في ظل انهيار العملة التركية… هل تتراجع سياسة أردوغان الخارجية؟

الأربعاء 28 أكتوبر 202006:20 م

في انهيار تام، وصل الدولار الأمريكي إلى أعلى مستوياته مقابل الليرة التركية، التي لا تزال تفقد قيمتها في ضوء الأزمة السياسية المتزايدة بين تركيا والاتحاد الأوروبي وفشل سياسات البنك المركزي التركي وتوتر العلاقات مع الولايات المتحدة ودول عربية.

يتوقع محللون أن تكون للانهيار الاقتصادي تداعيات داخلية عدة، منها احتمال الضغط على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتنظيم انتخابات مبكرة، كذلك من المحتمل أن تتراجع سياسة أنقرة التوسعية، خصوصاً في المناطق البعيدة مثل الخليج العربي وأفريقيا.

ورأى اقتصاديون أتراك أن الشركات التركية ستباع بثمن بخس لمستثمرين أجانب في ظل انخفاض سعر الليرة.

انهيار العملة

وصل سعر صرف الدولار مقابل الليرة إلى 8.3، وذلك في أسوأ انتكاسة تاريخية للعملة التركية.

ولفت المحللون الاقتصاديون إلى أنه لا يوجد سبب يوقف ارتفاع الدولار الأمريكي مقابل الليرة التركية إذ من الوارد أن يتجاوز الدولار الواحد تسعة ليرات أو أكثر في الأسابيع المقبلة.

وجاء انهيار العملة التركية بعدما قال محافظ البنك المركزي مراد أويسال إن البنك ليس لديه حد أقصى لقيمة الليرة، مشيراً إلى أن احتياطيات النقد الأجنبي التي تكفي لتلبية الحاجات القصيرة الأجل، تعرضت لضغوط كبيرة في الأشهر الأخيرة.

وفاجأ البنك المركزي المستثمرين بالحفاظ على سعر الفائدة من دون تغيير عند 10.25 % في اجتماع شهري حول السياسة النقدية في 22 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وهو ما زاد الضغط على الليرة.

وقال أويسال إن البنك المركزي رفع توقعاته بشأن تضخم أسعار المستهلكين في نهاية عام 2020 إلى 12.1 % من 8.9 %. وتوقع أن يتباطأ التضخم في نهاية العام المقبل إلى 9.4 %. وكان التقدير السابق للبنك يشير إلى أن نسبة التضخم ستصل إلى 6.2٪ عام 2021.

المشكلة في تركيا ظهرت إثر أخطاء فادحة ارتكبها البنك المركزي التركي بضغط من الرئيس أردوغان، أبرزها خفض الفائدة وضخ الدول احتياطاتها الأجنبية… ما هي تداعيات انهيار العملة على خطط  أردوغان في الداخل؟

خطأ أردوغان

بدأت الكارثة الاقتصادية في تركيا حين قرر البنك المركزي أن يتجاهل تحقيق توازن بين رد فعل السوق مع مطالب أردوغان، الذي واصل تدخله في السياسة النقدية.

عام 2019، أقال أردوغان رئيس البنك المركزي تشتين كايا بعدما رفض طلبه بخفض سعر الفائدة، وعُيّن نائبه أويسال الذي سارع إلى الامتثال لرغبات الرئيس التركي.

يعتقد الرئيس التركي أن تكاليف الاقتراض المرتفعة تغذي التضخم، وعليه طلب تخفيض سعر الفائدة، فيما يعتقد معظم الاقتصاديين والبنوك المركزية حول العالم عكس ذلك.

في تقرير نشرته الباحثة كارولين دي روز في مركز "Geopolitical Futures" كشفت عن أن الحكومة التركية ضخت 65 مليار دولار أمريكي من احتياطاتها الأجنبية منذ بداية عام 2020 مع عدم تغيير أسعار الفائدة، وهو ما ضغط على الليرة التركية.

وذكرت الباحثة أن أردوغان منع البنك المركزي المستقل ظاهرياً من تغيير أسعار الفائدة لأشهر، لأنه كان قلقاً من أن يؤدي تخفيف الأسعار إلى تفاقم الركود في المستقبل.

انهيار في الداخل

وفقًا لدورموش يلماز، المحافظ السابق للبنك المركزي، فإن تركيا تتجه إلى تكرار الأزمة المالية لعام 2001، عندما اشترت الشركات الأجنبية شركات تركية بثمن بخس. 

انتقد يلماز وزير المال بيرات البيرق، صهر أردوغان، بعدما أكد أن هناك موجة جديدة من رؤوس الأموال الأجنبية التي ستدخل البلاد في ظل انخفاض سعر الليرة.

 وقال يلماز إن التراجع القياسي لليرة مقابل العملات الأجنبية يهدد بتحويل تركيا إلى جنة لصائدي الصفقات.

ولاحظت دي روز أن التدهور الاقتصادي أدى إلى تدمير خطط أردوغان الطويلة المدى. إذ كان من المفترض أن يكون عام 2023 عاماً كبيراً لتركيا، لأنه سيشهد الانتخابات العامة التي كان الحزب الحاكم يعتمد فيها على فوز مريح بفضل نمو اقتصادي.

وعام 2013، طرح حزب العدالة والتنمية سلسلة من الأهداف الطموحة التي يريد تحقيقها عام 2023 وتتضمن زيادة الصادرات السنوية إلى 500 مليار دولار، وخفض معدل البطالة من 11 % إلى 5  %، مما أدى إلى بلوغ دخل الفرد 25000 دولار، وتعزيز قطاعَيْ السياحة والتمويل في البلاد.

كذلك كان الحزب يتطلع إلى تحقيق مشاركة كاملة لجميع الأتراك في برامج التأمين الصحي التي تديرها الدولة، ووضع صناعات السيارات والدفاع والحديد والصلب على الخريطة العالمية، مما يجعل اقتصاد البلاد من أفضل 10 اقتصادات، مع ناتج محلي إجمالي مقداره 2.6 تريليون دولار.

وقالت دي روز: "صحيح أن تركيا أحرزت تقدماً في صناعة إنتاج السيارات والإنتاج البحري وقطاع السياحة وحجم التجارة الخارجية، إلا أن مؤسساتها المالية بدأت في الانهيار".

وأضافت: "أدركت الحكومة التركية أنها لا تستطيع منع الركود. وهي تأمل الآن أن تظل واقفة على قدميها حتى الانتخابات المقبلة، من خلال تشتيت انتباه الجمهور بسلسلة من مشاريع السياسة الخارجية وإحساس زائف بالتعافي الاقتصادي".

وحددت صناعة الدفاع التركية عام 2023 هدفاً لها لإطلاق تكنولوجيا عسكرية تثير الدهشة، ووعدت بإنتاج 75٪ من حاجات تركيا الدفاعية محلياً، وزيادة عائدات الصناعة الدفاعية إلى 26.9 مليار دولار، وطرح طائرات بدون طيار، وسفن بحرية، ومدرعات، وطائرات هليكوبتر، ودبابات في الأسواق العالمية.

ولفتت دي روز إلى أن هذه المهمة صعبة الآن ولا يمكن أن تتم من دون إعادة الهيكلة الاقتصادية والإصلاح المؤسسي الذي من شأنه أن يسمح للبلد بإدارة مستويات عالية من الإنفاق. وأضافت أن أردوغان فكر في أن يستبق الانهيار الاقتصادي "بالدعوة إلى انتخابات مبكرة كي يمنع أحزاب المعارضة الجديدة من اكتساب مزيد من الزخم والشعبية في ظل هذه الأزمة".

وأشارت إلى أن أردوغان أنكر فكرة إجراء انتخابات مبكرة، وذكر أن "المعارضة فقط" هي التي نشرت هذه الشائعات، إلا أن الحالة الاقتصادية للبلاد قد تجبره على إعادة التفكير في ذلك.

وتابعت: "حتى يوم الانتخابات، سيكون البقاء على قيد الحياة من أولويات الحكومة التركية، فمن المتوقع أن تُضاعف الحكومة معارضتها، وتزيد سيطرتها على مؤسسات السلطة، وترفع الضرائب، وتقطع الخدمات، وتقترض المزيد من الأموال".

أردوغان فكّر في أن يستبق الانهيار الاقتصادي المقبل بالدعوة إلى انتخابات مبكرة كي يمنع أحزاب المعارضة الجديدة من اكتساب مزيد من الزخم والشعبية في ظل هذه الأزمة، لكن الانهيار بدأ بالفعل.. فهل يسقط مبكراً؟

خسارة في الخارج

في السياسة الخارجية، وسعت تركيا تدخلاتها بشكل مكثف واستفزازي في بعض الأحيان لتعزيز وجودها في في البحر الأبيض المتوسط والشام، أو في مسارح بعيدة مثل إنشاء قاعدة في الصومال وثانية في قطر وثالثة في ليبيا.

 رأت دي روز أن الحفاظ على هذا النوع من الزخم، يتطلب قوة اقتصادية، فإذا تمكنت من الصمود في وجه هذه العاصفة المالية الحالية، فيمكنها متابعة طموحاتها في أن تصبح قوة إقليمية. وأضافت: "إذا لم يكن الأمر كذلك، فسيتعين على أردوغان القتال للحفاظ على المكاسب التي حققتها تركيا حتى الآن".

وبرأيها، ستحاول أنقرة تقليص بعض أكثر التزاماتها تكلفة في المسارح البعيدة، مثل القرن الأفريقي والخليج العربي والساحل وتقليل الواردات العسكرية الأجنبية، على أمل أن تنجح صناعة الدفاع لديها في تكوين بديل لذلك".

وتوقعت حدوث تباطؤ في مشاريع الصناعة العسكرية الطويلة الأجل لا سيما المشاريع التقليدية المقرر إطلاقها في العشرين عاماً المطلة، مثل بناء سفينة هجومية برمائية ثانية في تركيا وخط من الفرقاطات الحربية.

وأكدت دي روز، وكذلك العديد من الباحثين، أن تركيا لن تتراجع في البحر المتوسط أو في سوريا بل ستسعى إلى تسييس الفرص في محيطها للحفاظ على الدعم الشعبي، كما أن الصراع مع اليونان وقبرص على الحدود البحرية أمر متفق عليه من قبل كل الأحزاب.

وتوقع الباحث في معهد كلينغنديل للعلاقات الدولية في لاهاي، جلال الحرشاوي، أن الأزمة الاقتصادية لن توقف سياسة تركيا الخارجية، مشيراً إلى أن الأزمة اقتصادية عندما تؤثر على بلد ما، فإن سياسته الخارجية تتأثر بعد عدة سنوات فقط، لذا يوجد فرق زمني، وقال لرصيف22 إن تدخل أردوغان في ليبيا سيحقق أرباحاً للشركات التركية إذا بقي الجيش التركي هناك، ومن المستبعد أن تغادر تركيا ليبيا ما لم تهزمها دولة أخرى عسكرياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard