تجارب مهنية منسية في مسيرة زعماء سورية

السبت 3 أكتوبر 202003:02 م

في نهاية القرن التاسع عشر، وقف شاب أنيق، طويل القامة، على خشبة مسرح قصر البلور بمنطقة باب توما، مجسداً أدواراً مختلفة أمام الجمهور الدمشقي. كان عضواً في فرقة أبو خليل القباني المسرحية، وقد ظهر يومها بشخصية حاكم عباسي ومرة بدور عاشق متيّم. كان يَرقص ويغني على المسرح، ولا يتردد بلعب الأدوار النسائية أيضاً، نظراً لعدم وجود سيدات في عالم المسرح يومها. كَبُر هذا الشاب الوسيم ودرس العلوم الإدارية في إسطنبول، ثم عمل موظفاً في الدولة العثمانية، وبعد انتهاء الحرب العظمى، عُيّن وزيراً للداخلية في سورية، ثم رئيساً للوزراء.

كان اسمه عطا بك الأيوبي، وهو من أعيان دمشق وزعمائها، وقد سبق الرئيس الأميركي رونالد ريغان بتجربته الفنية ما قبل السياسية.

وهناك عدد من الزعماء الذين حاولوا دخول طريق الفن، مثل الرئيس أنور السادات، أو شاركوا بأدوار ثانوية في السينما، مثل الرئيس حسني مبارك في فيلم "وداع في الفجر" سنة 1956، والملك عبد الله الثاني الذي ظهر في فيلم الخيال العلمي الأميركي "ستار تريك"، قبل توليه العرش عام 1999، ولا ننسى إمبراطورة إيران، ثريا اسفندياري، التي دخلت عالم التمثيل بعد طلاقها من الشاه عام 1958.

ولكن، ماذا عن زعماء سورية؟ كيف كانت حياتهم المهنية قبل أن يتولوا أرفع المناصب السياسية في بلادهم؟

شكري القوتلي، الصناعي المرّ

نبدأ بشكري القوتلي، الذي انتخب رئيساً للجمهورية سنة 1943 وأعيد انتخابه مرتين، في عام 1947 وعام 1955. قبل ولاياته الأولى بعشر سنوات، عمل القوتلي في مجال الصناعة، وأسس معملاً حديثاً للكونسروة في دمشق. تشارك يومها مع كل من الصناعي توفيق قباني، والد الشاعر نزار قباني، الحاج سليم الشلاح، والد بدر الدين الشلاح، وصادق غراوي صاحب معمل شوكولا "غراوي".

قبل انتخابه رئيساً لسوريا لأول مرة، تشارك شكري القوتلي مع عدد من صنّاع دمشق ليأسسوا معملاً حديثاً للكونسروة هدفوا من خلاله لإدخال المحاصيل الصيفية في غير موسمها، إلى كل بيت في سورية والمنطقة

كان القوتلي عائداً من منفى طويل في مصر، وقد تفرغ لإنشاء المصنع بعد نيل سورية المرتبة الثالثة عالمياً في زراعة المشمش، نظراً لكثرة البساتين المشجرة والمزروعة في غوطة دمشق الشرقية وفي بساتين النيرب، والتي تحولت لاحقاً لتصبح حيّ غربي الملكي. هدفت الشركة المساهمة التي أسسها القوتلي إلى إدخال المحاصيل الصيفية، من الخضار والفواكه المجففة في غير موسمها، إلى كل بيت في سورية والمنطقة، وبدأ معملها بالإنتاج عام 1934.

مع نهاية الثلاثينيات، وصل عدد موظفي وعمال "شركة الكونسروة" إلى 200، وبلغ إنتاجها السنوي خمسة وعشرين طناً من المُعلبات، يتم تصديرها إلى فلسطين ولبنان وإمارة شرق الأردن والحجاز ومصر. رفض القوتلي بيع أسهم الشركة في أي مصرف أجنبي، وأصر أن يتم الاكتتاب العام إما في فرع دمشق من بنك مصر أو عبر البنك العربي، وكانت من عادته إهداء أسهم في "شركة الكونسروة" لأصدقائه عند عقد قرانهم أو رزقهم بمولود جديد، كما أنه كان يرسل حوالي خمسين صندوق من منتجات الشركة في كل موسم لصديقه الملك عبد العزيز آل سعود، ملك مصر فاروق الأول ورئيس وزراء العراق نوري السعيد. استمرت شركة الكونسروة في العمل من عام 1934 حتى تأميمها بداية عام 1965.

خالد العظم، من فرسان الصناعة أيضاً

ومثله كانت بداية الرئيس خالد العظم، بعد تخرجه من جامعة دمشق. فقد تم تعينه مديراً لمعمل الإسمنت وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، بطلب من رئيس مجلس إدارة المعمل، فارس الخوري. عرفه الخوري منذ أن كان طالباً في كلية الحقوق، قبل أن يُصبح خالد العظم علَماً من أعلام السياسة في سورية، ويتناوب مع الخوري على رئاسة الحكومة في الأربعينيات والخمسينيات.

قبل أن يصبح الرئيس خالد العظم علماً من أعلام السياسة، تم تعينه مديراً لمعمل الإسمنت في دمشق وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، بطلب من رئيس مجلس إدارة المعمل، فارس الخوري

كانت المنطقة المحيطة بدمشق غنية بحجر الكلس والطين، وهي المواد الأولية المطلوبة لصناعة الإسمنت. وكان الطلب يزداد على إنشاء العمارات الحديثة المصنوعة من الإسمنت بدلاً من الحجر، بعد تخلّي الناس عن بيوتهم في أحياء دمشق القديمة، والتوجه إلى أحياء جديدة أُنشأت أيام فرنسا، مثل الشهدا والشعلان وأبو رمانة. حُدد رأس مال معمل الإسمنت بقيمة 144 ألف ليرة عثمانية ذهبية، تم توزيعها على أربعة وعشرون ألف مساهم، وستة آلاف يتيم تم تمليكهم أسهم في المعمل.

قام المستثمرون بشراء قطعة أرض في منطقة دمر، شمال غرب العاصمة السورية، وبعد ثلاث سنوات من تدشين المعمل وصل إنتاجه إلى ثلاثين ألف طن من الإسمنت. مع نهاية عام 1936 ارتفع الإنتاج إلى خمسة وستين ألف طن، وصار معمل الإسمنت يلبي 60% من حاجة السوق المحلية. وصل سعر الإسمنت الدمشقي إلى ليرتان ذهبيتان للطن الواحد، فصار أرخص من الإسمنت المستورد الذي كان سعره العالمي مثبت بأربع ليرات ذهبية. تم تأميم المصنع سنة 1965، بعد أن وصل إنتاجه إلى 300 ألف طن من الإسمنت.

الخوري والشهبندر، مدرّسان في بيروت

قبل دخولهما عالم السياسة، عمل كل من فارس الخوري وعبد الرحمن الشهبندر ضمن الهيئة التدريسية للجامعة الأميركية في بيروت، التي كان اسمها "الكلية السورية البروتستانتية". كلاهما كان قد تخرج من نفس الجامعة، ودرّس الخوري في كلية الحقوق والشهبندر في كلية الطب.

عمل فارس الخوري ضمن الهيئة التدريسية للجامعة الأمريكية في بيروت، ثم عميداً لكلية الحقوق في الجامعة السورية حيث استثني من قانون التقاعد بطلب من الطلاب، ليستمر في عمله الأكاديمي حتى بلوغه الستين

الخوري كان قد درس من قبل في مجدل شمس والبترون وفي المدرسة الآسية بدمشق، ثم في الجامعة السورية، حيث أصبح عميداً لكلية الحقوق. ونظراً لبراعته في التدريس، تم استثناؤه من قانون التقاعد بطلب من الطلاب، ليستمر الخوري في عمله الأكاديمي حتى بلوغه الستين. أما الدكتور الشهبندر، فقد تفرغ لعيادته الطبية في حيّ الشعلان وإلى نشاطه السياسي، بالرغم من دوره الهام في تعريب مناهج جامعة دمشق بعد انتهاء الحكم العثماني سنة 1918.

الداماد مدرس في جامعة السوربون

وكذلك كان حال الداماد أحمد نامي، صهر السلطان عبد الحميد الثاني، الذي عُيّن رئيساً للدولة السورية في منتصف العشرينيات. بعد عزله عن الحكم سنة 1928، عاش فترة في بيروت، ثم انتقل إلى العاصمة الفرنسية باريس، حيث عَمل مدرساً لتاريخ الشرق الأوسط في جامعة السوربون العريقة، حتى وفاته نهاية 1963. وهو الرئيس السوري الوحيد من العرق الشركسي والوحيد الذي درس في جامعة السوربون.

ناظم القدسي، المصرفي المنسي

في كانون الأول عام 1961، جاء موكب رسمي من مجلس النواب إلى أبواب "مصرف العالم العربي" عند جسر فيكتوريا، لنقل مديره العام الدكتور ناظم القدسي إلى مبنى البرلمان، ليُلقي القسم الدستوري رئيساً للجمهورية السورية. عمل "ناظم بك" في السياسة منذ شبابه، وعُيّن سفيراً في واشنطن ثم رئيساً للحكومة فالبرلمان، قبل قيام الوحدة السورية المصرية سنة 1958.

قبل عمله في السياسة كرئيس للحكومة والبرلمان السوري، كان الدكتور ناظم القدسي مديراً عاماً لـ "مصرف العالم العربي" الذي افتتحت فروع له في معظم المدن السورية

يومها أسس مصرف العالم العربي بدمشق، من قبل رجل الأعمال موفق الميداني والمهندس عثمان العائدي برأس مال قدره عشرة ملايين ليرة سورية. خلال سنواته القصيرة، حقق "بنك العالم العربي" نجاحاً لافتاً، وقام بافتتاح فروع في معظم المدن السورية، كان أكبرها وأربحها في حلب. كان القدسي يقضي ستة أشهر متواصلة في فندق "الأورينت بالاس" مكان إقامته الدائم في دمشق، ثم يتنقل بين الفروع الأخرى للإشراف على عملها. صودرت أملاك الرئيس القدسي عند وضع قانون الإصلاح الزراعي، وتم الاستيلاء على 400 هكتار من أراضيه وأراضي زوجته، قبل تأميم "بنك العالم العربي" عام 1961، ودمجه مع فرع دمشق من "البنك العربي"، ليعاد تسميته باسم "بنك الفيحاء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard