أدار البحرين طوال نصف قرن... رحيل أقدم رئيس وزراء عربي خليفة بن سلمان

الخميس 12 نوفمبر 202010:54 ص

توفي الأمير خليفة بن سلمان (85 عاماً)، في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر، في مستشفى مايو كلينيك بالولايات المتحدة الأمريكية، عقب عام كامل من ابتعاده عن ممارسة مهامه الرسمية كرئيس لوزراء البحرين، وهو المنصب الذي شغله على مدار خمسين عاماً، كثاني أقدم رئيس وزراء في العالم بعد سلطان بروناي حسن البلقية الذي يشغل نفس المنصب منذ 53 عاماً، تاركاً البلاد في حداد رسمي لمدة أسبوع.

رحل بن سلمان بعد صراع طويل مع المرض، إذ قضى السنة الأخيرة من حياته متنقلاً بين مستشفيات في البحرين وألمانيا وأخيراً الولايات المتحدة، مخلفاً حزناً وكذلك آمالاً وتمنيات، في بلد يعيش عدم استقرار سياسي واقتصادي خلال السنوات التسع الأخيرة.

كان الأمير خليفة حاضراً قوياً في تفاصيل يوميات الدولة، عارفاً ومتابعاً للقضايا العامة والشخصية، بذاكرته القوية. فماذا يعني غيابه بعد نصف قرن من رئاسته للحكومة؟

بعد ساعات من إعلان خبر الوفاة، عيّن ملك البلاد حمد بن عيسى آل خليفة نجله وولي عهده ونائب القائد الأعلى، النائب الأول لرئيس الوزراء الأمير سلمان بن حمد رئيساً لمجلس الوزراء، خلفاً لعمّه الأمير الراحل. ويُعرف عن رئيس الوزراء الجديد أنه سعى إلى تأسيس مجلس التنمية الاقتصادية، ووضع رؤية 2030، بالإضافة إلى سياساته الاقتصادية النيوليبرالية.

فراغ بعد 50 عاماً من الحكم

"غياب رئيس الوزراء خسارة كبيرة للبحرين، فهو باني نهضة البحرين الحديثة، إذ تولى رئاسة مجلس الدولة قبل الاستقلال وأدار ملف عروبة البحرين بجدارة بعد أن طالبت بها إيران"، يقول النائب الأول لرئيس مجلس الشورى جمال فخرو لرصيف22، مضيفاً: "حتماً، غيابه بعد إدارته للدولة على مدى 50 عاماً سيترك فراغاً كبيراً".

تختلف نظرة البحرينيين للأمير الراحل. يشير الصحافي البحريني مصعب الشيخ إلى أن "حكومة البحرين بقيادة خليفة بن سلمان آل خليفة أجادت منذ عقود طويلة معالجة الملفات المعيشية ومنها التعليمية والصحية والإسكانية، وحصد رئيس الوزراء في العقود الأخيرة باسم الحكومة والبحرين جوائز عالمية في التنمية البشرية وقضايا السلام العالمي، بوجود فريق حكومي متكامل مشارك في عملية التنمية، أبرز أفراده هو نائبه الأول، رئيس الوزراء الحالي، ولي العهد سلمان بن حمد آل خليفة".

برأي الشيخ، فإن خليفة بن سلمان "أرسى أعمدة التطوير والنهضة ونقل خبراته المكتسبة عبر السنين إلى فريق العمل الحكومي المتكامل، وإلى الصف القيادي الثاني، كما أرسى قواعد مهمة في العلاقة بين الشعب والحكومة، على رأسها سياسة الباب المفتوح والشفافية، من خلال ديوان الرقابة المالية والإدارية والمجالس والزيارات الميدانية ووسائل الإعلام وقنوات التواصل الحديثة، مؤكداً على مفاهيم المواطنة الصالحة والوحدة الوطنية".

ويضيف لرصيف22: "جميع هذه المؤسسات والوسائل منظّمة ومفعّلة، تمارس عملها بانسيابية، كل في اختصاصه، وتنشط تحت مظلة الرؤية الاقتصادية للبحرين 2030 لولي العهد (رئيس الوزراء المكلف)، وسرعان ما اندمجت جميع الوزارات والهيئات الرسمية ضمن إطار هذه الرؤية التي أكدت على التنمية البشرية الشاملة وتوفير سبل الحياة الكريمة للمواطنين".

شغل منصب رئيس وزراء البحرين على مدار خمسين عاماً، كثاني أقدم رئيس وزراء في العالم بعد سلطان بروناي حسن البلقية الذي يشغل نفس المنصب منذ 53 عاماً... رحيل رئيس وزراء البحرين خليفة بن سلمان

في المقابل، هنالك شرائح غير قليلة من المجتمع تنظر بسلبية إلى فترة حكمه. يتهم الناشط الحقوقي علي عبد الإمام خليفة بن سلمان بالسرقة والفساد، ويقول لرصيف22: "كضحية من ضحايا الأجهزة الأمنية التي كان خليفة بن سلمان يديرها ومسؤولاً عنها، يُعتبر رحيله قبل عرضه على محاكمة عادلة تنصف الضحايا عن كل الجرائم والانتهاكات التي وقعت تحت إدارته، وعن كل السرقات والفساد الذي كانت تغطيه مظلة رئاسة الوزراء، هضماً لحق الضحايا في الحصول على العدالة والإنصاف".

ويضيف الناشط البحريني المقيم في العاصمة البريطانية لندن: "كمواطن بحريني، ما يهمّني هو أن يتقدّم بلدي، وأن تسود الحرية والعدالة فيه، وهذا يستدعي التحوّل الديمقراطي الحقيقي تحت قاعدة ‘من حق الشعب أن يحكم نفسه بنفسه’ وأن يختار سلطته التشريعية، وأن يختار ويحاسب مَن يحكمه، وأن يكون هنالك قضاء عادل وصحافة حرة. كان خليفة في حياته مثل الجدار الناري الذي يمنع تمرير كل هذه المفاهيم وترسيخها في مؤسسات الدولة، ولا أعتقد أن رحيله قادر على إحداث تغيير في اتجاه التحوّل الديمقراطي".

مرحلة جديدة

"أعتقد أننا أمام مرحلة جديدة بكل آفاقها ومعطياتها ليس فقط على مستوى البحرين وإنما حتى على مستوى دول المنطقة الخليجية"، يقول النائب الأول لرئيس مجلس النواب عبد النبي سلمان في تعليقه على رحيل خليفة بن سلمان، ويضيف لرصيف22: "جيل المؤسسين أفل بالفعل مع رحيل سمو رئيس وزراء البحرين باعتباره أحد أقدم وأكبر زعماء المنطقة، لذلك من الصعب التفكير في أمر آخر ونحن نحاول أن نجيب على سؤال: ما المطلوب بعد رحيل الشيخ خليفة بن سلمان؟".

الآن، يدعو سلمان إلى "مزيد من الإصلاحات السياسية والدستورية، خاصة وأننا أمام تحديات غير مسبوقة إقليمياً وعالمياً، يبدو معها الوقوف بعيداً وكأننا غير معنيين بما يجري حولنا كضرب من عدم الاكتراث واللامبالاة، وفي الحقيقة نحن نحتاج في هذا الوقت بالتحديد كشعب وكبلد أن نحدد أولوياتنا للمستقبل مع انقضاء فترة هي الأطول في تاريخنا السياسي بكل ما حملته".

يرى البعض أنه "باني نهضة البحرين الحديثة" و"مدير ملف عروبة البحرين"، فيما يرى بعض آخر أنه كان "مسؤولاً عن انتهاكات الأجهزة الأمنية" "وجداراً يمنع التحوّل الديمقراطي في البحرين"... رحيل رئيس وزراء البحرين خليفة بن سلمان

ويرى النائب الأول لمجلس النواب أن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو "انفراط عَقد وحدتنا الوطنية في خضمّ هذه الظروف التي بدأ نذرها منذ فترة"، مضيفاً: "لن تغنينا أي تحالفات، مهما كانت، عن تحالفاتنا على المستوى الداخلي، فهي الحصانة الحقيقية للحفاظ على البلد ومستقبل شعبها، ولا بد من الجرأة والشجاعة في القرار والتفكير بعقل وروح منفتحة على الآخر والخروج من حالة الجمود السياسي نحو آفاق أرحب".

ويختم عبد النبي سلمان حديثه لرصيف22 بالقول: "تحتاج البحرين في ظل المتغيرات الجديدة إلى مشروع نهضوي شامل تلتف حوله مختلف القوى والتيارات لنرسم معاً المستقبل مستفيدين من إيجابيات وأخطاء وسقطات الماضي القريب والبعيد، ولنتذكّر ما أحدثه ميثاق العمل الوطني مطلع الألفية الجديدة من حالة نهوض كم تمنّينا أن تستمر وتنمو".

انتقال سلس للإدارة

ماذا بعد رحيل بن سلمان؟ يقول النائب الأول لرئيس مجلس الشورى جمال فخرو إن البحرين "ستشهد انتقالاً سلساً لإدارة الجهاز التنفيذي، فقد شارك ولي العهد، على مدى السنوات القريبة السابقة، رئيس الوزراء في إدارة الدولة ومجلس الوزراء وإنْ كان لكل منهما طريقته الخاصة في الإدارة".

ولكن هذا الانتقال لن يمرّ بدون تغيّرات في تركيبة السلطة. يرى رئيس منظمة سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان جواد فيروز أن "الملك سعى منذ توليه الحكم إلى توسعة نفوذ عائلته الخاصة الممثلة في أبنائه، لتولي مقاليد الحكم في المفاصل الرئيسية للدولة، وهي السلطة التنفيذية وقوة الدفاع والأجهزة الأمنية بمختلف مسمياتها، وتقليص صلاحيات عمه".

ويضيف لرصيف22: "تم تمكين ولي العهد سلمان بن حمد من شؤون مجلس الوزراء بحيث أصبح تدريجياً هو رئيس الوزراء الفعلي على مدى السنوات الأخيرة".

يصف فيروز تعيين ولي العهد رئيساً للوزراء بأنه "تفرّد الملك بالحكم المطلق بلا منازع بعد وفاة خليفة بن سلمان، وذلك لبسط نفوذهما التام على السلطة التنفيذية"، ويتابع: "ستكون أولى الخطوات في تشكيل الحكومة الجديدة إنهاء أي دور لرجال وأبناء وأحفاد خليفة بن سلمان في السلطة التنفيذية، ومركزتها في جناح الملك وأعوانه من جهة والفريق العامل مع ابنه ولي العهد ورئيس الوزراء من جهة أخرى".

ويضيف رئيس منظمة سلام: "مع هذا التعيين، أصبح الطريق ممهداً أمام ولي العهد لإثبات مدى جديته في تطبيق ما دوّنه في الرؤية الاقتصادية التي أطلقها في تشرين الأول/ أكتوبر 2008، ومن مضامينها تحقيق إصلاحات اقتصادية من خلال ثلاثة مبادئ رئيسية وهي الاستدامة والعدالة والتنافسية، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة ومنها ربط برنامج الحكومة بما يتماشى مع ركائز التنمية".

وبرأيه، "لا يمكن ضمان تحقيق أهداف الرؤية ولا التنمية المستدامة في ظل استمرار القمع السياسي والأزمة السياسية الراهنة"، لكنه يعتبر أن "الفرصة مواتية مجدداً لولي العهد ورئيس الوزراء للبدء بمرحلة جديدة من المصالحة الوطنية من خلال تبني مشروع إصلاحي شامل بدءاً بالإفراج عن قيادات المعارضة وبقية سجناء الرأي ومن ثم البدء بحوار وطني موسع يؤدي إلى توافق على حل الأزمات الراهنة وفي مقدمتها الأزمة السياسية، وما غير ذلك لن يؤدي إلى انتهاء مرحلة خليفة بن سلمان ولا إلى أي تغيير ملموس في الواقع المأزوم في المشهد البحريني".

يبقى خليفة بن سلمان شخصية مثيرة للجدل أمسكت بزمام السلطة على مدار أكثر من نصف قرن من الزمن، وتركت أثرها داخل وخارج البلاد، عبر الخوف أو الاحترام، حتى أنه في العام الماضي، وُلد أمل في أوساط المعارضة بفتح صفحة جديدة مع السلطة، بعد زيارته لأحد رجال الدين الشيعة المعارضين في البلاد، إلا أن هذا الأمل خاب سريعاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard