بين الملل والتهريج... السياسة في الأزقة القذرة

الثلاثاء 3 نوفمبر 202005:45 م

في نهاية عام 2018 اعترض المهرج البريطاني ديفيد كونيوت، وهو ممثل معروف، في مقال كتبه في صحيفة التايمز بعنوان "ليس مضحكاً عندما تتم مقارنة السياسيين بالمهرجين"، وكانت وقتها النقاشات في البرلمان البريطاني محتدة بشأن الخروج من الاتحاد الأوربي، وكانت صحيفة الغارديان قد نشرت مقالاً تصف فيه السياسيين الإنكليز بالمهرجين، ويضيف المهرج: "إن الاستخدام المستمر لوصف البرلمان بكلمة سيرك في الصحافة لها مذاق سلبي. نحن (المهرجين) فعّالون ومنظمون ونعمل بشكل جماعي لننجح، على عكس السياسيين".

اكذب كما لو أنك بينوكيو

الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو أول رئيس يجعل من "الكذب" أخباراً رائجة، فلقد انشغل الصحفيون والكتاب منذ بدء ولايته بإحصاء كذباته أو ادعاءاته المضللة، حتى أن كتباً بأكملها تمت طباعتها عن الموضوع.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو أول رئيس يجعل من "الكذب" أخباراً رائجة، فلقد انشغل الصحفيون والكتاب منذ بدء ولايته بإحصاء كذباته أو ادعاءاته المضللة، حتى أن كتباً بأكملها تمت طباعتها عن الموضوع

جاء في مقال نشر بصحيفة الواشنطن بوست: استغرق من ترامب 827 يوماً لتجاوز 10000 ادعاء كاذب ومضلل، حسب قاعدة بيانات The fact checker بمعدل 12 كذبة في اليوم، لكن مع دخوله في النقاش حول فيروس كورونا والعديد من المقابلات الأخرى تجاوز حاجز الـ 20000 كذبة، والأمر المثير أنه يكرر الكذبة الواحدة عدة مرات، ما جعل الصحيفة تطلق عليه وصف "ثلاثة أو أربعة بينوكيو".

لكن لنضع هذه الإحصائيات التي تشبه "البكيني" والتي تخفي ما تريد وتظهر ما تريد، كيف ستكون الحياة السياسية بدون ترامب ومع جو بايدن "الممل"؟

لا أحد ينكر أن أربع سنوات من ولاية ترامب كانت مليئة بالإثارة والإدهاش والضحك الممزوج بالأسى: أي رئيس يطلب من جمهوره شرب "الكلور" للقضاء على الفيروسات؟

من حقه فعلاً أن يتفاخر مثلما فعل منذ فترة، بأنه جعل السياسة مثيرة، وأن "سليبي جو" إذا انتخب، لن يهتم أحد بالسياسة بعد الآن، مختتماً جولته الانتخابية في بنسلفانيا بالمزيد من الحركات الراقصة، قبل أن يختم بتغريدة: أفكر بنشر مقابلتي. يجب أن على الجميع مقارنة هذا الاقتحام الانتخابي الرهيب بالمقابلات الأخيرة لـ "سليبي جو".

في الجدل حول ارتباط الأخلاق بالسياسة تظهر عدة مواقف، منها ما يعادي أي ارتباط للأخلاق بالسياسة، حيث تتم محاربة الأخلاق حتى واعتبارها عنصراً تخريبياً للسياسة، والاستعاضة عنها بالنتائج والأرقام التي تحققها السياسات، وهناك من يعتبر أن الأخلاق يمكن أن تنقسم حسب كل حالة على حدة، أي في "الطقس الجيد" أكون أخلاقياً، أما في "العاصفة" فلست مضطراً لذلك، وهناك المثاليون الذين يرغبون بإخضاع العمل السياسي لإطار أخلاقي كمرجعية، مثل المنظمات الإنسانية، وكالات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، في الشكل العام طبعاً.

في التقاليد السياسية الشرقية كانت فكرة "المستبد العادل" هي أقرب فكرة عن مثالية الحاكم الأخلاقية والسياسية، تأتي جذورها من القصص المنسوبة إلى مجتمع الصحابة والأنبياء والمآثر التي تمّ تجميعها وتنقيتها على مدار قرون.

ترامب لم يجعل السياسة فقط مثيرة، هو نقلها إلى ميدانها الفعلي: التصريحات الكاذبة، الخدع، السخرية من الخصوم وفرض الخوّات على الأتباع. عرّى السياسة من قناعها الأخلاقي الناعم وأظهرها كما هي: قذرة، مجبولة بالقوة، عنيفة ولا تتورع عن استخدام كل شيء للفوز

ترامب لم يجعل السياسة فقط مثيرة، هو نقلها إلى ميدانها الفعلي: التصريحات الكاذبة، الخدع، السخرية من الخصوم وفرض الخوّات على الأتباع. عرّى السياسة من قناعها الأخلاقي الناعم وأظهرها كما هي: قذرة، مجبولة بالقوة، عنيفة ولا تتورع عن استخدام كل شيء للفوز، نقل "اللعبة السياسية" من الحلبات المنظمة والملاعب النظيفة إلى الأزقة والشوارع المتسخة، صنع مزيجاً فريداً من الشعبوية والنجاح، وخطيئته الوحيدة أن المنتخبين ليسوا على استعداد الآن لجرعة مكثفة من "الواقعية القذرة": ما زالت الأخلاق معياراً لأغلبية الناس، إذ إنها نقطة التفوق التي يستطيعون من خلالها بناء موقف تجاه أي قضية، وينتقدون الساسة على هذا الأساس، ويصنعون ربما من تفوقهم الأخلاقي موقفاً سياسياً.

لنتذكر صعود هتلر وستالين وغيرهم، كان المواطنون مبهورين بالنجاحات الاقتصادية والانتصارات العسكرية ولم يكن السؤال الأخلاقي مطروحاً وقتها.

العودة إلى السياسي الممل

لقد فعلها ترامب، استطاع عبر أربع سنوات من وريته بناء جبهة ترتدي لبوس الأخلاق ضده، جعلت البعض يتمنون عودة "السياسة المملة" إذ لا شيء مفرح بأن تعيش كل يوم كأنه 11 سبتمبر.

كتبت صحيفة "Democracy" تحت عنوان "هل يجب أن تكون السياسة مملة؟": "في هذه اللحظة بالذات من التاريخ الأميركي فإن فكرة السياسة المملة، السياسة التي تجذب القليل فقط من انتباه المرء، هي فكرة جذابة بلا شك. لا شيء ترفيهي في الرئيس الذي يدير البلاد مثل برنامج تلفزيون الواقع".

من المؤكد أن الديمقراطية الأميركية تعاني اليوم من هذين الخيارين، السياسة الواقعية والسياسة المملة، وعليه يمكن إلقاء اللوم على الناخبين الأميركيين، إنهم غير مطلعين، غير مندمجين، غير مبالين وحتى كسالى، ويضيف المقال: إذا كان هناك جانب إيجابي في كارثة ترامب المستمرة، فهو أن عدم لياقته العميقة لمنصب عام قد ألهمت رد فعل عنيف مدني دفاعاً عن أفضل ما في النظام السياسي الأميركي: المثل العليا".

لكن ماذا سنفعل، نحن المواطنين، إذا كان من في الحكم مثالياً، ليس في الولايات المتحدة فقط وإنما في عالمنا العربي أيضاً، ألن تكون الحياة مملة فعلاً؟ عم سنكتب على تويتر وفيسبوك؟ مم سنشكو وعلى ماذا سنتحسّر؟

يتابع المقال أنه حتى بالنسبة للمنخرطين في الحياة السياسية الأميركية، يمثل ترامب خروجاً فريداً عن خط الانحدار الطويل للجمهوريين، وبدونه ستذهب هذه الحجة الأخلاقية. قد يكون ترامب نتاج انحطاط طويل وخطير لخط معين في السياسة الأميركية، لكنه رغم ذلك، خط موجود وله أتباع وسياسات وولاءات.

لطالما وضع هذا التعارض بين الأخلاق والسياسة، ولطالما اعتبر أنه من المسلمات فساد السياسيين أو على الأقل انحطاطهم الأخلاقي، أو ترجيحهم مصالح ذاتية على مصالح عامة، وعدا التخيلات المثالية لأنظمة حكم مثالية، وبعض الدول غير المحورية الصغيرة، شكّل التعارض بين الشعب، جموع المنتخبين، والساسة جزءاً من البديهيات.

لكن النظرة إلى السياسيين أو إلى دورهم في الأنظمة هو ما يصنع هذا التعارض، بين من يعتبرهم "قادة أخلاقيين" للمجتمع ومن يعتبرهم مجرد موظفين يجب أن يحرصوا على حسن سير الأمور، أي بين وواقعية جان جاك روسو ووجهة نظر ميكيافيللي الانتهازية، بين أن يكون منتهى السياسة هو الأخلاق كما تقول مثالية أفلاطون، أو أن يكون منتهاها هو إعادة انتخاب ترامب أو بقاء الفاسدين في الحكم، كما في مصر وسوريا ولبنان ودول الخليج.

تفوق الشعوب الأخلاقي على حكامها، برغم أنه مشكوك فيه أحياناً، إلا أنه النقطة الوحيدة التي تضعهم موضع المنتصرين، أخلاقياً على الأقل، وإذا خسّرتهم الأنظمة هذا التفوق فسنكون في معضلة حقيقية

تفوق الشعوب الأخلاقي على حكامها، برغم أنه مشكوك فيه أحياناً، إلا أنه النقطة الوحيدة التي تضعهم موضع المنتصرين، أخلاقياً على الأقل، وإذا خسّرتهم الأنظمة هذا التفوق فسنكون في معضلة حقيقية.

لحسن الحظ أن الأمر ليس بهذه البساطة، إذ لا تنقسم المجتمعات دوماً بهذه الشاكلة، إلى شعب أخلاقي ونظام فاسد، أو نظام مثالي وشعب فاسد، وليست معضلة الأخلاق هي المعضلة الوحيدة في الأنظمة الفاشلة كالأنظمة العربية، بل هذا الاتحاد "العالمي" للفاسدين الذين يدعمون صعود بعضهم البعض ويحافظون على الثروة فيما بينهم، بغض النظر عن كونهم في السلطة أم لا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard