516 تحركاً احتجاجياً في شهر واحد... تونس على حافة اندلاع "ثورة جياع"

الأحد 28 يونيو 202010:44 ص

"عندما تخرّجتُ من الجامعة سنة 2004 كنت متحمّساً للحصول على وظيفة أحسّن بها مستوى عيشي وأسرتي. اتبّعتُ المسار الكلاسيكي لأي طالب تونسي متحصل على شهادة علمية، وتقدّمتُ بملفاتي لعدة مؤسسات عمومية كما اجتزتُ عدة اختبارات وطنية للحصول على وظيفة عمومية، غير أن محاولاتي كلّها باءت بالفشل".

يعيش ونيس غابري (44 سنة) ابن منطقة المكناسي، في محافظة سيدي بوزيد وسط غرب البلاد، والمتحصل على شهادة في التاريخ والجغرافيا، رفقة زوجته وطفليْه في منزل والديه، وهو معيل أسرته الوحيد.

"نخاطب صخراً"

لم يبقَ ونيس مكتوف الأيدي خلال السنوات الـ16 من بطالته المقنّعة أمام حجم المسؤوليات التي تنتظره من مصاريف الأكل واللباس والدراسة وفواتير الماء والكهرباء والعلاج. جرّب الكثير من الأعمال الحرّة في قطاع البناء والزراعة وقام بجمع الزيتون واللوز ورعي الأغنام وأسس بعض المشاريع الصغرى كتربية النحل لم تدم طويلاً لقلة التمويلات، يؤكد لرصيف22.

عام 2013، شارك في اختبار للعمل في منجم فسفاط المكناسي ولم يُنادى عليه إلا سنة 2019 كعون أشغال عادي في المنجم يتولى جمع الأوساخ والتنظيف. يقول: "قبلتُ الوظيفة مع احترامي للعمالة في هذا المجال لأني مضطر لذلك".

لم تدم فرحة ونيس طويلاً. وجد نفسه مع 164 عاملاً آخرين بعد سنة، في أيار/ مايو الماضي، بلا عمل، لأن الجهة المسؤولة وهي شركة فسفاط قفصة ووزارة الطاقة والمناجم، لم تنتدبهم.

اعتصم ونيس وبقية عمال المنجم مطالبين بتسوية وضعياتهم، في الرابع من أيار/ مايو الماضي، فيما قامت قوات الأمن بفض الاعتصام بالقوة، كما تنصلت السلطات المحلية والجهوية والوطنية من مسؤولياتها تجاههم وتجاهلت مطالبهم. "وكأننا نخاطب في صخر"، يقول.

يعتبر ونيس أنه ضحية سياسات الدولة التشغيلية الهشة، "فليس لديها نموذج تنموي يساوي بين المحافظات، وهناك مناطق تخلق الثروة ولكنها محرومة منها وتتوفر على طاقة هامة من اليد العاملة المختصة ولكنها على قارعة الطريق".

ويطالب "بوظيفة شريفة تضمن له ولأسرته العيش الكريم وبعدالة اجتماعية لمنطقته ومحافظته بصورة عامة".

"كل الأبواب أغلقت في وجهي"

في محافظة القيروان، يعاني لطفي الرمضاني (41 سنة) من عدم الاستقرار الوظيفي والبطالة منذ 18 سنة، أي منذ نيله شهادته العليا في الكيمياء سنة 2002.

"أنا من أسرة معوزة وأنا معيلها الوحيد ووالدتي تعاني من أمراض مزمنة، تقدّمتُ منذ تخرجي بعدة طلبات للتشغيل وشاركت في اختبارات الوظيفة العمومية ولكن دون جدوى"، يوضح لرصيف22.

سنة 2006، نجح لطفي في أحد الاختبارات، ليُفاجأ بعدها بحذف اسمه واستبداله بآخر. تقدّم بشكوى حول ذلك سنة 2007 وهدد بالانتحار، لكن لم يجد آذاناً صاغية، بل جرى إيقافه والتحقيق معه.

بعد إطلاق سراحه تقدم لطفي بطلب للتخلي عن الجنسية التونسية، سنة 2008، فأوقف مرة أخرى. "أوقفت قبل الثورة خمس مرات بتهمة إثارة الشغب والتحريض والتشويش على الأمن العام ووقع التنكيل بي من قبل بوليس نظام الرئيس السابق بن علي، من ضرب وشتم وإهانة"، يروي لرصيف22.

ويضيف: "والأخطر من ذلك أني عُرضت على طبيب نفسي عنوة لإخراجي كمريض نفسي على خلفية احتجاجاتي المتكررة والمطالبة بحقي المشروع في وظيفة عمومية".

بعد الثورة، التحق لطفي بإحدى آليات التشغيل الحكومية في أحد مخابر المعاهد الثانوية في انتظار تسوية ملفه وانتدابه بصفة مباشرة، ليُفاجأ مرة أخرى بقرار صدر عن رئيس الحكومة الأسبق علي لعريض سنة 2013 بإيقافه عن العمل.

بعد خروجه، طرق لطفي العديد من الأبواب لكنها أغلقت بوجهه، كما يقول، وكان دائم الحضور إلى اليوم في مختلف التحركات الاحتجاجية لأصحاب الشهادات العليا العاطلين عن العمل للمطالبة بالتشغيل.

مرة ثانية، حُذف اسمه بعد قبوله من اختبار وطني آخر أجراه، يؤكد. تواتر الممارسات القمعية بحقه دفعه مؤخراً إلى طلب اللجوء من سفارة بلجيكا في تونس فجوبه مرة أخرى بالحلول الأمنية بإيقافه والتزامه بعدم الرجوع إلى السفارة.

"لم أجد حلاً: إما أن أحرق نفسي أو أركب قوارب الموت وأهاجر. أقضي فترات بطالتي في العمل في البناء والزراعة حتى أعيل نفسي ووالدتي المسنّة وأوفّر لها أبسط ضروريات الحياة من علاج وطعام ولباس"، يوضح لرصيف22.

يعتبر الشاب التونسي أن الحكومات المتعاقبة بعد الثورة واصلت اعتماد نهج عدم المساواة بين مناطق البلاد واعتماد المطالب الاجتماعية كشعارات انتخابية فحسب، مطالباً "بموطن شغل يحفظ كرامتي وكرامة أسرتي".

"كنتُ ضحية المحاباة"

إلى أقصى الجنوب التونسي، وتحديداً إلى محافظة تطاوين. هنا، يقيم الشاب عبد الجليل التومي (35 سنة) المتحصل على شهادة عليا منذ سنة 2009 في اختصاص تقنيات التنقيب والضخ، وهو المعيل الوحيد لوالدته الأرملة.

بدوره، تقدّم عبد الجليل بعدة ملفات للحصول على وظيفة عمومية وشارك في عدة اختبارات وطنية، ولكن دون نتيجة.

"الطبقة السياسية في تونس فشلت في إنجاز بديل اقتصادي واجتماعي، وكان هاجسها التعايش مع القديم في أبعاده السياسية والمالية والاقتصادية، من خلال العائلات واللوبيات والجماعات المتنفذة اقتصادياً، عوض طرح بديل للفئات الاجتماعية المتضررة"

يقول لرصيف22: "كان لي أمل في المؤسسات البترولية المتمركزة في تطاوين وهي بمثابة المتنفس لأبناء المحافظة ولكن للأسف لم أُقبل فيها. في أواخر 2009، قُبلت في إحدى الشركات ولكن في ما بعد مُحي اسمي ولا أدري مَن فعل ذلك وكيف".

رغم ذلك، استمر الشاب في تقديم طلبات التشغيل، كما شارك في برامج ومنح التشغيل التي تقدمها الحكومة لأصحاب الشهادات العليا العاطلين عن العمل، وأحياناً كان يعمل في الوظائف الحرة كعامل بناء.

"كنتُ ضحية المحاباة والوساطة المتفشية في اختبارات الدخول إلى الوظيفة العمومية التي استمرت حتى بعد الثورة"، يقول.

استبشر عبد الجليل باعتصام الكامور، وهو حركة احتجاجية في منطقة الكامور البترولية للمطالبة بالتشغيل والتوزيع العادل للثروات سنة 2017، وما تلاه من اتفاق مع الحكومة، لكن طلبه للعمل في شركة البيئة بالمنطقة رُفض مرتين، ليقوم بتوقيع عقد مع شركة للطاقة الشمسية في الجهة حتى لا يبقى عاطلاً عن العمل.

يرى عبد الجليل أن طريقة إجراء الاختبارات الوطنية للحصول على وظيفة تعاني إشكالاً في المقاييس، بحيث لا تراعي خصوصيات كل منطقة من حيث الكثافة السكانية ونسب الفقر والبطالة إضافة إلى تغييب الجانب الاجتماعي في الاختبارات.

وينتقد تقصير الدولة مع محافظته ومطالب شبابها قبل الثورة وبعدها بسبب التجاذبات السياسية والحزبية، مطالباً "بالشغل والتنمية لكافة المحافظة، وعلى رأسها قطاع الصحة الذي يعرف وضعية كارثية".

"ثورة جياع"؟

وفي أيار/ مايو الماضي، بعد رفع السلطات التونسية الحجر الصحي المفروض مع نهاية نيسان/ أبريل الماضي، شهدت البلاد ارتفاعاً بنسبة 100% في الحراك الاجتماعي، إذ سُجّل 516 تحركاً احتجاجياً، بحسب تقرير للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وشملت هذه التحركات ذات الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية قطاعات التربية والصحة والنقل وتركّزت المطالب أساساً حول توفير الخدمات الأساسية كالماء وتحسين الأجور وتوفير فرص العمل.

وتصدرت محافظة سيدي بوزيد (وسط) الترتيب بـ188 احتجاجاً، تلتها تطاوين (جنوب) بـ58 تحركاً، ثم القيروان (وسط) بـ49.

كما شهدت محافظة سوسة (الساحل) وجندوبة (شمال غرب) احتجاجات شعارها الأساسي توفير الماء، والقصرين وقفصة (وسط) احتجاجات شعارها التشغيل، وفق المصدر نفسه.

الاحتجاجات الاجتماعية التي طغت عليها المطالب المعيشية ذهبت بعض الأطراف في تونس إلى تسميتها بـ"ثورة الجياع".

ولكن بحسب المكلف بالإعلام في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر، لا يمكن الحديث عن "ثورة جياع"، بل يجب الحديث عن ثورة حقوق دستورية جاء بها دستور الثورة 2014 من بينها الحق في الشغل والصحة والتعليم والماء.

"الفاعل السياسي الذي يمسك بزمام السلطة في تونس اليوم أمام خيارين: إما أن يتعاطى إيجابيا مع انتفاضة الجياع أو سيجد نفسه أمام تيار اجتماعي جارف لن يتمكن من الوقوف أمامه وسيلفظه بسهولة مثلما لفظ الاستبداد من قبله"

ويعتبر الكاتب في جريدة الشعب صبري الزغيدي أن الحراك الاجتماعي كان منتظراً وهو لم يخفت منذ اندلاع الثورة، إذ "بقيت شعارات تحسين الأوضاع المعيشية مرفوعة إلى الآن وستتواصل طالما أن الحكومات في تونس لا تمتلك في جعبتها أي برامج واضحة وواقعية لبناء اقتصاد وطني قوي ومستقل يحسّن أوضاع الناس الذين اكتووا بالأسعار المهولة واهترأت طاقاتهم الشرائية".

في المقابل، يرفض المحلل السياسي فتحي الزغل القول إن تونس تعيش حالياً موجة ثورية جديدة لأن "الاحتجاجات تنقسم إلى مشروعة وأخرى غير مشروعة".

ثورة الداخل

يتركز الاحتقان الشعبي أساساً في المناطق الداخلية (الجنوب، الشمال الغربي، الوسط).

وأظهرت نتائج المسح الوطني حول الإنفاق والاستهلاك ومستوى عيش الأسر لسنة 2015، والذي أجراه المعهد الوطني التونسي للإحصاء، ارتفاع نسبة الفقر في هذه المناطق لتبلغ 30.8% في إقليم الوسط الغربي و28.4% في الشمال الغربي و18.6% في الجنوب الشرقي.

من جهة ثانية، احتلت محافظة تطاوين المرتبة الأولى حسب إحصاءات المعهد حول نسب البطالة في المحافظات لسنة 2016 بنسبة 32%، تلتها قفصة بنسبة 28.2% ثم قبلي بـ25.8%.

يقول بن عمر لرصيف22 إن الطبقة السياسية عمّقت مؤشرات التفاوت بين مناطق البلاد يوماً بعد يوم، ويتضح ذلك من نسب الفقر والبطالة، وإن الحركات الاحتجاجية في المناطق الداخلية ما زالت تناضل حتى تستطيع إيجاد بديل وفرض تغيير في السياسات ومساءلة المنتخَبين، وهي عملية تتطلب صبراً.

بدوره، يربط الناشط في الحراك الاجتماعي وعضو التنسيقية الوطنية للحركات الاجتماعية عبد الحليم حمدي تنامي الاحتجاجات المطلبية المعيشية بانتهاء الحجر الصحي الذي فرضه وباء كورونا في تونس. ويقول لرصيف22: "جعلت الكورونا المواطنين يكتشفون أنه ليست لديهم أية حماية اجتماعية كما عرّت حقيقة الوضع الاقتصادي للمناطق المهمّشة".

"نموذج تنموي خاطئ"

يتحدث الزغل لرصيف22 عن "احتجاجات مشروعة" ويرى أن سببها غياب العدالة الاجتماعية الأفقية وقيام النموذج التنموي التونسي حتى قبل 2011 على قسمة غير عادلة اجتماعياً بين المناطق الداخلية والساحلية والمدن الكبرى في التنمية والطرقات والمؤسسات والمشاريع العمومية الكبرى.

كما يعزوها إلى غياب العدالة العمودية من خلال امتلاك واحتكار وتحكّم قلة قليلة من الشعب في كل الثروات وسيطرتها على كل اقتصاد البلاد.

وما أجج الشارع التونسي اليوم، برأيه، هو عدم تغيير حكومات ما بعد الثورة لهذا النهج "الخاطئ"، إذ أصبحت الطبقة الاقتصادية الفاسدة تمارس السياسة وضيّقت الخناق على عامة الشعب.

لكن الزغل يتحدث أيضاً عن "احتجاجات غير مشروعة" تتضمن الإضرابات والاعتصامات التي يتبناها الاتحاد العام التونسي للشغل، محمّلاً إياه تبعاتها.

يُشار إلى أن مختلف الحكومات السابقة عقدت عدة مجالس وزارية أصدرت على إثرها عدة قرارات لمصلحة بعض المناطق الداخلية، ولكنها بقيت حبراً على ورق. ونذكر من بينها على سبيل المثال قرارات رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 لفائدة محافظة القيروان، وإقرار الشاهد في آب/ أغسطس الماضي 95 قراراً تنموياً لفائدة سيدي بوزيد، وإعلان حكومته في نيسان/ أبريل 2017 إجراءات تنموية لفائدة محافظة تطاوين.

ارتباك وفشل

يختلف المراقبون في تحديد الجهات المسؤولة عن هذا الحراك الاجتماعي.

يحمّل رمضان بن عمر المسؤولية للطبقة السياسية التي ظهرت بعد الثورة والتي "كانت مرتبكة وفشلت في إنجاز بديل اقتصادي واجتماعي، وكان هاجسها التعايش مع القديم في أبعاده السياسية والمالية والاقتصادية، من خلال العائلات واللوبيات والجماعات المتنفذة اقتصادياً، عوض طرح بديل للفئات الاجتماعية المتضررة".

بدوره يحمّل عبد الحليم حمدي السلطة الحاكمة المسؤولية لأنها لم تستجب منذ الثورة إلى اليوم استجابة حقيقية لمطالب الثورة واكتفت بمجرد وعود انتخابية جوفاء وبالمواصلة في استعمال نفس الخيارات الاقتصادية الليبرالية المتوحشة القائمة على التفاوت بين المناطق.

ولفت إلى ضرورة أن تكون الحركة الاحتجاجية "واعية بأنها حركات مقاومة تستهدف سياسات وخيارات اقتصادية غير شعبية وليست فقط حركات مطلبية، حتى تعي كل السلطات الحاكمة أن السلم الاجتماعي مرتبط بحل هذه المشاكل وبإنشاء الدولة الاجتماعية الراعية".

في السياق ذاته، يقول الكاتب صبري الزغيدي لرصيف22 إن حركة النهضة التي تحكم منذ سنة 2011 وإلى الآن وكل الأحزاب التي تحالفت معها، مسؤولة عن الغليان الشعبي بسبب توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية المرتبطة أشد الارتباط بإملاءات الدوائر المالية العالمية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي.

مقابل ذلك، يعتبر الزغل أن التحركات التي وصفها بـ"المشروعة" والتي تُنظّم دون أي غطاء سياسي أو نقابي، تتحمل مسؤوليتها الحكومة التي تستمر في التنصل من تطبيق عدة اتفاقات مبرمة مع عدة أطراف من مناطق البلاد، وفي عدم تطبيق نموذج تنموي ثوري.

تداعيات

يرى مراقبون أن الحراك الاجتماعي الحالي سيؤثر سلباً على المشهد السياسي التونسي الذي يمرّ بأحلك فتراته في ما يعارض آخرون ذلك.

يقول الزغيدي إنه من "الطبيعي جداً أن تكون لهذه الاحتجاجات تداعيات على المشهد السياسي، لأن الفاعل السياسي الذي يمسك بزمام السلطة اليوم أمام خيارين: إما أن يتعاطى إيجابيا مع انتفاضة الجياع أو سيجد نفسه أمام تيار اجتماعي جارف لن يتمكن من الوقوف أمامه وسيلفظه بسهولة مثلما لفظ الاستبداد من قبله".

على عكس ذلك، يعارض الزغل الرأي القائل بأن موجة الاحتجاجات التي تشهدها تونس هذه الفترة ستدفع باتجاه إجراء تغييرات في الحكومة في الأسابيع القليلة القادمة، وإنما "سيكون التغيير بهدف دعم تماسك وتضامن ووحدة الحكومة"، بحسب تقديره.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard