"أساتذتنا في الجامعة بيعاملونا كإننا في سوق الجواري"

الخميس 12 نوفمبر 202004:41 م

"ساعات يد من أغلى الماركات، عطور، وشيكولاتات وربما مداعبات جنسية"، ولنترك القوس مفتوحة، قائمة لا تنته من الهدايا "الإجبارية" – الرشوة- التي تفرضها فئة من أساتذة بالجامعات المصرية على طلابهم جلبها،  يقول طلاب أنها ظاهرة متفشية في الجامعات الحكومية والخاصة، في حين يصر أساتذة ومسؤولون أنها تمثل "قلة فاسدة، ولم ترق إلى مستوى الظاهرة بعد"، في ظل غياب لآلية الرقابة والمحاسبة القانونية.

بعملية بحث بسيطة عبر الإنترنت تجد عشرات الأخبار عن مخالفات ورشىً مادية وجنسية لأساتذة مثل "عزل أستاذ جامعي دعا الطالبات لمنزله" بجامعة سوهاج، وآخر تم عزله للسبب نفسه في بنها وغيرها الكثير، ما دفعنا لتقصّي ذلك الأمر.

"تلميحات جنسية وكلام مقرف"

مخالفات عديدة ارتكبها ذلك الأستاذ الجامعي، الذي تحكي لنا عنه، ريهام غريب وهي صحافية مصرية من محافظة الإسكندرية، درست بكلية الآداب في جامعتها، تقول: "كان عندنا دكتور، ما بيدخلش البنات الكيرفي والمليانة محاضرته، اللي كانت الساعة 8 الصبح، ومن 7 ونص كان بيحضر، ويدخل القاعة، ويفرز البنات اللي داخلة كأننا في سوق جواري".

"الأستاذ المتصابي في السبعين من عمره، لم يكتف بذلك"، تضيف ريهام لرصيف22: "كان بيتكلم بطريقة قذرة على جسمنا، وإنّ البنت دي حلوة مقلوظة وهتتجوز بسرعة عشان جسمها حلو، أنا كان جسمي منبسطاً بلا كيرف، وبلبس واسع، وحجاب كبير وقتها، كنت أنا وبنت مخطوبة مغضوب علينا وقعد تيرم كامل يلمح لنا تلميحات جنسية، وكلامه مقرف غير إنه اتحرش ببنت من قسم تاني بيدرسله".

"كان عندنا دكتور، ما بيدخلش البنات الكيرفي والمليانة محاضرته، اللي كانت الساعة 8 الصبح، ومن 7 ونص كان بيحضر، ويدخل القاعة، ويفرز البنات اللي داخلة كأننا في سوق جواري"

كانت تجاوزات الأستاذ العجوز على مرأى ومسمع من عميد الكلية، تقول ريهام: "أسقطني في مادته على درجتين في تيرم دراسي، كنت جايبة في كل المواد امتياز، أخدت البنات، وطلعت للعميد نقدم شكوى، قال إحنا عارفين كل حاجة بس ده كان أستاذي، وأنا في سنكم، مش هقدر آخد إجراء ضده لأنه يقدر يشيلني من منصبي".

علم وقتها أستاذها العجوز بشكواها للعميد، فتنصل من مقابلتها على مدار أسبوع كامل كانت تذهب لمكتبه في الصباح، وتنتظره حتى انتهاء الدوام، لتبحث معه أسباب رسوبها بمادته. تقول: "قالي هو أنا يعني قاصد أسقطك ولا هتطلعي تشتكيني للعميد"، وتؤكد إنها لم تنجح في مادته إلا حينما درستها بالصيف مع أستاذ آخر.

"إدفع عشان تنجح"

أما أحمد محمد اسم مستعار (25 عاماً)، خريج إحدى الجامعات التي رفض التصريح باسمها فيقول إن مشرفة مشروعهم طلبت منهم أن يجلبوا هدايا للأساتذة الذين سيناقشونهم، وروداً وشيكولاتة وحلوى وأطعمة أخرى، فدفع كل فرد في الدفعة ما يقارب الـ150 جنيهاً ثم فوجئوا أن الأطعمة المشتراة من أردأ الأنواع التي لا تتكلف في النهاية عُشر ما دفعه الطلبة، ولم تكن لجنة التحكيم سوى 4 أفراد فقط، لكن اللجنة جاملت باقي الأساتذة زملائهم وجلبوا بأموال الدفعة هدايا لهم، والتي وصلت إلى خمسة آلاف جنيه آنذاك.

لم يتردد أحمد ثانية أن يدفع معهم لأنه كان يريد أن ينهي دراسته بأي ثمن بسبب إرهاقهم نفسياً له في مشروع التخرج، يقول لرصيف22: "والله لو قالولي بيع كليتك كنت عملتها، آخر شهرين دول حرفيًا كنت مستعد أعمل أي حاجة وأخلص من الكلية بقرفها".

شيرين السيد، اسم مستعار (30 عاماً)، متخرجة من كلية الآداب جامعة الأسكندرية، قالت إنها درست تحت يد أستاذ جامعي كان أقصى تقدير لمادته هو "مقبول"، ومن ينجح بها هم الطلبة الذين يجلبون له الهدايا.

وفي السنة النهائية لهم بالجامعة، والتي تزامنت لحظهم السيىء مع ثورة يناير 2011، وكان أستاذهم من أنصار الحزب الوطني "حزب الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك"، الذي أسقطته الثورة، فكان كارهاً لدفعتهم ورافضاً لنجاحهم حتى أنه أقر كتاباً ثالثاً لمادته التي كانت من كتابين فقط.

تقول شيرين: "صممت أنا وصاحبتي، هننجح يعني هننجح، جيبناله هدايا غالية وقتها، هدية صاحبتي مثلا كانت من مكان غالي عندنا في اسكندرية وتتجاوز الألف جنيه وقتها (حوالي 166 دولاراً أمريكياً بأسعار عام 2011)، وكانت المرة الأولى طول 4 سنين نجيب فيها تقدير امتياز في المادتين بتوعه، رغم إننا كنا بنذاكر بنفس القدر اللي بنذاكر بيه طول السنين دي، ومكناش بنجيب غير مقبول".

"صممت أنا وصاحبتي، حننجح يعني حننجح، جيبناله هدايا غالية".

برغم ثراء ذلك الأستاذ، فهو بحسب شيرين يملك سيارة مرسيدس، لكنه كان يشترط هدايا بعينها كوجبات طعام من مطاعم يحبها، وعرفت أن طلابه في الماجستير والدكتوراه ينجحون بالطريقة ذاتها بفضل الهدايا ليحصلوا على أعلى تقدير.

ومن آداب الإسكندرية إلى هندسة حلوان، حيث "يطلب أحد الأساتذة من طلبته في كل عام هدية مختلفة"، تقول أسماء (اسم مستعار)، وفي سنة تخرجهم عام 2008 طلب من دفعتها هدية بمنتهى "البجاحة"، وهي ساعة يد من ماركة باهظة، وعطراً باهظاً أيضاً، وتقول "بالفعل جلبنا له ما طلبه".

للسبب ذاته الذي قاله آخرون، الذين اشترطوا إخفاء هويتهم لخوفهم من ملاحقات أساتذتهم، بحجة أن "نفوذهم في البلد واسع"، مؤكدين أن الضغط الزائد عليهم في ختام دراستهم يجعلهم يوافقون على أي طلب، تقول أسماء: "عشان كنا عايزين نتخرج ونخلص، كنا بنصرف كتير على مشروع التخرج، والهدايا كانت تتخطى الـ4 آلاف جنيه، وقتها نظرنا للموضوع أننا نريد أن ننتهي من الكلية وقرفها".

"لا يمثلون العمل الجامعي"

جهود عديدة بُذلت من أجل وضع ميثاق شرف أخلاقي عام على مستوى الجامعات المصرية، ورغم أن دكتور حسام عبد الغفار المتحدث باسم التعليم العالي في مصر، أكد لرصيف22 أنه مؤخراً تم اعتماد ميثاق شرف عام من المجلس الأعلى للجامعات، وأن تلقي الهدايا ليس منصوصاً عليه في قانون تنظيم الجامعات، ويتم الرجوع إلى قانون الخدمة المدنية فيه. وشدد على أن ما يحدث "ليس ظاهرة وهم فئة قليلة لا تمثل العمل الجامعي".

لكن الدكتور محمد كمال، أستاذ فلسفة الأخلاق بجامعة كفر الشيخ، والمتحدث السابق باسم أعضاء هيئة التدريس نفى وجود الميثاق، مؤكداً أن قانون تنظيم الجامعات تحدث عن تلقي الهدايا أو الرشى بأنواعها، فعضو هيئة التدريس هو موظف بالحكومة المصرية، وممنوع عليه أخذ الهدايا من الطلاب، وفقاً لقانون الخدمة المدنية، ووفقاً لقانون تنظيم الجامعات. فمواد 96 و103 و104 و110 تحدد القيم الأخلاقية للأستاذ الجامعي، وتشدد على عدم قبول الهدايا المقترنة بأدائه لوظيفته، وعدم التمسك بها يؤدي لعقابه.

"قدمت هدية غالية لأستاذي في الجامعة عشان أنجح، ولو قالوا لي بيع كليتك كنت حابيعها، عشان أخلص من الجامعة وقرفها"

ويرى كمال أنه لا بد من التمييز بين الهدايا الرمزية بدافع الامتنان والأخرى ذات القيمة المرتفعة، حتى لا يحدث تداخل، فمثلاً إذا جلب الطلاب بإرادتهم شيكولاتة أو مصحفاً أو ورداً لأستاذهم، فذلك لا يجرمه القانون.

ويروي موقفاً طريفاً عن مريض أراد أن يشكر الطبيب بمستشفى قصر العيني، فجلب له بطة محمرة وآخر جلب حماماً مشويا وثالث جلب "سمك الفسيخ". ورغم أن كل ذلك يندرج تحت بند الهدايا بقانون الخدمة المدنية، لكن طالما بعدما أدى وظيفته، ولم تكن شرطاً لأدائها فلا جريمة بها، أما إذا كانت الهدية باهظة الثمن، مثل شيكولاتة من النوع السويسري ذي الألف جنيه، أو ساعات أو غيرها حتى الطلبات الجنسية فهي تعتبر رشوة، وإذا كانت الهدايا بطلب مباشر أو غير مباشر من الأستاذ، فهي أيضاً رشوة، ويمنعها القانون، وقد تصل عقوبته الجنائية للسجن من 3 لـ 15 عاماً، وعقوبة إدارية بفصله من الجامعة، وإذا كانت الهدية قبل الامتحان أو قبل إعلان النتيجة، مقابلاً للوعد بشيء فهي جريمة.

"يخالفون القانون عن جهل"

يقوم كمال بتدريس مادة "آداب وأخلاقيات المهنة في العمل الجامعي" بمراكز تنمية القدرات لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية، وهي مادة اختيارية رغم أهميتها، ويرى أن بعض الأستاذة الجامعيين "يخالفون ميثاق الشرف عن جهل وليس عن عمد".

ويرى د. طه أبو حسين، أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة القاهرة، إن ما يفعله هؤلاء الأستاذة "هو قلة دين وأخلاق وتربية"، ويصف أساتذة الجامعات الحكومية بأنهم الأكثر حباً واحتراماً للمهنة، ويعملون في ظروف غاية في السوء، فحينما يخطىء أحدهم يتعرض لعقاب رادع.

"ما يفعله هؤلاء الأساتذة قلة أخلاق".

ويضيف أبو حسين أن "من يطلب رشوة سواء مادية أو جنسية ليس بسبب وظيفته، ولكن لكونه إنساناً ضميره فاسد"، مضيفاً "اللي عنده دين وشرف ما بيغلطش"، لافتاً إلى أن أستاذ الجامعة موقفه حساس و"ثوبه أبيض، لكن يتم تلويثه مع أول نقطة خطأ، فهو ليس عليه رقيب إلا ضميره".

وينهي أبو حسين حديثه، قائلاً: " أستاذ الجامعة يقدر يسقط طالب 20 سنة في مادته، محدش يقدر يقول له حاجة، أو يحاسبه، ولا إنت بتعمل كده ليه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard