أصبح الإنكار مخدراً أرخص من غيره

السبت 7 نوفمبر 202001:23 م

كيف تتجاوزون الفترات الصعبة في حياتكم؟

لو كنا في ظروف أكثر اعتيادية، لكان هذا السؤال أكثر من طبيعي ولكن ماذا سيكون الجواب، عندما تكون مواطناً من الدرجة الثالثة أو أدنى قليلاً؟ أي أن تكون لبنانياً! وأنك تعيش، على قول زياد الرحباني، داخل أحداث "فيلم أميركي طويل"  متوارثاً الأزمات التي تعيد نفسها بنفسها.

 تخيّل عزيزي القارئ أنك تلعب لعبة "ماريو" لكنك تبدأ من المرحلة الأكثر صعوبة، وتبقى عالقاً هناك في مرحلة الوحش، أي قبل ثلاثين عاماً! لكن بالمعنى الأدق: أن تكون إنساناً عارياً من كل سبل العيش فتضطر لاستيلاد البديل بعشوائية كبيرة وفوضى أكبر، مجرداً من إنسانيتك، لأن الإنسان لا يكون إنساناً إذا جُرد من حقوقه وحاجاته.

 أذكر أول مرة، بكيت فيها بحرقة عندما كنت أتصفح أحد المواقع الإلكترونية التجارية، فبعد معاناة طويلة مع حلقة مفرغة من تناول نهم للطعام، وندم طويل، وانعدام الثقة والأمان، بت الآن أفرغ كل ذلك القهر بمشتريات عشوائية. 

لكن هذه المرة كان الأمر مختلفاً عند سؤالي عن سعر سوار ذهبي فكان الرد: "كيف حالك، أتمنى أن تكوني بخير!"، حينذاك لم أستطع إكمال المحادثة بل بكيت، بكيت كثيراً. لأنني للمرة الأولى بعد انفجار بيروت استطعت مواجهة نفسي: "كلا أنا لست بخير!"، لم أستطع البوح بهذه الجملة طوال الأشهر الثلاثة الماضية. كنت أحرك رأسي أو أحاول اصطناع شيء ما على شفتيّ أقل من ابتسامة وأكثر معنى من مجرد تحريك أبله لهما. كان الكلام أثقل مني، يفوق كيلوغراماتي الثمانين. عبث، لم يعد الكلام كافياً… ابتعدت وابتلعت الكلمات وساد صمت طويل... لعثمة في الكلام شرود ذهني طويل وآلام جسدية متواصلة.

 لم أستطع الهرب من حقيقة أننا نعيش في بقايا زريبة، ولم أستطع في أكثر الأوقات صفاءً أن أعرف سبب تشتتي وشعوري بالعزلة، أكان سببه انفجار بيروت الذي أودى بنا جثثاً باردة؟ أم الوضع الاقتصادي الرث الذي جعل نصف المواطنين شحاذين والنصف الآخر على قائمة الانتظار؟ وما بينهما قد امتهن الشحاذة عملاً أو كان مكافأة نهاية الخدمة؟ أم أن أزمة الكهرباء، المياه، المازوت، الحدود، الغاز، الضرائب، الطبابة، التعليم ونسيان حقوق المعوقين والمرأة والطفل وكل كائن يتنفس ولا يتنفس؟! 

يضحك صديق لي عندما أخبره بأن جريمة مرفأ بيروت كانت العنصر المفجر لمشاكلي النفسية، يقول لي: "لك ريم مشينا هلأ، شو إيمتى جيتي من سويسرا الشرق!؟".

أتساءل ما الذي يجعلنا زورقاً صغيراً محملاً بلاجئين لا نعرفهم، لا نحفظ ملامحهم، نغرق معاً، لكن: هم يعودون أشلاء مرتعشة وأحلاماً كبيرة لا تتجاوز عيشاً لائقاً بعيداً عن براميل الأسد وجبروت ميشال فر-عون! وانا أعود قطعاً خشبية جامدة، ليعيدوا ترميمي زورقاً محملاً بالمآسي البشرية المتجددة.  

أتساءل ما الذي يجعلنا زورقاً صغيراً محملاً بلاجئين لا نعرفهم، لا نحفظ ملامحهم، نغرق معاً، لكن: هم يعودون أشلاء مرتعشة وأحلاماً كبيرة لا تتجاوز عيشاً لائقاً بعيداً عن براميل الأسد وجبروت ميشال فر-عون! وأنا أعود قطعاً خشبية جامدة، ليعيدوا ترميمي زورقاً محملاً بالمآسي البشرية المتجددة

لن أخبركم عن عمل جهازنا النفسي، ولا عن أولوياتنا النفسية الدفاعية وكيف يصبح الإنكار (وهو واحد منها) تذكرتنا الذهبية للعدول عن كرنفال الجنون، وكيف يصبح مخدراً أرخص من غيره، إلا أن ثمنه يكون باهظاً على الصعيد النفسي بعد استهلاك طويل. كوكايين، "حشيش انكار" للبيع، حتى أن له وطأً خفيفاً على السمع، قد يصلح لأغنية أيضاً. 

إن كل حدث في العالم، يجب أن يقاس بتأثيره النفسي، والتغييرات التي أحدثها على تفكير كل فرد وشعوره. إلا أنني أعجز بصريح العبارة عن فهم ما يحدث هنا. لم أعد استطيع مجاراة الأحداث، أصرخ أحياناً أمام نشرة الأخبار: "عطونا بس دقيقة نفهم".

الآن فهمت  كيف يجلس أربعة ملايين شخص في ظروف غير طبيعية: يشاهدون التلفاز، يتشاجرون على مسلسل ما، على وجبة غداء ما، على خيانات الفراش وأحياناً يتذكرون جريمة المرفأ. يبدو أننا بحاجة لنظرية جديدة، علنا نفهم كمية العطب التي نحن فيها.

يداعبني خيالي. أترك له فسحة من ضوء، قد تضحكون لأن سعادتي الآن تكمن بانتظار شهر ديسمبر، لا بأس يمكننا إدخار بعض الأمل الطفولي كي نحيا، اتلهف لكعك الزنجبيل الساخن ممزوجاً ببعض من القرفة وكوب من الشوكولا الدافئة. فليكن كبيراً يتصاعد منه الدخان الأبيض اللطيف وعلى وجهه الكثير من الكريما المزينة. زمن طويل مرّ على دخان لا يذكرنا بالكارثة التي نحن فيها. الأضواء المفعمة بالحياة... كنزات الصوف الشتوية الملونة والقبعات المضحكة. ألواح الجبن واللحم المقدد وكأس النبيذ الحلو الذي يضفي قشعريرة خاصة بنكهة جنس دافئ، يليه ضحك لا ينتهي وتشابك الأيدي حتى الصباح. أملي أن أحيا حتى عيد الميلاد، أن لا أموت أو أميت نفسي. 

 أذكر صديقتي التي واجهت تهمة الجنون، تضحك كلما تخبرني أن هذه السلطة تحاول النيل من سلامتنا العقلية، بخرافة معلم التلحيم الذي بات نكتة أكثر منه مأساة تراجيدية متنقلة. يحاولون اقناعنا واتهامه بارتكاب الجريمة الكبرى!

اتلهف لكعك الزنجبيل الساخن ممزوجاً ببعض من القرفة وكوب من الشوكولا الدافئة. فليكن كبيراً يتصاعد منه الدخان الأبيض اللطيف وعلى وجهه الكثير من الكريما المزينة. زمن طويل مرّ على دخان لا يذكرنا بالكارثة التي نحن فيها

 لمن غادروا منا هذا الحفل الصاخب تاركين مقاعدهم شاغرة  في قلوبنا، لقد كان هذا العالم قاسياً، ولكن لو أنكم كسرتم نافذتكم لا لتهربوا، بل ليتسرب قليل من الضوء لربما سيكون هنالك متسع من الأمل. عندما يكون هناك متسع للكلمة، للصوت، للمشهد ما قبل الأخير، لرائحة دافئة،  لعناق طويل لا ينتهي، للبكاء ، للحب، للجنس، للذة وللحزن، للانكسار والالتحام: إذاً لا يزال هناك متسع للحياة بكل مشاهدها، ما دمنا نحاول.

للناجين من سلسلة صدمات مؤلمة وفقدان للمعنى، لضحايا كل رحيل أشبه بشظايا المرايا في العظام وكل خسارة معنوية، كونوا بخير.

للذين لا يزالون عاجزين عن تعريف الوحدة ولكنهم يعيشون تفاصيلها بين نوبات القلق والبكاء والخوف من كل فعل يتطلب أكثر من شخص. للذين يتفقدون هواتفهم كل دقيقة ويصارعون الانتظار لعل رسالة نصية فائضة أخطأت وجهتها، لم تكن الوحدة يوماً خياراً وبالتأكيد لستم الملامين.

للذين قرروا الصمت واتخذوا الجمود وجهاً لهم، للذين تحرقهم دموعهم فينتبهون أنهم يبكون. كل ما كان سبباً لتعبنا المزمن، الذي أنكرناه حتى ضاق بنا جسدنا وضاق بنا أملنا سيمر.وسيمر كل مر. سنحرر تعابير وجوهنا من جديد! وعلى الصحة السلامة، لأن هذا النظام قاتل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard