عندما يستجير "المدنّس" بـ"المقدّس"... بيوت دعارة في حماية أولياء تونس الصالحين

الجمعة 6 نوفمبر 202011:11 ص

كثيراً ما يثير الماخور الموجود في نهج زرقون جدلاً واسعاً في تونس، نظراً لارتباط اسمه بنهج الولي الصالح عبد الله قشّ. يعتبر البعض ذلك تجنياً على الولي الصالح الذي عاش في تونس خلال القرن الرابع عشر ولا يعرف عنه سكان تونس العاصمة ولا المؤرخون الشيء الكثير.

العلاقة بين وجود ماخور في نهج أحد الأولياء الصالحين أو بالقرب من زاوية ليست مسألة مرتبطة فقط بهذا المكان، فقد جاورت بيوت الدعارة تاريخياً في المدينة العتيقة في تونس أنهج الأولياء الصالحين منذ أن انطلقت الدعارة في تونس بشكل منظّم وقانوني قبل أكثر من ستة قرون.

تسع مواخير ارتبطت بزوايا الأولياء الصالحين

ارتبطت أغلب المواخير في تاريخ تونس بأماكن وجود زوايا الأولياء الصالحين، طيلة مئات السنوات، بل وتقاسمت معها الزوّار، وبقيت "في حمايتها"، خشية من بطش الرافضين لوجودها.

يروي المؤرّخ عبد الستار عمامو لرصيف22 أن كثيراً من مواخير تونس ارتبطت بزوايا وأنهج الأولياء الصالحين، على غرار الماخور الوحيد المتبقي في مدينة تونس والموجود في نهج الولي الصالح سيدي عبد الله قشّ.

وأفاد عمامو بأن تسعة مواخير في العاصمة ارتبطت أماكنها بأنهج تحمل أسماء الأولياء الصالحين، على غرار سيدي بن نعيم وسيدي منصور وسيدي عبد الله قشّ، موضحاً أنّ الجدل الحاصل حول الماخور الموجود في نهج سيدي عبد الله يعود إلى كونه الماخور الوحيد الذي بقي في العاصمة، وهو موجود منذ فترة ما قبل الاستقلال.

وأكّد عمامو أن عدد المواخير في مدينة تونس كان في حدود الـ14 قبل الاحتلال الفرنسي لكن بقي فقط 9 منها، قبل أن تغلق 8 مواخير، مشيراً إلى أنه في بداية القرن العشرين كان هنالك ماخور يشغّل رجالاً واسمه عليّ واكي.

وقال عمامو إنّ هنالك اعتقاداً كان سائداً في المخيال الشعبي وبين أصحاب المواخير، وهو أن بيوت الدعارة الموجودة بجانب الزوايا والأولياء الصالحين تتمتع بحمايتهم، ولكنه يلفت إلى أن عدداً من العاملين في هذه البيوت لم يكونوا من المسلمين وإنما من المسيحيين واليهود.

وأوضح عمامو أن انطلاق الدعارة المقننة في فضاءات مخصصة لهذا النشاط كان في العهد الحفصي حين صار هذا النشاط من مشمولات قاضي المزوار، وكان يدرّ أموالاً كثيرة على خزينة الدولة، إذ أنّ البغاء كان يُعتبر القطاع الثالث من حيث مداخيل الدولة بعد القرصنة والنخاسة.

وأشار إلى أن المرأة التي كانت تمارس هذه المهنة خارج الأطر القانونية تعاقَب عبر التنبيه والضرب قبل أن توضع في كيس بصحبة قط وتثقّل بحجر ثم ترمى في بحيرة تونس.

وعن تساهل بعض الأولياء مع العاملات في الدعارة، ذكر عمامو قصة السيدة عائشة المنوبية (1190-1266) التي كانت داعمة للمرأة في عصرها وكانت تحمي النساء اللواتي يغادرن بيوتهن بسبب عزم آبائهن على إرغامهن على الزواج.

وتابع عمامو أن السيدة المنوبية كانت أيضاً تحمي النساء اللواتي أخطأن بأي شكل من الأشكال، ومنهنّ العاملات في الدعارة.

تسامح الصوفية مع العاملات في الدعارة

تظهر العلاقة الوثيقة التي تكشفها جغرافيا المواخير في تونس وتجاور المقدّس، بما يمثّله من قيمة روحية لدى المجتمع، مع المدنّس، وكأنها تعبير عن تناقض صريح.

يفسّر الدكتور أحمد الأبيض (لَبْيَض) صاحب كتاب "فكّ شفرة المشهدية الجنسية" احتماء بيوت الدعارة أو العاملين فيها بالأولياء الصالحين والتقرّب منهم بأنه يعود إلى أن الصوفية هي أقلّ الفرق الإسلامية صرامة تجاه المخطئين، على عكس الفقهاء الحازمين.

جاورت بيوت الدعارة تاريخياً في المدينة العتيقة في تونس أنهج الأولياء الصالحين منذ أن انطلقت الدعارة في تونس بشكل منظّم وقانوني قبل أكثر من ستة قرون

ويضيف لرصيف22 أن الأمر فيه أبعاد إنسانية ودينية على اعتبار أنّ الذين يتاجرون بأجسادهم لم يخرجوا عن عقائدهم ودينهم، وإنما بقوا يعتبرون أنفسهم مسلمين، ولذلك يلجأون إلى الفرق الإسلامية التي تقبل بهم وتخفف من لومهم.

ويعتبر أنّ العمل الدعارة لا ينزع عن صاحبه الإيمان، مذكّراً بحديث الرسول عن "امرأة زانية من بني إسرائيل" مرّت بالقرب من بئر وكانت عطشى، ولكن لم يكن فيه حبل أو دلو فنزلت بصعوبة وشربت ولما خرجت وجدت كلباً يلعق التراب من شدة العطش فعادت إلى البئر وملأت حذاءها بالماء لتسقيه، فغفر الله لها ذنوبها.

وتابع الأبيض أن مَن يخطئون سواء بالبغي أو بغيره قد يغفر الله لهم ذنوبهم، لذلك فهم يحاولون الاحتماء بالصوفية التي هي في الغالب متسامحة وغير صارمة.

وأضاف أن عدداً كبيراً من الأشخاص الذين يتبعون الولي الصوفي لا يكونوا شديدي الالتزام بتعاليم الإسلام في مختلف مظاهره، وإنّما يكون لديهم عمق داخلي نفسي وروحي، حتى أنّهم أحياناً يشجبون ما يفعلونه ولكن يحتجون بأنّ الظروف الاجتماعية هي التي أجبرتهم على ذلك، وهو ما يتفهمه الصوفيون أحياناً دون سواهم من الفرق الإسلامية.

وعلّق على هذا الأمر بقوله: "الزاوية تتفهّم هذا الاعتراف الذاتي لدى المخطئ وتأمل أن احتضانها له سيساعده على أن يتطوّر نحو الأفضل".

وأشار إلى أن الزاوية في التاريخ التونسي وعبر العصور السابقة كانت ملاذاً للهاربين من السلطة السياسية وكذلك للذين يرتكبون أخطاء اجتماعية، وكانت تحميهم من الاعتقال أو التنكيل.

المجتمع قاسٍ والظروف أقسى

في تونس، ورغم أن الجميع يعرف بيت الدعارة الموجود في نهج سيدي عبد الله قشّ، إلا أنّه من الصعب أن يتحدّث الناس مع العاملات هنالك، فهنّ يرفضن الحديث إضافة أنه من الصعب الالتقاء بهنّ خارج ذلك إطار عملهنّ.

ولكن تمكنّا من الحديث قليلاً مع إحدى النساء اللواتي عملن سابقاً في أحد بيوت الدعارة. تروي "فائزة" (اسم مستعار) أنها لم تذهب يوماً إلى زاوية لتتبرك بها وربما لا تنوي ذلك ولكن بعض مَن عملنَ معها سابقاً ذهبن.

"هنالك اعتقاد كان سائداً في المخيال الشعبي وبين أصحاب المواخير، وهو أن بيوت الدعارة الموجودة بجانب الزوايا والأولياء الصالحين تتمتع بحمايتهم"

فائزة تجاوزت الأربعين من عمرها. هي أم لطفلة وحيدة من زواج دخلته وهي بعمر الـ17 قبل أن تتطلق بعد سنة من ذلك وتسلك طريق الدعارة بسبب الحاجة ثم تعمل في ماخور لسنوات عدّة.

تروي لرصيف22 أن زميلة سابقة لها ذهبت إلى إحدى زوايا العاصمة وغطت رأسها بحجاب وغيّرت مظهرها حتى لا يعرفها أحد، ودخلت إليها وأشعلت شموعاً.

تقول إن صاحبتها هذه كانت متعوّدة على الذهاب إلى "التقازات" (العرافات أو قارئات الكف) وهي تؤمن بهذه الطقوس وتجلها وكثيراً ما تبكي في خلواتهم وتضيف: "كانت تخاف الموت. كلنا نخشى الموت".

وختمت فائزة حديثها بالقول: "ربما ما نقوم به لن يغفره الله ولكن المجتمع قاس والظروف أكثر قسوة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard