليه إملاءات من قبل الحكومة، مسّت هيبته وتعدت على صلاحياته التشريعية، عندما فرضت عليه إقرار قوانين رفضها الشعب مراراً، مثل قانون الموازنة. يكفي أنه حتى اتفاقية الغاز مع إسرائيل، والتي رفضها مجلس النواب بالإجماع، كانت صوتاً بلا تنفيذ من قبل الحكومة التي كسرت هيبة وصلاحية النواب وأقرتها".

"يكفي أنه حتى اتفاقية الغاز مع إسرائيل، والتي رفضها مجلس النواب بالإجماع، كانت صوتاً بلا تنفيذ من قبل الحكومة التي كسرت هيبة وصلاحية النواب وأقرتها"

"حالة انعدام ثقة"

وفي حديث مع الناشطة ديما الخرابشة، عادت لمرحلة قبل مقاطعة الانتخابات المقبلة، وذلك إلى دعوات الشارع الأردني برحيل مجلس النواب الحالي، الذي "غيّب نفسه عن دوره الحقيقي في تمثيل صوت الشعب، هذا مثلاً يبرر حالة انعدام الثقة بكل ما هو قادم من قبل الشارع، ويعكس العلاقة المشحونة بين الطرفين"، تقول لرصيف22.

ويبدو أن رأي ديما يتفق مع فكرة "تصفية الحسابات" ومصطلح "المثلبة" التي قد تكون عناوين بارزة في الانتخابات المقبلة، حيث أعربت عن "سخريتها السوداء" من قرار إجراء انتخابات برلمانية مقبلة، في ذات اليوم الذي دعا فيه رؤساء فروع نقابة المعلمين الموقوف عملها إلى تنفيذ وقفة احتجاجية، وبعد يوم من قرار حل نقابة المعلمين، اعتقال مجلسها وقرار منع النشر في قضية المعلمين، وتقول: "إعلان موعد انتخابات برلمانية تزامن مع تضامن شعبي أردني مع مجلس نقابي يشعر أنه يمثله أكثر من أي مجلس نيابي".

وتتوقع الخرابشة أنه "سيكون من الصعب الحصول على نسبة مشاركة عالية للانتخابات البرلمانية، بعد حركات الاحتجاج التي تنفذ منذ أسبوعين في المحافظات الأردنية تضامناً مع المعلم، كما أن دعوات المقاطعة هي شكل من أشكال الرد على ما مورس بحق المعلمين من قبل الدولة"، وتختم متسائلة: "هل أخذت الدولة بعين الاعتبار أن المعلم الذي قمعته اليوم هو جزء أساسي في المشاركة في الانتخابات؟ هل تعتقد الدولة أنها قادرة على إجراء انتخابات في ظل هذه الحالة الملتهبة؟".

وأظهرت نتائج استطلاع أجراه مركز "راصد" لمراقبة الانتخابات، وصل لرصيف22 نسخة منه يوم الأحد الماضي، أن عدد النواب الحاليين الذين ينوون الترشح للانتخابات المقبلة وصل إلى 97 نائباً، وفيما يتعلق بتقييم النواب في مجلس النواب الحالي، كشف الاستطلاع أن 12%من النواب يرون أن أداء المجلس الحالي كان ممتازاً، وكان رأي 48% من النواب أن أداء المجلس كان جيداً، و31% يرون أنه كان متوسطاً، و9% يرون أنه كان ضعيفاً.

وفي استطلاع للرأي العام أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية مؤرخاً، كشف أن 50% من عينة الاستطلاع لن يشاركوا بالانتخابات المقبلة، وكشف أن مجلس النواب الحالي لا يحظى بثقة المواطنين وأن 15% فقط يثقون به.

سواء كانت تصفية حسابات من قبل نخب سياسية أو مثلبة أو حتى "مجاكرة"، هي عناوين انتخابات مجلس النواب المقبلة، لا أحد يستطيع أن يغمض عينيه عما هو واضح في الحالة النفسية الشعبية الأردنية "المتعبة" من كل شيء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard