“كنا بنتباهى بحلاوته“... قدس أقداس المطبخ الصعيدي هو “الكشك”

الثلاثاء 27 أكتوبر 202003:39 م

تعلم أم رجاء أنّ الوقت متأخر للتفكير في إعداد "الكِشك"، ربما ستتهامس عليها جاراتها، ويقلن إنها "اتقرت"، أي جُنَّت بلغة الصعيد. فكل الصعايدة يعرفون أن إعداد "الكِشك" له مواعيد ثابتة لا تتغير، كما مواعيد الزراعة والحصاد.

يعدّ ويُصنع "الكشك" في عزّ "طهبوجة بؤونة وأبيب"، أي في شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس وفقاً للتقويم المصري القديم الذي يستخدمه الفلاحون في القرى والصعيد، بعدهما من المؤكد أن "الكشك" سيفسد أو يكون أقل جودة، لو لحقه الخريف، لكن في أيلول/سبتمبر تبدأ "الطراوة"، خصوصاً في ساعات الليل والفجر.

لكن أم رجاء أصرت على عمله حتى لو كان في عز "برد بابة"، تشرين الثاني/أكتوبر، بعدما علمت بقدوم ابنتها المغتربة في أمريكا منذ أربع سنوات.

أول ما طلبته ابنتها في مهاتفتها الأخيرة معها أن تأكل طبق كشك بالبيض والسمن البلدي من صنع يدي أمها.

استمعت لنصيحة زوجها الفلاح العجوز بأن تعجل قبل دخول "بابة"، وذكّرها بالمثل الفلاحي القديم "لما يخش بابة اقفل الدرابة"، أي عندما يأتي شهر "بابة" يجب عليك إغلاق النوافذ اتقاء للسعة برده.

"كان الشارع كله بيتجمع في ليلة زي كده، نسهر مع بعض نكعرم الكشك، النهارده عندي، بكره عند أم فلان، بعده عند أم علان، وكل واحدة تتباهى بحلاوة كشكها عن كشك الأخريات"

يتم الاستعداد لعمل "الكشك" مبكراً كل عام لكثرة المراحل التي يمر بها، حتى يخرج في شكله النهائي، تلك الكرات الصغيرة التي لا تُظهر مقدار المجهود المبذول في صنعها.

تقسيم القمح وسلقه

مع دخول محصول القمح في شهري "برمودة وبشنس"، نيسان/إبريل وأيار/مايو، تبدأ مرحلة تنقية القمح من الشوائب والطين، وغربلته، ثم غسله جيداً بالماء، ونشره على الأسطح ليجف.

ثم يتم تقسيم القمح كميات لصنع العيش البتاو أو الرغيف الشمسي والضلي، و"الكشك".

قررت أم رجاء عمل "ربع أردب قمح" فقط (الأردب يساوي 157.5 كيلوغرام). قامت بسلق الكمية جيداً في الماء، وهي عملية شاقة، خصوصاً في أيام القيظ الشديد، ليعاد نشر القمح مرة أخرى على سطح منزلها حتى يجفّ تماماً، ووضعه في أشولة كبيرة، وإرساله إلى الطاحون لدشه "دشيشة كشك" مع التأكيد على عامل الطاحون بالاحتياط ألا تخرج الدشيشة ناعمة جداً أو خشنة أكثر من اللازم، إذ من الأفضل أن يخرج الكشك هشاً ومتماسكاً في ذات الوقت… وهي مرحلة قد يفسد بسببها الكشك تماماً لو أخطأ العامل، أو كان أقل احترافية.

"يا رب السما ما تمطرش"

شعرت أم رجاء بالقلق فور رؤيتها لأشولة الدشيشة تدخل البيت في اليوم الثاني من ذهابها للطاحون، فزوجها لم يشتر حتى الآن "اللبن الحامض" من سوق مدينة "ملوي".

تقول أم رجاء لرصيف22: "فين أيام ما كانت كل واحدة بتعمل الحامض في بيتها زمان، وكان من العار إننا نشتري من بره، كنا نخزن اللبن على مدار العام لصنع الحامض منزوع الدسم". يشتد توترها عندما تتذكر أن اليوم هو السبت مساء. وعليها أن تنتظر ليوم الأربعاء القادم لشراء "الحامض"، فالسوق لا يعمل إلا صباح يومي السبت والأربعاء ثم تنظر إلى السماء الملبدة بالغيوم، وتدعو: " عشمي فيك كبير يا رب ييجي يومين حر والطراوة ما تندلاش غير لما أعمل الكشكات".

وقامت أم رجاء بعمل المرحلة الأخيرة قبل وضع الحامض على الدشيشة، وهي تهوية الدشيشة أمام المراوح، وبالصواني حتى تفصل القشرة عن حبوب القمح المدشوش.

تفاءلت أم رجاء فور لمسها وتذوقها للبن الحامض.

تفاءلت أم رجاء فور لمسها وتذوقها للبن الحامض، الذي اشتراه زوجها فجرًا، وقبل خروج الفلاحين للغيطان، واستبشرت خيرًا عندما شعرت أن الطقس يحالفها، فالجو به بعض الرطوبة، التي تنم عن شمس حارقة لهذا النهار، ولا بد أن تستغل ذلك جيدًا إن أرادت ألا "تُشمّت" فيها جاراتها وأحفادها، لا سيما أن الأخيرين كانوا يتضاحكون كلما عبرت الجدة عن قلقها على "الكشك".

فوراً أرسلت إلى أم رامز، ابنتها الكبرى التي تقيم على بعد شارعين فقط، لتأتي لمساعدتها في المرحلة الأخيرة، اليوم قبل غروب الشمس، واستغلال الطقس الحار نسبياً كما توقعت.

ترى أم رجاء أنها كبرت ولا تستطيع عجن الكشك بيديها كله وحدها، كما كانت تفعل قبل عشرين عاماً.

مع حضور أم رامز بدأت الاثنتان في مرحلة "الحمو"، وهي وضع اللبن الحامض علي الدشيشة وعجنها جيداً ليختلط الحامض بكل ذرة من القمح، كما وضعت أم رجاء كمية مناسبة من الكمون ليعطي النكهة الطيبة للكشك، وترك العجين من ثلاث إلى ست ساعات ليختمر.

تقول أم رامز: "هناك من يضع الشطة الحمراء على الكشك، وسمعت أنه في " بلاد بحري" مناطق تضع السكر على الكشك، أجهل كيف يعتبرون هذا كشك!".

"يعتبر الكشك قدس أقداس المطبخ الصعيدي المصري، وقد انتشر في البلدان العربية، مثل سوريا والأردن وفلسطين، باختلافات بسيطة في الكونات"

كانت أم رجاء قد استعدت وغسلت الحُصر جيدًا، والملاءات، وفرشتها على سطح منزلها، ولما اختمر العجين، جلست هي وابنتها وأحفادها لـ "كعرمة الكشك"، وتحويله لكرات صغيرة، ومتماسكة جيدًا عن طريق تدويرها بين راحتي اليدين لمدة عشر ثوانٍ، ووضعها في الصواني أو "أطباق السعف" لتجف على الحُصر.

تتذكر أم رجاء أيام السهرات الصيفية فوق أسطح المنازل: "كان الشارع كله بيتجمع في ليلة زي كده، نسهر مع بعض نكعرم الكشك، النهارده عندي بكره عند أم فلان، بعده عند أم علان، لغاية ما الشارع كله يخلص عميل ونوزع الكشك على بعض وكل واحدة تتباهى بحلاوة كشكها عن كشك الأخريات.. لكن دلوقت ماعدش حد بيعمل كشك زي زمان لأنه متعب وبقى صناعته غالية، حتى اللي نفسه بتهفه ع الكشك بيعمل كيلة ولا كيلتين".

تقول أم رجاء إن الأغلبية الآن من الفلاحين أنفسهم أصبحت تشتري الكشك الجاهز من السوق.

أسطورة مصرية للكشك

يعلق مطصفى الرفاعي، أستاذ الطهو الاحترافي بجامعة هنري فورد في إنجلترا، لرصيف22: "يعتبر الكشك قدس أقداس المطبخ الصعيدي المصري، وقد انتشر في البلدان العربية، مثل سوريا والأردن وفلسطين باختلافات بسيطة في المكونات".

ويرجح الرفاعي بمصرية "الكشك"، يقول: "إن مكونات الكشك من قمح ولبن وكمون مكونات من الطبيعة المصرية أكثر من أي بلد أخر، لذلك فإن الكشك مصري مائة في المائة".

تقول القصة المتداولة في الصعيد، والمنشورة على مواقع الانترنت المحلية عن الكشك الصعيدي، إنه عندما كان الملك المصري "أحمس" يطارد الهكسوس في جنوب مصر، وعندما نفدت منه المؤن قرب إقليم أشمون، المنيا حالياً، اقترح عليه كهنته أكلة سهلة ومليئة بالعناصر الغذائية ولا تفسد، فأعدّوا الكشك للجنود، لكن الرفاعي لا ينفي ولا يؤكد تلك القصة، لأنها تفتقد المصادر التاريخية، ويشير إلى أن أصل الكشك ربما "فرعوني".

خمسة أيام، ظلت أم رجاء تصعد درجات منزلها لتصل للسطح، مرتين يوميًا، لتطمئن على الكشك، وتغطيته مساءً من ندى الليل، وتعريته صباحًا لتلفحه الشمس ليجف تمامًا، وتفرح للنتيجة النهائية، وتبدي رضاها التام عن مغامرتها، وتختم كلامها بالدعاء إلى الله: "ربنا يرد غيبتك يا بنتي وتاكلي اللي نفسك فيه ويعجبك وده عندي بالدنيا وما فيها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard