باسيل ومسؤولون لبنانيون متهمون... خلاف عائلي يتحوّل إلى دعوى فساد وتعذيب في أمريكا

الأربعاء 4 نوفمبر 202006:45 م

في وثيقة قضائية أمريكية، بتاريخ 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، يظهر اسم لارا سماحة وإيلي سماحة بصفة الادعاء، في مقابل أسماء كل من جبران باسيل وسليم جريصاتي وداني معكرون وزياد مكنى وبيتر جرمانوس وماجد بويز وأحمد ساسين ومنى باش منصور وألكسندر جورج منصور ورولي جورج منصور بصفة المدعى عليهم، أمام محكمة في ميامي في ولاية فلوريدا.

تحمل الوثيقة المكونة من 41 صفحة عنوان "شكوى تكميلية للادعاء"، وهي استكمال لدعوى بدأها كل من لارا وإيلي المقيمان في الولايات المتحدة عام 2017 ضد أفراد من عائلة لارا في لبنان لأسباب تتعلق بإرث تصل قيمته إلى ملايين الدولارات، وتوسعت لتطال سياسيين وأمنيين بتهم دعمهم لأفراد العائلة وصولاً إلى احتجاز لارا وإيلي أثناء زيارتهما للبنان وتعذيبهما للتنازل عن الدعوى، وفق ما يرد في مستندات القضاء الأمريكي.

كيف بدأت القضية؟

بدأت القضية عام 2017، حين توفيت في لبنان إيفلين منصور ثم توفي شقيقها جورج منصور، وتركا وراءهما إرثاً بملايين الدولارات تقول الوريثة لارا جورج منصور المعروفة بلارا سماحة (نسبة لكنية زوجها) إن لها حقاً فيه بـ10 ملايين دولار، حاول أفراد عائلتها سلبها إياه.

وقتها قررت لارا رفع دعوى في لبنان على كل من والدتها منى منصور وشقيقيها ألكسندر ورولي منصور المقيمين في لبنان ودعوى في الولايات المتحدة لتعذر المضي قدماً في الدعوى الأولى. ولارا تمتلك إقامة دائمة في الولايات المتحدة فيما يحمل زوجها الجنسية الأمريكية.

وفي نيسان/ أبريل عام 2019، أُبلغ المدعيان لارا وإيلي بضرورة القدوم من منزلهما في ميامي إلى لبنان للعمل على تسوية القضية مع أفراد العائلة الآخرين والحصول على الحق الموعود، بحسب ما ورد في وثيقة الادعاء التي ذكرت أنهما (لارا وإيلي) "تعرضا للاحتجاز والتعذيب الجسدي والنفسي لمدة عشرة أيام" من قبل "مسؤولين في الحكومة اللبنانية تصرفوا بطلب من العائلة" لإكراه المدعيان على سحب الدعوى من أمام المحكمة الفدرالية في أمريكا.

وذكرت الوثيقة أن الشكوى التكميلية الجديدة تأتي بموجب قانون الضرر للأجانب ("ATS") وقانون حماية ضحايا التعذيب لعام 1991 ("TVPA") لإصلاح الضرر الذي عانى منه المدعيان جراء اختطافهما وتعذيبهما.

في تقرير كتبه الصحافيان كريستيان ديلاروزا وإيان مارغول اللذان واكبا وصول لارا وإيلي إلى مطار ميامي الدولي عائدين من لبنان في 13 نيسان/ أبريل 2019، قال محامي الادعاء لورن بيركلي: "قيل لهما إن عليهما العودة إلى البلاد لحل مسألة الدعوى، لكن ما لم يعرفاه قبل ذهابهما هو أن أقاربهما أقنعوا السلطات في لبنان بتوجيه الاتهام إليهما بالتشهير وكان هناك مذكرة توقيف بحقهما، وهو ما جرى هناك".

تذكر وثيقة قضائية أمريكية تفاصيل دعوى بدأها كل من لارا وإيلي سماحة عام 2017 ضد أفراد من عائلة لارا في لبنان لأسباب تتعلق بإرث قيمته ملايين الدولارات، وتوسعت لتطال سياسيين وأمنيين لبنانيين بتهم دعمهم لأفراد العائلة في "استدراج" المدعيان إلى البنان ثم احتجازهما وتعذيبهما 

وفي التقرير، قال بيركلي إنه بمجرد وصول إيلي ولارا إلى لبنان "احتُجزا كرهائن لأكثر من أسبوع"، وإن "المسؤولين هناك هددوهما لإجبارهما على إسقاط دعاواهما"، بينما قالت لارا: "حاولوا قتلنا… وضعوا سكيناً علينا".

ونقل التقرير عن ابنهما ساندرو سماحة قوله إنه لم يستطع التواصل معهما طيلة فترة تواجدهما في لبنان، وكان خائفاً من أن تكون العائلة ذات النفوذ قد لجأت إلى "مسؤولين فاسدين للضغط على أهله"، أما إيلي فعلق: "كنا تحت الأرض… لم نكن نستطيع رؤية أي ضوء". وفي المطار، شكر الطرفان السفارة الأمريكية ووزارة الخارجية الأمريكية والمحامي للجهود التي بذلوها لإطلاق سراحهما.

المدعى عليهم

بالعودة إلى الوثيقة القانونية الأمريكية، فإن العائلة في لبنان كانت قد أتلفت عام 2017 العديد من الأدلة لعرقلة الدعوى المرفوعة في لبنان، وهذا ما دفع لارا سماحة للجوء إلى المحاكم الأمريكية لإنصافها.

ووصفت الوثيقة دعوة لارا وإيلي إلى لبنان عام 2019 على وعد بتسوية القضية بـ"الاستدراج"، كما ذكرت اعتقالهما بطريقة "غير قانونية" عند وصولهما إلى لبنان، و"تعذيبهما" بحرمانهما من الطعام والضوء لدى قوى الأمن الداخلي، وإجبار لارا على خلع ملابسها والاستماع إلى تعذيب مساجين آخرين على بعد خطوات.

بعد أيام من الاعتقال، خضعت لارا للابتزاز وقامت بسحب الدعوى باتصال مع محاميها في الولايات المتحدة، لكن المحكمة حسب الوثيقة وجدت أن سحب الدعوى "تم بالإكراه الشديد".

في ذلك الوقت، كانت الحكومة اللبنانية قد ردت عبر جريصاتي وقضاة لبنانيين بالتأكيد أن المحكمة الأمريكية ليس لها صلاحية النظر في الدعوى لأن "مقدمتها لبنانية ضد مسؤولين لبنانيين وتتعلق بمقاضاة في لبنان بموجب القانون اللبناني بشأن ممتلكات في لبنان يملكها والد لارا سماحة الذي توفي في لبنان".

في المقابل، تذكر وثيقة المحكمة الأمريكية أن من صلاحيتها النظر في القضية بموجب قوانين عدة، وأنها تطال كل مَن شارك وسهّل الضغط على لارا وإيلي سماحة اللذين تقول التقارير إنهما لا يزالان يعانيان جسدياً ونفسياً مما تعرضا له خلال احتجازهما في لبنان.

وعدا عن أفراد العائلة، تذكر الوثيقة ضمن المدعى عليهم رئيس "التيار الوطني الحر" ووزير الخارجية السابق وصهر رئيس الجمهورية جبران باسيل الذي "حصل على مكافأة من عائلة منصور ويساعد الأخيرة من خلال علاقاته بالأجهزة الأمنية والقضائية، كما استغل سلطته في توجيه اختطاف وتعذيب المدعيان".

في المقابل، أصدر المكتب الإعلامي لرئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل بياناً جاء فيه: "تتناقل بعض وسائل الاعلام خبراً تم فيه إقحام النائب جبران في دعوى قضائية تتعلّق بنزاع قائم حول إرث عائلي بين امرأة لبنانية مقيمة في فلوريدا وأقاربها في لبنان. يؤكد المكتب الإعلامي أن لا علاقة للنائب باسيل بها على الإطلاق لا من قريب ولا من بعيد".

ومن المدعى عليهم كذلك، سليم جريصاتي وهو عضو في "التيار الوطني الحر" و"مخلص لباسيل"، حسب الوثيقة التي تقول إن توليه لمنصب وزارة العدل سمح له بتطوير اتصالات عميقة مع النظام القضائي وجهات إنفاذ القانون. ووفق للقضاء الأمريكي، فإن "جريصاتي، باستخدام صلاته، نفّذ توجيهات باسيل بتنظيم اختطاف وتعذيب المدعيان".

يُذكر في الدعوى أيضاً داني معكرون وهو محامي العائلة في لبنان، والذي كان على علم باحتجاز لارا وإيلي وتعذيبهما بينما كان يتفاوض مع محاميهما لسحب الدعوى مقابل إطلاق سراحهما، وزياد مكنى الذي ينتمي لـ"التيار الوطني الحر" ومقرّب من جريصاتي، والذي قام - لتسهيل مخطط المتهمين- بتقديم شكاوى تشهير كاذبة ضد المدعيان لتكون ذريعة لاختطافهما.

يُضاف إلى هؤلاء مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية حينذاك بيتر جرمانوس، والذي تذكر وثيقة الادعاء أنه أوقف عن عمله بسبب تهم بالتورط في فساد قضائي، وهو متهم بالمسؤولية عن تنفيذ أوامر باسيل وجريصاتي بنقل لارا وإيلي إلى مرافق احتجاز محددة تسهل مهمة الضغط عليهما. وحتى بعد أن دفع المدعيان الفدية التي طالب بها المدعى عليهم (من خلال رفض دعوى قضائية أمريكية)، سعى جرمانوس إلى منع إطلاق سراحهما.

ماجد بويز كذلك تشمله الدعوى، وهو محامٍ عن "التيار الوطني الحر"، ومتهم بتقديم "مزاعم كاذبة" لإغراء المدعيان بالقدوم إلى لبنان. وتذكر الدعوى كذلك أحمد ساسين وهو مسؤول في قوى الأمن الداخلي وكان يتابع احتجاز المدعيان وتعذيبهما، وفق ما يرد في الوثيقة الأمريكية.

شبكة مصالح متداخلة وخلاف عائلي مزمن

الدخول في تفاصيل القضية العائلية البحتة في أساسها وما لعبه فيها مسؤولون لبنانيون من أدوار مختلفة وفق القضاء الأمريكي تقدم مثالاً عن النظام اللبناني ودرجة التداخلات السياسية والحزبية والعائلية فيه، فضلاً عن شبكة المصالح التي يختلط فيها الأمني بالسياسي بالنفوذ المالي الذي قد يلعب دوراً بارزاً في حرف مسار الأحداث والحقائق.

في سياق مواز، تحدثت الوثيقة عن صلاحيات المحاكم الأميركية للنظر في جرائم أو تجاوزات ارتكبها مسؤولون أجانب على أراضي دولهم.

اعتُقلا بطريقة "غير قانونية" عند وصولهما إلى لبنان و"جرى تعذيبهما" لدى قوى الأمن الداخلي بحرمانهما من الطعام والضوء وبإسماعهما أصوات تعذيب مساجين آخرين... لارا وإيلي سماحة اللذان بدأت قصتهما بخلاف عائلي ثم تحولت إلى دعوى قضائية في أمريكا تطال مسؤولين لبنانيين بارزين

أما في القسم الثاني منها، فتناولت الوثيقة بالتفصيل ما جرى منذ لحظة وصول لارا إلى المطار واحتجازها، والضغوط التي تعرضت لها، ومنها حرمانها من دواء السكري الذي تتناوله باستمرار وإلزامها على خلع ملابسها حيث بقيت عارية أمام رجال الأمن لعدة دقائق، كانت خلالها تبكي من الحرج والذل بينما يتبادل الموجودون في الغرفة الحديث ويضحكون.

طيلة فترة استجواب لارا، كان منصور وألكسندر سماحة يقفان خارج الغرفة ويطلبان من ساسين إهانتها والضغط عليها لسحب الدعوى، كما كان هناك طلب باحتجازها إلى جانب عناصر من "داعش" وهنيبعل القذافي، فضلاً عن احتجازها مع نساء أخريات متهمات بارتكاب جرائم قتل، بينما كان ساسين يخبر لارا بأنها ستبقى في الزنزانة إلى أجل غير مسمى ما لم تتنازل عن دعواها، وفق ما تذكره الوثيقة الأمريكية.

وتشير الوثيقة كذلك إلى أنه عند اعتقال لارا، توجه زوجها إيلي إلى العديد من السياسيين لمحاولة فهم ما يجري، ومن بينهم وزير العدل عام 2019 ألبرت سرحان الذي تواصل أثناء الاجتماع مع النائب العام الاستئنافي في بيروت القاضي زياد أبو حيدر فقال له الأخير إن لارا لن تخرج قبل التنازل عن الدعوى في أمريكا، كما تواصل مع ماجد بويز (محامي التيار) ومع ابنة رئيس الجمهورية كلودين عون.

بعد ذلك، تلقى إيلي اتصالاً من قوى الأمن الداخلي للحضور من أجل مناقشة وضع زوجته، وهناك تمت مصادرة هاتفه واحتجازه. خلال فترة الاحتجاز، فقد إيلي مرات عدة وعيه ولم تقدم له العناية اللازمة، وفق ما يقول الادعاء.

بموازاة ذلك، تشير الوثيقة إلى أن باسيل كان على علم مباشر بالظروف التي تم فيها احتجاز المدعيين، وكان يشير إلى ضرورة التشدد في الضغط عليهما.

لاحقاً، قرر بويز نقل لارا وإيلي إلى سجن عسكري أكثر تشدداً لتفادي الحديث عن اعتقالهما، وقد وافق جرمانوس بطلب من باسيل وجريصاتي على النقل، ليتم إيقاف الأخير لاحقاً بعدما أثارت جنسية المحتجزين المخاوف.

وفي نيسان/ أبريل، أصدر القاضي فريد عجيب أمراً بإطلاق سراح لارا وإيلي، بعدما تم التقدم بوثائق تثبت تنازلهما عن الدعوى. وفي 9 كانون الثاني/ يناير 2020، أصدرت القاضية الأمريكية آليشيا أوتازو رايس قراراً يفيد بأن التنازل عن الدعوى تم بالإكراه وتحت التعذيب، وفي 27 أيار/ مايو من العام الحالي، قررت المحكمة إعادة فتح القضية.

يذكر القسم الثالث من الوثيقة بإسهاب الظروف العائلية التي دفعت بقضية الإرث للوصول إلى المحاكم، ومنها العلاقة غير الجيدة التي جمعت لارا وأباها بالعائلة منذ الصغر. فمنذ صغرها أوكلت مهمة تربية لارا لعمتها إيفلين التي لم تكن على علاقة طيبة مع الوالدة منى وكانت تطلب بشكل مستمر من شقيقها الانفصال عنها، حتى أن لارا كانت تعتبر عمتها بمثابة والدتها.

قبل وفاتها، كتبت إيفلين وصية بترك أموالها لشقيقها جورج في حال وفاتها، ولاحقاً يقول الادعاء إنها تركت وصية أخرى بترك الأموال للارا خوفاً من تقاسم العائلة أموال جورج في حال وفاته، لكن العائلة أخفت الوصية الثانية وأبقت على الأولى التي تفيد بترك الأموال لجورج الذي يستفيد ورثته منها عند وفاته.

وتذكر الوثيقة كذلك  تفاصيل الثروة الكبيرة التي كان يمتلكها كل من جورج وإيفلين من عملهما في "World Trade Guide" و"Arab Trade Directory" بين أعمال أخرى، بالإضافة إلى ما كانا قد ورثاه من والدهما.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard