"استمروا في الحياة بدوني"... لماذا نغرق فجأة في اللامبالاة؟

الجمعة 30 أكتوبر 202004:57 م

قرر أن يمضي إجازته على البحر. غاص في عمق المياه وفجأة توقف عن السباحة وبدأ يشعر بأنه يغرق، وبالرغم من أنه يعلم جيداً أن الخروج من هذا الموقف يحتاج فقط لركلتين أو ثلاث على أقصى تقدير، إلا أنه لم يتحرك، لأنه ببساطة لم يشعر بالحاجة للقيام بذلك، وهكذا بقي بلا حراك وكاد أن يغرق في قاع البحر.

وعندما رأته ابنته الواقفة على الشاطىء، نادته بأعلى صوتها لكنه لم يتفاعل معها على الإطلاق، ألقت بنفسها في الماء وبدأت تقترب منه شيئاً فشيئاً وهي تلوح له بيدها، وعندها قرر الأب أن يتحرك، ومن خلال حركات بسيطة جداً تمكن من النجاة، وفي وقت لاحق أسرّ لأقاربه: "لا أعرف لماذا لم أسبح؟ لم أرغب في ذلك".

هذه الحادثة انكب على تحليلها علماء النفس، وهي تشرع الباب أمام العديد من الأسئلة التي قد نطرحها يومياً: لماذا قد يفقد المرء فجأة "لذة الحياة" والرغبة في التصرف والقيام برد فعل معيّن للهروب من خطر مميت؟ ماذا عن فقدان التحفيز الذاتي النفسي الذي يسلب الناس القدرة على اتخاذ أبسط المبادرات ويخدّر مشاعرهم؟

مراقبة الحياة بعين "المتفرّج"

انطلاقاً من إحساسهم بالعجز عن اتخاذ أي قرار، يكتفي بعض الأفراد بمراقبة الأحداث التي تحصل من حولهم، ويصبحون "متفرجين" على حياتهم الخاصة، يتغيّر سلوكهم بالكامل ويتحولون من أشخاص نشيطين إلى أفراد لا مبالين وسلبيين، فيقضون يومهم بالكامل في السرير، من دون الشعور بالملل أو نفاذ الصبر، ويتعين على من حولهم تحفيزهم باستمرار للقيام بالأنشطة اليومية الأساسية.

وقد انكب العلماء على دراسة مثل هذه الحالات بغية التوصل إلى الآفات الدماغية التي وقع هؤلاء ضحيتها، واكتشف أطباء الأعصاب بعض العلامات التي تشبه داء باركنسون، واضطرابات حسية في النصف الأيمن من الدماغ، وتحدثوا عمّا يسمى بـ "الدوائر الدماغية التحفيزية".

لماذا قد يفقد المرء فجأة "لذة الحياة" والرغبة في التصرف والقيام برد فعل معيّن للهروب من خطر مميت؟

بالعودة إلى قصة الرجل الذي لم يكن قادراً على القيام بأي حركة وهو عالق وسط المياه، تم وصف هذا الاضطراب السلوكي الغريب في العام 1981 من قبل دومينيك لابلين، طبيب الأعصاب في مستشفى سالبيتريير، تحت اسم متلازمة الخسارة للتنشيط الذاتي، التي تُعرف بمتلازمة PAP.

واتضح أن المرضى الذين يعانون من هذه المتلازمة يفقدون كل مبادرة شخصية، فإذا تُركوا بمفردهم، فإنهم يتوقفون عن التفكير أو القيام بأي تصرف، مع العلم بأن هذا ليس من طبعهم، ففي العادة يكون هؤلاء الأفراد مفعمين بالحيوية، إلا أنهم يغرقون فجأة في حالة من اللامبالاة وعدم النشاط. يستريحون لساعات أو لأيام كاملة، يتمددون على أسرتهم، يجلسون على كرسي بذراعين وغالباً ما يقضون وقتهم بالنوم، هذا ولا يظهرون أي اهتمام بالأنشطة التي اعتادوا الاستمتاع بها، ولا يحاولون حتى تلبية احتياجاتهم الأساسية، كالطعام مثلاً، فإذا لم يتدخل المحيطون بهم لحثّهم على الأكل، فأنهم سيتركون أنفسهم يموتون من الجوع...

واللافت أن الشخص اللامبالي ليس حزيناً أو غاضباً بل هو يتسم بعدم الشعور بأي شيء، وهكذا فإن الأشياء التي كانت تجعله سعيداً لم تعد تثيره بعد الآن، كما وأنه لم يعد يشعر بالدافع لتحقيق أهدافه، فيكتفي بمراقبة الحياة بعيون "المتفرّج".

أحد أعراض المشاكل النفسية

بمعزل عن الأسباب الطبية، يمكن أن تكون اللامبالاة أحد أعراض مشاكل الصحة النفسية، بحيث يعاني بعض الأفراد من غياب الدافع لفعل أي شيء، حتى ولو كان بسيطاً، بالإضافة إلى عدم الاهتمام بما يجري حولهم.

ومن المفارقات أن ما يجعل الشعور باللامبالاة فريداً هو أنه في الأساس "الشعور بعدم الشعور"، بحيث أننا نلاحظ أن هناك شيئاً حيوياً مفقوداً في حياتنا ولكن نفتقر للدافع لمتابعته، فنصاب بهذا الشعور الغريب "الخالي من المشاعر".

من خلال الكثير من الأبحاث النفسية، تم التركيز على فكرة أنه يجب أن نشعر بمشاعر تجاه شيء ما إذا كنا نريد اتخاذ إجراء شخصي مفيد بشأنه، وبدون أي عاطفة مقنعة لتوجيه سلوكنا، فهذا يعني بأننا لسنا متحمسين بما يكفي للقيام بالكثير من أي شيء.

الانفصال عن الواقع

من بين الأسباب الكامنة وراء اللامبالاة هو المبالغة في التحفيز، وهو أمر سهل الحدوث في أيامنا هذه، بحيث أننا نتلقى معلومات على هواتفنا المحمولة في أي وقت من اليوم، سواء كان ذلك في النهار أو الليل، وعليه، نجد أنفسنا محاصرين بالأخبار المروعة أحياناً التي تصلنا من جميع أنحاء العالم في نفس اللحظة التي تحدث فيها، وتظهر على شاشات التلفزة الأشياء الفظيعة التي يقوم بها الناس ببعضهم البعض، يمكن أن تكون هذه المعلومات كلها مؤلمة إلى حدّ ما، الأمر الذي يجعلنا ننغلق على أنفسنا عاطفياً وعقلياً، وذلك كآلية تكيف.

وفي سياق متصل، قد نصاب باللامبالاة المبالغ بها عندما تبدو مشاكل حياتنا والمشاكل التي تتخبط بها عائلاتنا ومجتمعاتنا وبلداننا ساحقة، لدرجة أننا نشعر بالعجز التام عن فعل أي شيء حيالها، ما يعني بأنه حتى عندما نلاحظ ما يدور حولنا، فقد نشعر بعدم القدرة على إحداث أي فرق، وبدلاً من المحاولة، ندير ظهرنا ببساطة ونمضي قدماً من دون أن نشعر بأية أحاسيس.

هذا وتعتبر اللامبالاة أيضاً موقفاً ينطوي بدوره على عدم التجاوب والانفصال عن الواقع، وهي أمور تستنزف طاقة المرء وتجعله يشعر بالخمول، الفتور والوهن، ويصاب تقريباً "بالشلل"، بحيث يمتنع عن الحركة، وهذا هو السبب في أنه يمكن التعرف على الأشخاص غير المبالين بسهولة، من خلال سلبيتهم الشديدة وغياب اهتمامهم بمواجهة تحديات الحياة.

يكتفي بعض الأفراد بمراقبة الأحداث التي تحصل من حولهم، ويصبحون "متفرجين" على حياتهم الخاصة، يتغيّر سلوكهم بالكامل ويتحولون من أشخاص نشيطين إلى أفراد لا مبالين وسلبيين، فيقضون يومهم بالكامل في السرير، من دون الشعور بالملل أو نفاذ الصبر

في حديثها مع موقع رصيف22، كشفت الأخصائية في علم النفس لانا قصقص، أن فقدان الشعور قد يكون مؤشراً على وجود عدة مشاكل واضطرابات نفسية يمر بها الشخص، وعلى رأسها الكآبة أو الشعور بالقلق.

وأوضحت قصقص أن الآليات النفسية تلعب دوراً في "تخدير" الشعور لعدم السقوط في فخ الخوف والمشاعر السلبية، وهكذا يصبح المرء غير مبال بما يحدث حوله.

واضافت لانا أنه في العادة يأتي هذا الخدر النفسي كردة فعل على صدمة معينة، على غرار التعرض للعنف النفسي أو الجسدي، وذلك لعدم الشعور بالوجع والألم مجدداً، أو عند التعرض لإجهاد كبير لدرجة أن يصبح المرء عاجزاً عن مواجهة ضغوطات الحياة اليومية، فيفقد الشعور ويحسّ بالوحدة والفراغ العاطفي، وينغلق على نفسه: "يحصل نوع من تخدير لكافة المشاعر، سواء كانت سلبية أو إيجابية، وذلك من باب حماية النفس"، على حدّ قولها.

وبالتالي في حال اختبرتم كأفراد حالة من اللامبالاة المفاجئة والتخدير النفسي لمشاعركم، ولاحظتم بأنكم أصبحتم باردين منعزلين، وبدأتم تتعاملون مع حياتكم وكأنها من دون معنى، أو عبارة عن فيلم أبطاله ليسوا أنتم، فاعلموا أن المشكلة قد تكون نابعة من تراكمات وصدمات نفسية مررتم بها في السابق، أما الحلّ فقد يكون عبر طلب المساعدة من شخص مختص، حتى لا تتفاقم الأمور وتصبح أكثر تعقيداً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard