"مؤامرة العقبة"... المحاولة الأكثر جدلاً لقتل الرسول

الأحد 17 يناير 202110:16 ص
Read in English:

"The Aqaba Conspiracy"… The Most Controversial Assassination Attempt on the Prophet

على الرغم من كون النبي محمد قد تعرّض للعديد من محاولات القتل والاغتيال على مدار سنوات حياته التي تعدّت الستين عاماً، فإن محاولة اغتياله في العقبة في العام التاسع من الهجرة تبقى إحدى أهم تلك المحاولات وأكثرها جدلاً على الإطلاق.

السمة المميزة لمؤامرة العقبة أنها جرت من قِبل مجموعة من الصحابة المصاحبين للرسول في غزوة تبوك، وهو الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات في ما بعد حول مسألة عدالة الصحابة، وحول سبب تغيّر موازين القوى السياسية في المدينة في الفترة الأخيرة من حياة الرسول، وهي المسائل التي سيهتم بها العقل المذهبي السنّي والشيعي، وسيعمل العلماء من المذهبين على تأويل الحادثة بما يتوافق مع مبانيهم المذهبية والأصولية.

الحادثة بحسب المصادر التاريخية

وردت قصة مؤامرة العقبة في العديد من المصادر التاريخية الإسلامية، ومنها على سبيل المثال مسند أحمد بن حنبل (ت. 241هـ)، وصحيح مسلم بن الحجاج (ت. 261هـ)، وتاريخ الرسل والملوك لابن جرير الطبري (ت. 311هـ)، والكامل في التاريخ لابن الأثير (ت. 630هـ).

بحسب ما ورد في تلك المصادر، خرج الرسول لقتال الروم وحلفائهم من القبائل العربية الساكنة في شمال شبه الجزيرة العربية في غزوة تبوك في العام التاسع من الهجرة، حاشداً جيشاً ضخماً وصل تعداده إلى ما يقترب من الثلاثين ألف مقاتل، ولمّا وصل إلى تبوك، وجد أن جيش الروم وحلفائهم قد تفرّق ولم يثبت لقتال المسلمين، فرجع بمَن معه إلى المدينة، بعدما وسّع نفوذه بين تلك القبائل وأمن شرها.

تتحدث المصادر عن أن المسلمين لمّا وصلوا إلى مكان يُسمّى بالعقبة، وهو على طريق تبوك-المدينة، وجدوا أن أمامهم وادياً واسعاً، وبجواره ممر جبلي ضيّق لا يتسع إلا لعدد قليل من المارّين، ولهذا أمرهم الرسول جميعاً بالمرور من الوادي، بينما اتّخذ هو طريق العقبة، واصطحب معه كل من حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر.

بحسب المصادر، أرسل الرسول من قبله منادياً نادى في الجيش "إن رسول الله يريد أن يسلك العقبة فلا يسلكها أحد واسلكوا بطن الوادي فإنه أسهل لكم وأوسع، فسلك الناس بطن الوادي وسلك رسول الله العقبة". وأثناء مرور الرسول بالعقبة، اجتمع 12 رجلاً من أفراد الجيش، واتفقوا مع بعضهم البعض على قتل الرسول وهم ملثمين، وذلك من خلال صعود العقبة ورمي بعض الأحجار على دابته حتى تنفر وتسقط من فوق الجبل.

تتفق المصادر على أن جبريل أخبر الرسول بتفاصيل تلك المؤامرة، وأنه لما اقترب هؤلاء المتآمرون من دابة الرسول، بادر حذيفة بن اليمان بضرب دوابهم بعصاه، فهربوا بسرعة وقد خافوا من انكشاف أمرهم.

وتُستكمل القصة بأن الرسول أخبر حذيفة بأسماء هؤلاء الرجال، وبأنهم من المنافقين الذين يُظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فلما سأله حذيفة عن سبب عدم قتلهم، رد عليه الرسول: "أكره أن يتحدث الناس ويقولوا إنّ محمداً وضع يده في أصحابه".

التناول السنّي... تغييب أسماء المتآمرين

رغم أهمية مؤامرة العقبة في الفترة الأخيرة من حياة الرسول، إلا أن الذاكرة السنّية لم تولها القدر الوافي من الاهتمام والتركيز، وكان السبب الأول في ذلك أن إثارة النقاش حول ما جرى في العقبة من شأنه أن يفتح الباب واسعاً أمام الطعن في واحد من أهم اعتقادات أهل السنّة، ألا وهو القول بعدالة الصحابة.

فكما هو معروف، بنى أهل السنة اعتقادهم على القول بعدالة جميع الصحابة على مجموعة من الأدلة القرآنية ومنها ما ورد في سورة الفتح {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ}، وما ورد في سورة التوبة {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

"سارع الشيعة الإمامية إلى استغلال الروايات الواردة بشأن مؤامرة العقبة، فعملوا على ربطها بأسماء الصحابة الرافضين لبيعة علي بن أبي طالب، والذين وقفوا ضده بعد وفاة الرسول وحوّلوا الخلافة عنه إلى أبي بكر"

وكذلك، اعتمدوا في قولهم بذلك على أدلة حديثية مثل ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم عن الرسول: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، وما نُسب إليه في موضع آخر: "لا تسبّوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصفيه".

الاعتقاد بعدالة جميع الصحابة لاقى قبولاً كبيراً في الأوساط العلمية داخل أوساط أهل السنّة والجماعة، حتى حكى أبو عمرو ابن الصلاح الشهرزوري (ت. 643هـ)، في مقدمته: "إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتنة منهم فكذلك، بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحساناً للظنِّ بهم، ونظراً إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة".

يتعارض القول بعدالة جميع الصحابة، والذين بلغ عددهم بحسب بعض المصادر 114 ألف رجل وامرأة، بشكل واضح، مع قصة مؤامرة العقبة، إذ كيف يمكن التوفيق بين القول بعدالة الصحابة جميعاً في الوقت الذي حاول بعضهم قتل الرسول نفسه؟

من هنا، ارتأت الأغلبية الغالبة من المصادر السنّية تهميش تلك الواقعة، فلم تركز عليها كما ركزت على المؤامرات الأخرى التي حاول أصحابها اغتيال الرسول في أوقات مختلفة من حياته، والتي كان أبطالها من مشركي قريش، كما وقع على سبيل المثال في ليلة الهجرة إلى يثرب، أو من اليهود كما وقع في قصة غزو بني النضير في السنة الرابعة للهجرة، أو في قصة الشاة المسمومة التي قدمتها امرأة يهودية للرسول بعد غزوة خيبر في السنة السابعة للهجرة.

مع ذلك، يبدو أن بعض الروايات المتعلقة بتلك الواقعة عملت على البحث عن أسماء هؤلاء المتآمرين الذين اتفقت معظم المصادر التاريخية على السكوت عنهم وعدم التعرّض لهم. على سبيل المثال، تعرض ابن حزم الظاهري (ت. 456هـ)، في كتابه المُحلى، بالنقد لرواية منسوبة إلى الوليد بن جميع عن حذيفة بن اليمان، وقال: "أما حديث حذيفة فساقط، لأنه من طريق الوليد بن جميع، وهو هالك، ولا نراه يعلم من وضع الحديث؛ فإنه قد روى أخباراً فيها أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص، أرادوا قتل النبي، وإلقاءه من العقبة في تبوك، وهذا هو الكذب الموضوع الذي يلعن الله تعالى واضعه، فسقط التعلق به".

الإشكال الأول في تلك الرواية أنها غير معروفة على الإطلاق في كتب أهل السنّة المنتشرة حالياً بين أيدينا، ولا نعرف كيف وصلت إلى ابن حزم، ومن المرجّح أنها كانت موجودة في بعض المدوّنات الحديثية، ثم جرى حذفها من كتب أهل السنّة بعد القرن الخامس الهجري، لما تتضمنه من تشنيع صريح بحق خمسة من كبار الصحابة وأعلاهم مقاماً ومكانة في الذاكرة السنّية.

"رغم أهمية مؤامرة قتل النبي في العقبة، إلا أن الذاكرة السنّية لم تولها القدر الوافي من الاهتمام والتركيز، وكان السبب الأول في ذلك أن إثارة النقاش حول ما جرى من شأنه أن يفتح الباب واسعاً أمام الطعن في واحد من أهم اعتقادات أهل السنّة، ألا وهو القول بعدالة الصحابة"

الإشكال الثاني في تلك الرواية يتعلق بالراوي الوليد بن جميع. فعلى العكس مما ذهب إليه ابن حزم من جرحه والطعن بمروياته، قام بتعديله الكثير من العلماء والمحدثين، إذ روى عنه كل من البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، كما وثقه كل من شمس الدين الذهبي (ت. 748هـ) في كتابه "ميزان الاعتدال"، وابن حجر العسقلاني (ت. 852هـ) في كتابه "الإصابة في معرفة الصحابة".

من جهة أخرى، ومن باب تحقيق توازن في إلقاء الاتهامات، كان من الطبيعي أن نجد أن بعض الروايات السنّية تميل إلى إلقاء تبعات تلك المؤامرة على علي بن أبي طالب، رغم ما اشتُهر من كونه لم يحضر غزوة تبوك وبقي في المدينة المنورة بأمر من الرسول نفسه، بحسب ما ورد في تاريخ الطبري.

على سبيل المثال، يذكر ابن حجر العسقلاني، في كتابه "تهذيب التهذيب"، أن أحد الرواة المعروفين بالتحامل على علي بن أبي طالب، وهو حريز بن عثمان، روى أن النبي لما أراد أن يركب بغلته يوم العقبة، جاءه علي بن أبي طالب فحل حزام البغلة ليقع النبي ويموت.

التأويل الشيعي... قدح في مبدأ عدالة الصحابة

على العكس من أهل السنّة والجماعة، اهتمّ الشيعة الإمامية الاثني عشرية بالروايات المتعلقة بمؤامرة العقبة، ومما ساعدهم على ذلك رفضهم الصريح للقول بالعدالة المطلقة للصحابة، وميلهم إلى نزع ثوب القداسة عنهم، واعتقادهم بأن الصحابة أناس عاديون، يسري عليهم ما يسري على غيرهم ممّن أتوا بعدهم.

واستدل الشيعة الاثني عشرية على ذلك ببعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن وجود منافقين مندسّين بين صفوف صحابة الرسول، بالإضافة إلى أحاديث نبوية يذكر فيها النبي أن بعض أصحابه سوف يُبعدون عنه يوم القيامة، فلما يُسأل أحدهم عن السبب، سيُقال له: "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" في إشارة إلى تبدل وتغيّر سيرتهم، وهو حديث ورد في مسند أحمد بن حنبل.

يمكن القول إن حجر الزاوية في تحديد موقف الشيعة الإمامية من الصحابة يتمثل في موقفهم من قضية خلافة علي بن أبي طالب للرسول، إذ يذهبون إلى تخطئة الخلفاء الثلاثة الذين تقدّموا على علي، بالإضافة إلى تخطئتهم لجميع الصحابة الذين وافقوا على ذلك أو رحّبوا به.

من هنا، سارع الشيعة الإمامية إلى استغلال الروايات الواردة بشأن مؤامرة العقبة، فعملوا على ربطها بأسماء الصحابة الرافضين لبيعة علي بن أبي طالب، والذين وقفوا ضده بعد وفاة الرسول وحوّلوا الخلافة عنه إلى أبي بكر.

على سبيل المثال، ذكر محمد باقر المجلسي (ت. 1111هـ)، في كتابه الموسوعي "بحار الأنوار"، أن المتآمرين يوم العقبة لم يفكروا في تنفيذ مخططهم إلا بعد أن أمرهم الرسول بضرورة مبايعة علي بن أبي طالب بالإمامة. وينقل المجلسي عن حذيفة بن اليمان أنه لما سُئل من جانب بعض التابعين عن هؤلاء المتآمرين، أخبرهم أنهم 14 رجلاً، تسعة من قريش، وخمسة من غيرها، وهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان وطلحة بن عُبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجراح ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وأوس بن الحدثان البصري، وأبو هريرة، وأبو طلحة الأنصاري.

وقد مالت بعض الروايات الشيعية التي تناولت الأحداث المرتبطة بمؤامرة العقبة إلى إضفاء بعض التفسيرات الإعجازية، الخارقة للعادة، عليها، ومن ذلك ما ورد في بحار الأنوار من أن صاعقة نزلت أثناء اختباء المتآمرين بين الصخور لتفضحهم وتكشفهم، وما ورد أيضاً في التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري (ت. 260هـ)، وهو الإمام الحادي عشر عند الشيعة الاثني عشرية من أن الرسول لما أمر حذيفة بن اليمان بأن يسبقه عند العقبة، ليتعرف على الرجال المتربصين، خاف الأخير من أن يقتله هؤلاء إذا أبصروه، فقال له الرسول: "إنك إذا بلغت أصل العقبة، فاقصد أكبر صخرة هناك إلى جانب أصل العقبة وقل لها: ‘إن رسول الله يأمرك أن تنفرجي لي حتى أدخل في جوفك، ثم يأمرك أن ينثقب فيك ثقبة أبصر منها المارين، ويدخل علي منها الروح لئلا أكون من الهالكين’ فإنها تصير إلى ما تقول لها بإذن الله رب العالمين"، وهو الأمر الذي تحقق بالفعل في ما بعد، عندما دخل حذيفة داخل الصخرة، ورأى جميع المتآمرين من غير أن يرونه، بحسب الرواية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard