الذين أتوا إلى صلاة الفجر بكّروا من أجل طوابير الحليب... ولونه أسود

الجمعة 13 نوفمبر 202004:00 م

شخصيّاً لا أميل إلى الحليب. ولولا أنّي أخشى أن تُقاطعه بناتي بسبب مقاطعتي له لما شربته. هل درسنا خلفيّة ميل الطّفل العربيّ إلى مشروبات الكبار، مثل القهوة والشّاي، أكثر من الحليب الذّي يُفترض أن يكون مشروبه المفضّل؟

أرى أنّ التّربية الخاطئة القائمة على تعيير الطّفل بطفولته هي المسؤولة عن ذلك، بحيث يتفادى كلّ ما يجعله يبدو صغيراً، فيتعاطى مشروبات الكبار في مقابل زهده في مشروبات الصّغار، حتّى يبدو كبيراً في العيون.

إنّنا لا ننتهك طفولة الأطفال؛ في الفضاء العربيّ، من خلال العنف اللّفظي والجسديّ فقط، ولنا في هذا الباب من العنف قاموس يندى له جبين الإنسانية، بل أيضاً من خلال احتقار الطّفولة بصفتها زمناً نفسيّاً وفكريّاً وسلوكيّاً، بما يدفع طفلنا إلى محاولة التّعالي عن طقوسها، حتّى لا يُتّهم بكونه ساذجاً وناقصاً وسطحيّاً وبليداً.

وتكتمل أركان الانتهاك بتوريطه المبكِّر في السّؤال الدّينيّ عوضاً عن السّؤال الإنسانيّ والطّفوليّ. فطفلنا ينشأ عارفاً عن الآخرة ما لا يعرفه عن الحياة. نحن نضربه لأنّه ترك الصّلاة التّي لم يكلِّفه بها الله الذّي رفع عنه القلم، لكنّنا نُقابل تخريبَه لشجرة أو إيذاءَه لحيوان أو شتمَه لإنسان بالضّحك واعتبار فعلِه ذاك من علامات النّضج.

من هنا قلتُ إنّني تجاوزت عدم ميلي الشّخصيّ للحليب؛ لأجل ألّا تفعل بناتي مثلي، ويفوتهنّ ما للحليب من فوائدَ ومزايا صحيّةٍ، خاصّةً في أعمارهنّ المحتاجة إلى نظام غذائيٍّ خاصٍّ، حتّى يحصّلن النّموّ المطلوب؛ معتمداً حيلاً مدروسة تحبّبه إليهنّ، من ذلك إبداء الاستمتاع به أثناء شربه، واشتراط حصولهنّ على هدايا وخدمات معيّنة مقابل المواظبة على شربه.

إنّني لا أومن بثقافة المثقّف وأبوّة الأب إذا كان لا يُراعي الجوانب الصّحيّة لصغاره، فيبرمجهم بنباهة وذكاء على ما ينفعهم ويجعلهم أسوياءَ صحّيّاً.

اصطحبتُ أسرتي إلى الشاطئ، فالتقيت صديقاً مثقّفاً له كتب وحضور في المشهدين الثّقافيّ والإعلاميّ، فراح يعيث انتقاداً لسياسة الرّئيس وحكومته، بينما كانت عيناي موجّهتين إلى ولده البكر الذّي لم يتجاوز سنُّه الرّابعة عشرة، مع وزن يكاد يبلغ القنطار، فقلت له: الرّئيس وحكومته جديران بالانتقاد، لكن ليس من طرف أبٍ ترك ولده يتحوّل إلى برميل.

أطرف  السّلوكيات النّاتجة عن أزمة الحليب أنّ المساجد الجزائريّة لم تعد تعاني خلوَّ صفوفها من المصلّين أثناء صلاة الفجر، حتّى أنّ إماماً خصّص أوّل خطبةٍ لتثمين هذا الإقبال أنّ الجزائريّ بدأ يتصالح مع ربّه بعد أن تصالح مع ذاته، في ظلّ وباء كوفيد 19

كنت اشتريت كمّية لا بأس بها من الحليب، حتّى لا أضطرّ إلى الخروج باكراً من أجله، ففاتني أن ألمس ندرته الطّارئة في الأسواق. ولولا فضولي الذّي دفعني إلى أن أسأل عن طبيعة الطّوابير التّي بتّ أراها أمام المحالِّ الموزِّعة له لما عرفت أنّ هناك أزمة حليب في الجمهوريّة الجزائريّة الدّيمقراطيّة الشّعبيّة، خاصّةً أنّني لم أعد أقرأ الجرائد، عموميّةً كانت أم خاصّةً، بسبب أنّ العموميّة منها أمست خاصّةً من حيث أنّها تُسيَّر بمزاج المدراء الذّين يتصرّفون على أساس أنّها ملكيّة شخصيّة، فيوظّفون فيها من أرادوا ويستبعدون من أرادوا.

والخاصّة منها أمست في حكم العموميّة، بحيث نقف كقراء ينفقون عليها من أموالهم الخاصّة على تصرّفات لم نتعوّد عليها إلّا في الصّحافة العموميّة من قبيل أنّ القائم على هذه الجريدة الخاصّة أو تلك يُخصِّص الصّفحة الأولى لكتابه أو نشاطه بعنوان بارز مع عناوين فرعيّة، على أساس أنّ كتابه أو نشاطه حدث عظيم على غرار خلوّ الأسواق من الحليب مثلاً.

لذلك كلِّه لم أنتبه إلى أنّ هناك إنساناً جزائريّاً ظلّ يعاني، منذ مدّة، انسحابَ مادّة ضروريّة من مائدته. وإن حضرتْ فبِشقّ الكيس والنّفس.

هنا لا تلوموني على تحريف العبارة المتوارثة بإضافة الكيس للنّفس، لأنّه ـ أعني الكيس ـ فرض نفسه فباتت له أهمّيّة لا تقلّ عن أهمّيّة النّفس، حتّى أنّه بات جائزاً لنا أن نقول إنّ من تدبّر كيسَ حليبٍ فقد أحيا نفساً.

أحياناً تقفز بعض الأمور التّي كنّا نراها تافهةً إلى مستوى من الأهمّيّة والاهتمام لا يخطر على البال. فضلات الطّيور مثلاً، كانت في المرحلة التّي انتشر فيها فيروس أنفلونزا الطّيور أكثر تناولاً بالحديث والحذر والحيرة إلى آخر الحاءات من القمح والأرز اللّذين هما مناط الغذاء العالميّ أصلاً. واليوم بات كيس الحليب يحظى بالاهتمام نفسِه مقارنة بأيّ كيس آخر بما في ذلك كيس السّميد.

نقلتُ الأمر من باب الفضول، في المسنجر، إلى أكثر من صديق عربيّ، فوجدت أنّ كيس الحليب بات عزيزاً في معظم الدّول العربيّة وليس في الجزائر فقط، فداهمتني نخبة من الأسئلة، مثل قطيع من الوعول الفارّة من قطيعِ أسودٍ، علماً أنّ هذا النّوع من الأسئلة يُحيل صاحبه على الحيرة أكثر ممّا يُحيله على إجابات تأخذ بيده إلى الفهم والوقوف على الحقائق.

من تلك الأسئلة، ما معنى أن تعجز دولة مضى على استقلالها نصفُ قرن من الزّمن، عن توفير الحليب لمواطنيها، علماً أنّها دولة زراعيّة أصلاً، ويُفترض بها أن تكون مصدّرة له؟ ماذا لو صحونا صباحاً فوجدنا أنّ عدد سكّاننا قد بلغ ما بلغته الصّين والهند؟

أتوقّع أن يكون الحلّ الجاهز الذّي تلجأ إليه بعض الحكومات العربيّة هو إعدام أو تهجير ثلثي السّكّان، عوضاً عن الاستثمار الزّراعيّ، مثلما فعلت الهند والصّين اللّتان لم تكتفيا بتحقيق الاكتفاء الذّاتيّ فقط، بل صارتا في طليعة الدّول المصدّرة أيضاً.

ومن المعروف أنّ لكلّ أزمة إنتاجَها من القيم والسّلوكيات والظّواهر، فيها السّلبيّ وفيها الإيجابيّ، لذلك فقد رحت ـ بعد أن اكتشفت أنّ هناك أزمة حقيقيّة في مادّة الحليب المعروف علميّاً بأنّه غذاء كامل، وعربيّاً في بعض المستويات الشّعبيّة بأنّه غذاء وحيد، والفرق واضح طبعاً ـ أتأمّل بعض التصرّفات التي أنتجتها هذه الأزمة التّي تزامنت مع "خرجات" السّيّد الوزير الأوّل إلى الولايات، وهي "خرجات" يمكن أن نجعل لها عنواناً كبيراً هو: "بلادنا بخير وعلينا أن نحمد السّماء عليه."

لولا فضولي الذّي دفعني إلى أن أسأل عن طبيعة الطّوابير التّي بتّ أراها أمام المحالِّ الموزِّعة له لما عرفت أنّ هناك أزمة حليب في الجمهوريّة الجزائريّة الدّيمقراطيّة الشّعبيّة، خاصّةً أنّني لم أعد أقرأ الجرائد 

وطبعاً هو العنوان الذّي اعتمدته تلفزتنا الموقّرة في نشراتها التّي غيّرت ديكورها لكنّها لم تغيّر تفكيرها، وما ينبغي لها أن تفعل ذلك. وأطرف هذه السّلوكيات النّاتجة عن أزمة الحليب أنّ المساجد الجزائريّة لم تعد تعاني خلوَّ صفوفها من المصلّين أثناء صلاة الفجر، حتّى أنّ إماماً في شرق العاصمة خصّص أوّل خطبةٍ، بعد عودة صلاة الجمعة بسبب الغلق الذّي فرضه الحجر، لتثمين هذا الإقبال الذّي راح يعطيه أكثر من دلالة منها أنّ الجزائريّ بدأ يتصالح مع ربّه بعد أن تصالح مع ذاته، في ظلّ وباء كوفيد 19.

والمؤكَّد ـ أضاف الإمام الذّكيّ ـ أنّ الإنسان حين يصالح ذاته يصل بالضّرورة إلى المصالحة مع الذّات العليا التّي ترجع إليها الأمور، فقام شابّ يبدو أنّه صريح ولا يحبّ الغباء قائلاً للإمام: يا شيخ. هؤلاء الذّين باتوا يأتون إلى صلاة الفجر بكّروا أصلاً من أجل طوابير الحليب، فلم يجد الإمام ما يقول للشّاب وقد نسف خطبته من أساسها سوى: اخرجْ من المسجد. فقد بطلتْ جمعتك لأنّك تكلّمت أثناء إلقاء الخطبة. ومن تكلّم فقد لغا ومن لغا فلا صلاة له!

فخرج الشّابّ وهو يصيح: ما الفرق إذن بينك وبين رئيس الحكومة وهو يجيب على تدخّلات المعارضين من نوّاب البرلمان؟ أين سنذهب نحن الغلابى وقد أصبح للفساد من يبرّره باسم الأرض والسّماء معاً؟

لا أحد ينكر روح الدّعابة التّي بات يتمتّع بها الشّابّ الجزائريّ اليوم، رغم أنّه خرّيج من زمن العنف، ومقيم في زمن التّقشّف. والأمر يحتاج إلى دراسة معمّقة في هذا الخصوص. فقد حضرتُ مجلساً لمجموعة من الشّباب لعب فيه أحدهم دور الصّحفيّ الذّي يقدّم حصّة "من يربح المليون"، بحيث يطرح سؤالاً على المشاركين، والذًي يجيب صحيحاً يتحصّل على كيس حليب من غير طابور أو وسيط.

كان عنوان الحصّة "من يربح كيس الحليب؟"، وقد كان السّؤال المعجز: ما لون الحليب؟ ولأنّ المشاركين جزائريّون، فقد مثّلوا كونهم قد نسوا لون الحليب لطول مدّة ندرته من السّوق.

قال الأوّل: "أظنّ أنّ لونه أحمر قياساً على لون الدّم، لأنني بالأمس سقطت في الطّابور، فسالت ركبتي بالدّماء." وقال الثّاني: "أفضّل الاستعانة بصديقي عن طريق الهاتف؛ ألو موح! (تصغير لاسم محمّد في اللّجهة الشّعبيّة الجزائريّة)... معك حصة من يربح كيس الحليب، والسّؤال هو ما لون الحليب؟"

تلعثم موح في الهاتف وقال لصاحبه: "تعلم أنّني لم أشارك في الثّورة التحريرية، خلال خمسينيات القرن العشرين، حيث كان الحليب متوفّراً للثّوّار في الجبال، أمّا اليوم حيث أعيش فهو مقطوع منذ مدّة وأنا لا أذكر لونَه"، فلم يجد الشّابّ المشارك بدّاً من المغامرة بأن اختار من الألوان المقترحة عليه من طرف المقدّم اللونَ الأسود.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard