"أمك حملت لك العيش والبيرة"... "رغيف الخبز" في حياة المصريين وحكاياتهم

الاثنين 19 أغسطس 201908:13 م

وسط زحمة السير في شوارع القاهرة تألف عيونكم رجلاً يركب دراجة، يحمل وجه قفص خشبي كنت تعتقد أنه يستخدم فقط لحمل وتخزين الفواكه، لكنَّه الآن ملاذ لأرغفة خبزٍ ساخنة، تستقرّ فوق رأس الرجل الذي يسير متوازناً بخفَّة بين المارة، كأحد بهلوانات السيرك.

على طرف الطريق الآخر ربما تشاهد شابة تتوقف عن السير فجأة، تنحني لتلتقط شيئاً من الأرض، تقرّبه من فمها سريعاً فيما يشبه القبلة، ثم تختار مكاناً بعيداً عن أرجل السائرين أو طرف سورٍ عالٍ، وتضع ما في يدها هناك، تعرفون الآن ماذا كانت تحمل.

يجمع كل هذه المواقف، وربما يجمعك معهم عبر سيرك في الطرقات وأنت في طريقك للعمل، أو تتنزه كسائح، "رغيف العيش" أو الخبز الذي غيَّر وجه مصر، بدءاً من زراعته وتقديسه حتى تصديره، والمطالبة به في الانتفاضات والثورات التي هزّت مصر عبر تاريخها.

الخبز هدايا وتضامن بين الفلاحين

تخبز عائلة روفان، مرّة كل شهر، بالإضافة إلى فترة الأعياد والمناسبات مثل: الخطبة، الزواج، الولادة، الوفاة، أو حتى زيارات الضيوف.

تقول روفان، التي تعمل مندوبة دعاية طبية، إن هناك نوعين من الخبز: عادي طويل الشكل يعجن بماءٍ فقط، وآخر يسمى (كماج) يُخبز باللبن والسمن. تستعمل روفان وعائلتها للخَبز أي نوع قمح متوفر.

تحكي روفان لرصيف22: "كانت جدتي تخبز كل مرة كمية تكفي أسبوعاً كاملاً، تعجن قبل الفجر، ثم تبدأ عملية الخبز من الشروق حتى المغرب، ونحن نخبز في التوقيت ذاته".

ولجعل الخبز طرياً، اعتادت جدة روفان أن تضع أي نبتة خضراء مع الخبز، برسيم أو أوراق الذرة الخضراء.

تعيش روفان مجدي في عزبة الغاوي، قرية تابعة لمحافظة دمياط، تشتري عائلتها الخبز المدعَّم أحياناً، وخبز الأسواق أحياناً أخرى.

يستخدم الريفيون الخبز كهدايا للأقارب والأصدقاء، تقول روفان: "إن خبزنا ولم يخبز أقاربنا وجيراننا، نرسل لهم عشرة أرغفة من العيش، وعشرة من (الكماج)، وهم يفعلون ذلك معنا أيضاً، كبرنا ورأينا الكبار يفعلون ذلك، ففعلنا مثلهم كنوعٍ من التضامن الاجتماعي، وفي مناسباتنا يخبزون لنا دون مقابل".

في خطبة روفان، تطوّعت جارتها للخَبز لهم بهذه المناسبة، وأوصلت لهم كمية كبيرة من الخبز قبل الاحتفال بيوم واحد.


"رائحة الخبز تستحق"

عملية الخبز أكثر تعقيداً لدى سهر محمد، مُعلِّمة من إحدى قرى محافظة المنصورة، تخبز أسرتها كل ثلاثة أسابيع تقريباً، لكنهم يبدؤون من الصفر، يشترون القمح، ويغربلونه، ثم يحمّصونه في الشمس، ثم يرسلونه إلى المطحنة، ويؤخذ منها ليُنخل، ويصبح جاهزاً للخبز.

تفسّر سهر ذلك لرصيف 22 وتقول: "ليكون لديك نوع القمح الذي تفضلين لمختلف أنواع الخبز والحلويات، بعد أن يأتي القمح من المطحنة ننخله في أوانٍ كبيرة، ويكبس جيداً حتى لا يقربه السوس، الآن مع التطور ينخل في المطحنة، لذا يأتي إلى المنزل، ويصبح جاهزاً للتعبئة".


يكلف ذلك مالاً وجهداً، لكنه يُمارس بحب، تقول سهر،"هو أمرٌ منهك، لكن رائحة الخبز تستحق، والدتي وجدتي ووالدتها من قبلها كن يعشن على الخبز البلدي، ونحن الآن نفعل مثلهن".

تضيف: "سابقاً كانت البلد كلها تشتري القمح، وتغربل في الوقت ذاته، وكانت الطوابير طويلة أمام المطحنة، ومن لم يكن لديها فرن بلدي تحجز مكانها عند من لديها دون مقابل، في الأرياف يغلب طابع الألفة في تعاملاتنا على عكس المدينة".

تصف سهر الفرن ذاته مثل روفان، طوب متراص، وطين، يُستبدل الآن بالإسمنت، مع لوحٍ من الصاج في المنتصف يُخبز (العيش) عليه.

تعيش سهر الآن في المدينة، لكن يصلها نصيبها من خبز أسرتها على كل حال.

وقد رصدت وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري هذا العام، أن 38 مليون سيدة استفادت من دعم رغيف الخبز والدقيق، و34.5 مليون سيدة من البطاقات التموينية.

"إن خبزنا ولم يخبز أقاربنا وجيراننا، نرسل لهم عشرة أرغفة من العيش، وعشرة من (الكماج)، وهم يفعلون ذلك معنا أيضاً، كبرنا ورأينا الكبار يفعلون ذلك، ففعلنا مثلهم كنوعٍ من التضامن الاجتماعي، وفي مناسباتنا يخبزون لنا دون مقابل"

الشمس "لُبّ" الخبز الصعيدي

يشتهر الصعيد بالخبز الشمسي، وهو يشبه الخبز المصري الدائري القديم، لكن وفاء خيري، 23 عاماً من سوهاج في الجنوب، على عكس المؤرخين والباحثين، لا ترى أنه يحمل طابعاً أسطورياً أو مصرياً قديماً، تعتبره عادةً عادية دون أساس، فهي كبرت ووجدته حولها، تفسر لرصيف 22: "لا أعتقد أن هناك طقساً ما يعبر عنه، نحن توارثناه جيلاً بعد جيل فقط، وهو أساسي في كل منزل، تشتري الفتاة قبل أن تتزوّج فرناً خاصاً لتصنعه في بيت الزوجية".

تخبرنا وفاء على استحياء، أن الأداة التي يوضع عليها العجين في الفرن تسمى "مقارص" وتصنع في الأساس من روث البهائم التي تستعمل لإشعال الفرن.

تشرح وفاء طريقة عملها: "تعالج المقارص بطريقةٍ تجعل منها شيئاً آخر، فهي تُجفّف في الشمس وتتغير حالتها الأولى، ولا يبقى منها شيء، في المدينة الآن تستخدم مقارص من ورق".


العيش الشمسي أساسي في السفرة الصعيدية، تفسر والدة وفاء السبب بأنه له "لُب"، يُشبع أكثر من الخبز العادي، ويضيف ثقلاً لكل وجبة.

تبين لنا وفاء طريقة صنع الخبز الشمسي، تقول: "بعد أن يُعجن على هيئة أرغفةٍ دائرية، يُترك ليتخمّر في شمس الصعيد الحارة، والتي تساعد في تحمله سريعاً، ليتضاعف حجمه، وهذا ما يجعل له لُبّاً يختلف عن بقية أنواع الخبز، نضعه الآن في الفرن ليأخذ لوناً ذهبياً جميلاً".

ترى والدة وفاء، أن خَبز العيش أو شراءه يختلف أثره على ميزانية المنزل المادية من أسرةٍ لأخرى، تقول: "شراء الدقيق والخبز مكلف لكنه من ناحيةٍ أخرى مُشبع و(يسند)، لذا التفضيلات الشخصية هي الأساس، وعدد أفراد الأسرة واستهلاكها عاملٌ مهم، من تخبز يمكنها ألا تأخذ خبزاً مدعماً وتستبدله بدقيق، نحن نفعل ذلك أحياناً".

يساهم الفرن البلدي في حل مشكلة مخلّفات المنزل، إذ تُستعمل كوقود ذاتي، لا يرمي أغلب الصعيديون مخلفاتهم، فهم يستعملونها كـ"وجيد"، أداة تزيد الإشعال، مثلما تقول وفاء، وتضيف: "يُعدّ الفرن صديقاً للبيئة، وموفراً بسبب غلاء البنزين".

تختلف مفردات وفاء في حديثها عن الخبز مقارنةً بنساء وجه بحري، سكان الدلتا، فالعيش السوري أو اللبناني لدى سهر و روفان، تسميه وفاء عيش مصري؛ وتصف الخبز أنه "طاب"، كناية عن تخمّره واستعداده للفرن، لكنها تشترك معهم في اسم الخميرة "بيرة"، وفي أوصاف الفرن البلدي، وأشكاله التي تتماثل مع وصف الأفران المصرية القديمة المذكورة في كتاب الطبخ في الحضارات القديمة لكاثي ك.كوفمان، ويبدو منه أن المصريين ورثوا طريقة إشعال الأفران بالسماد المجفّف من أجدادهم القدماء، مثلما تحكي وفاء أيضاً.

"سابقاً كانت البلد كلها تشتري القمح، وتغربل في الوقت ذاته، وكانت الطوابير طويلة أمام المطحنة، ومن لم يكن لديها فرن بلدي تحجز مكانها عند من لديها دون مقابل، في الأرياف يغلب طابع الألفة في تعاملاتنا"

ربما تُعزى تسمية الخميرة بـ "البيرة" الى ارتباط الخبز وتشابهه بصنع شراب البيرة (الجعة)، إذ كانت تخبز فطائر من الشعير بطريقة خَبز الخبز ذاتها، لكنها لا تطهى تماماً بحيث يبقى قلب الفطيرة عجيناً نيئاً، ثم تقطع وتوضع داخل برميل آخر مع ماءٍ دافئ لتختمر، ويضاف لها نكهات من عصير التمر أو الفواكه.

قبلات للخبز في طقس فرعوني

عرفت مصر القديمة الخَبز بحسب الأسطورة، حين عثر الإله اوزوريس على نبات الشعير في البرية، تعرّف على خصائصه وصنعت له ايزيس بعدها منه رغيف الخبز.

من هنا أصبحت سنابل القمح والشعير مقدسة ورمزاً للآلهة، لذلك احتفل المصريّون بالقمح وكان له عيد خاص عبر طقوس تتمثل في دفن القمح، يرافقها الرقص والابتهاج وترمز إلى دفن وبعث أوزوريس.

ويحكي دكتور سمير أديب في كتابه موسوعة الحضارة المصرية القديمة، أنه شَهِد بنفسه رقصات للفلاحين المصريين، يرجّح أنها ذاتها التي كان المصري القديم يمارسها في عيد القمح.

كما تشير الباحثة إيمان المهدي، في بحثها الخبز في مصر القديمة حتى نهاية الدولة الحديثة، أن عادة تقبيل المصري للخبز ورفعه عن الأرض، توارثتها الأجيال بالتبجيل، تعود إلى تلك الأزمان الموغلة في القدم أيضاً.

التصق فن الخَبز بالمرأة منذ بدئه، فبعد صنع إيزيس الخبز لأوزوريس، أصبح من أبرز مهن النساء في مصر القديمة، وبقيت النساء تخبز في المنزل ويخبز الرجال خارجه. تبرّر إيمان المهدي ذلك في بحثها، أن الخَبز خارج المنزل لأعداد كبيرة يُنهك الجسد ولا يناسب طاقة المرأة.

اختلف الأمر قليلاً في فترة الحكم العثماني على مصر، إذ يشير جمال كمال محمود في كتابه: الخبز في مصر العثمانية، أن المرأة كانت خبّازة خارج المنزل أيضاً، و كان الخبازون منظومة يرأسها شيخ طائفة انتمت لها المرأة رسمياً، وأشهرهن "سورباي بنت عبد الله الجركسية" التي عَرَفتها الوثائق القديمة بانضمامها لـ"طايفة الخبازة".

أما اليوم، وبعد انتشار مظاهر التحضر، والبحث عن السهولة في الغذاء، إضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة، دفعت أم عبدالله -اسم مستعار- 34 عامًا من أحد المراكز التابعة للدلتا، للتوقف عن الخبز لأطفالها الثلاثة، وتعتبره ترفًا، تقول لرصيف22: "يحتاج عملي جهدًا مضاعفًا لذا أحفظ طاقتي الجسدية قدر المستطاع له، لأتمكن من الإنفاق على أبنائي".

تعمل أم عبد الله مع أختها في تنظيف المنازل في المدن والمراكز القريبة من سكنها، تستيقظ فجرًا قبل ذهابها للعمل لتحصل على نصيبها من منفذ الخبز المدعم قبل الزحام، تضيف: "أشتري نصيبي من العيش، الرغيف ب 10 قروش، أفرده على ورق مقوى كي لا يلتصق ببعضه أولًا، ثم أحمله معي إلى المنزل".

"كانت تحمل لك الخبز والجعة كل يوم حينما كنت في المدرسة"

يُعجب أم عبدالله الخبز المدعَّم، لكن لأطفالها رأي مختلف.

يصنفك الخبز اجتماعيًا في مصر، وقد عرف أطفال أم عبدالله هذا باكرًا، فهم لا يقبلون به في وجباتهم المدرسية التي تعدها أمهم.

تقول أم عبدالله: "أشتري الآن العيش (الفينو)، وأعدّ لهم منه شطائر المدرسة، ليكونوا مثل أقرانهم، ثمنه غالي بالطبع مقارنةً بعيش (التموين) المدعم، وبظروفي المالية، لكنني أحب أن أجعل أطفالي يشعرون أنهم مثل أقرانهم".

وقديماً أوصى الحكيم "آني" ابنه ببرّ أمه قائلاً: "ضاعف الخبز لأمك واحملها إن استطعت كما حملتك، فهي التي كانت تحمل لك الخبز والجعة كل يوم حينما كنت في المدرسة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard