حبس مراهقة "مجّدت الإرهاب" ومراقبة مشددة على الفضاء الإلكتروني... الحريات في فرنسا على المحك؟

السبت 24 أكتوبر 202003:18 م

يبدو أن الموقف بين الجمهورية الفرنسية والمسلمين من مواطنيها والمقيمين على أراضيها قد بلغ مرحلةً متقدمةً من التأزم. فرنسا التي تقول إن مبادئها الأساسية هي الحرية والأخوة والمساواة تشدد قبضتها على الأقليات المسلمة التي طالما عانت التمييز والتهميش عقب حادثة نحر مدرس شاب عرض على طلابه رسوماً مسيئة للنبي محمد.

حالياً، هناك جدل وغضب لا يهدآن داخل فرنسا وفي العالم الإسلامي منذ قطع رأس أستاذ التاريخ الفرنسي صمويل باتي في 16 تشرين الأول/أكتوبر على يد متطرف شيشاني مراهق، وإعلان السلطات الفرنسية الوقوف بكل حزم وقوة في وجه "الإرهاب الإسلامي".

تكررت الاعتداءات وحوادث الكراهية بشكل مطرد ضد أفراد الجالية المسلمة الذين هاجروا إلى فرنسا التي استمالتهم كـ"عمالة رخيصة" عقب انتهاء استعمارها شمال أفريقيا، ويعتقد أنها تدفع ثمن سوء معاملتها لهم الآن، منذ الحادثة. فجرى طعن مواطنتين مسلمتين قرب برج إيفل عدة طعنات كادت تودي بحياتيهما بينما نُزع حجاباهما ونُعتا بـ"عرب قذرون".

كما أبلغت وكالة "الأناضول" التركية الرسمية عن اعتداء الشرطة الفرنسية على فتاتين تركيتين قالت إحداهما للوكالة إن الشرطة أوقفتها بينما كانت في طريقها إلى تناول العشاء مع قريبتها واعتدت على كلتيهما أثناء مطالبتهما بارتداء الكمامة والحفاظ على التباعد الاجتماعي.

وأضافت: "أحدهم قال: هذه ليست بلادكم ولا تعرفون قوانينها"، لافتةً إلى أنها أصيبت بجروح وتلقت العلاج بالمستشفى وتقدمت بشكوى.

"وضع لا يمكن فيه كتابة أو قول أي شيء بلا تفكير"... الحبس موقوف التنفيذ وإعادة التأهيل لمسلمة (19 عاماً) في فرنسا بعدما كتبت على فيسبوك أن المعلم المنحور كان "يستحق الموت". الاعتداءات على المسلمين تتزايد وتواجهها دعوات #قاطعوا_المنتجات_الفرنسية

حكم بحبس مراهقة 

يمكن القول إن هناك -بالتزامن- "حرباً إلكترونية مفتوحة" بالتحريض ضد المسلمين داخل فرنسا، وبالدعوة إلى مقاطعة فرنسا ومنتجاتها في الدول العربية والإسلامية بسبب ما وصف بأنه "هجمة فرنسية على الإسلام والمسلمين". 

في 23 تشرين الأول/ أكتوبر، قضت محكمة فرنسية على طالبة بيولوجيا (19 عاماً) بالسجن أربعة أشهر مع وقف التنفيذ عقب إدانتها بتهمة "تمجيد الإرهاب" بعدما كتبت على فيسبوك أن الأستاذ المنحور كان "يستحق الموت".

علاوةً على ذلك، أمرت محكمة بيزانسون (شرق فرنسا) بإخضاع المراهقة لـ"دورة مواطنة" ستة أشهر.

جاء تعليق الفتاة على مقال نشرته صحيفة "ليست ريبوبليكان" عبر حسابها في فيسبوك، يُعلن عن مسيرة لتكريم ذكرى المعلم المغدور. علّقت: "لا يستحق أن يُقطع رأسه، لكن أن يموت، نعم". أبلغ أحد المستخدمين عن التعليق ليتم توقيف الطالبة، في 22 تشرين الأول/ أكتوبر، أثناء وجودها في جامعة بيزانسون. وحُبست قيد التحقيق حتى صدر الحكم بحقها في اليوم التالي.

اللافت أن الطالبة قالت للمحكمة: "آسفة لكتابة هذا التعليق وأعتذر وأنا أعارض ما كتبته"، موضحةً أنها "حذفت مساء اليوم نفسه" التعليق الذي كتبته "بتسرع" و"بدون تفكير".

وأقرت الفتاة، التي تنحدر من أسرة مسلمة "تمارس ديانتها في منزلها" بعدما فرت من العنف في الجزائر، بأنها "ارتكبت خطأ كبيراً وهذه الرسائل لا تتوافق مع آرائي"، مبرزةً عدم علمها بالظروف الدقيقة لحادثة نحر المعلم عندما كتبت التعليق. وأضافت: "لست ضد ما قام به (باتي) من عرض صورة كاريكاتورية. إنه مدرس يقدم دروسه كما يشاء".

وشددت محاميتها، كارولين إسبوتشي، على أن موكلتها "امرأة شابة مندمجة في المجتمع بشكل جيد" و"لا تشاهد الأخبار كثيراً" ولا تعرف "الكثير عن صمويل باتي"، مضيفةً أنها فهمت أن الأمر كان يتعلق "بسخرية من المسلمين"، وهذا ما دفعها إلى كتابة "تعليقاتها الفورية من دون البحث عن معلومات".

لكن المدعية الفرنسية العامة، مارغريت باريتي، رفضت هذه الدفوع وطالبت بعقوبة السجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ و180 ساعة من خدمة المجتمع، قائلةً: "نحن في وضع لا يمكننا فيه كتابة أو قول أي شيء بلا تفكير". وهي العقوبة التي أقرتها المحكمة.

مكافحة "التطرف الإسلامي" إلكترونياً

جاء توقيف الفتاة والحكم عليها عقب يومين من اجتماع وزيرة المواطنة الفرنسية مارلين شيابا بمديري منصات ومواقع التواصل الاجتماعي في البلاد. وقد بحثت معهم "إستراتيجيات أكثر فعالية لمكافحة التيار الإسلامي المتطرف في الفضاء الإلكتروني" الذي تعتبره الحكومة الفرنسية "مسؤولاً عن انتشار أيديولوجية التطرف بين الشباب".

"لإيجاد إستراتيجيات أكثر فعالية لمكافحة التيار الإسلامي المتطرف في الفضاء الإلكتروني"... وزيرة المواطنة الفرنسية تجتمع بمديري منصات التواصل الاجتماعي في البلاد وسط مخاوف بشأن صون الحريات الشخصية

خلال الأيام التي سبقت نحر المعلم، نشطت عبر المنصات الاجتماعية رسائل وفيديوهات تدعو إلى وقف المدرس عن العمل. كما أعلن منفذ الجريمة مسؤوليته عن الاعتداء الإرهابي عبر تويتر مع صورة للضحية، لم تحذف قبل ساعتين، وهو وقت طويل جداً بمعايير الأمان لهذه الشبكات. وينص القانون الفرنسي على أن مواقع التواصل ملزمة بالتصرف "فوراً" مع المنشورات المحرضة والعنيفة.  

في الاجتماع، الذي استدعت إليه مديري مواقع: فيسبوك وتويتر وغوغل وتيك توك وسناب تشات في فرنسا، قالت الوزيرة الفرنسية إن "الأيديولوجية الإسلامية المتطرفة تنتشر بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي" وإن "جيلاً كاملاً من الشباب لم يعد يحتاج إلى الذهاب إلى مساجد المتشددين أو أن يدخل السجن ليسلك طريق التطرف".

وتابعت: "الآن يأتيهم التطرف إلى منازلهم وفي غرفهم الشخصية ليتمثل لهم على شاشات هواتفهم وحواسيبهم، فهو يدخل من بوابة وسائل التواصل الاجتماعي".

منذ عام 2009، وللسبب ذاته: "مكافحة التطرف الإسلامي في الفضاء الإلكتروني"، أنشأت فرنسا منصة "فاروس"، وهي منصة لجمع وتحليل وتوجيه الأوصاف من رواد شبكة الإنترنت للتحقق منها قبل إبلاغ السلطات المختصة بشأن المخالفات.

مع ذلك، لا تستطيع المنصة مواكبة كل المنشور على الإنترنت من محتوى متطرف وهناك صعوبة شديدة في "سرعة" الرصد والتحقق من والإبلاغ بشأن هذا المحتوى. للتغلب على ذلك، اقترحت نائبة برلمانية مشروع قانون لـ"مكافحة الخطاب المفعم بالكراهية على الإنترنت"، غير أن المجلس الدستوري رفضه لـ"احتوائه على مواد تمس حرية التعبير".

من جهتها، اقترحت رئيسة إقليم إيل دو فرانس الذي يضم العاصمة باريس، فاليري بيكريس، إنشاء هيئة شرطة مختصة برصد المحتوى على شبكات التواصل الاجتماعي، معتبرةً أن القانون ينبغي أن ينطوي على "الضمانات الكافية التي تسمح بفرض الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي عندما تنتهك حرياتنا الأساسية".

كذلك دعا نواب إلى "رفع جزئي لحظر الكشف عن الهوية على شبكة الإنترنت" و"فرض التعريف بالهوية الشخصية".

لكن كل هذه المقترحات تتجسد فيها "إشكالية حقيقية" وهي "انتهاك أبسط حقوق الحرية الشخصية"، وخاصةً الحق في الأمان والخصوصية وحرية التعبير.

"على الساسة (الفرنسيين) التوقف حالاً عن صب الزيت على النار في المسائل المتعلقة بالتطرف، كارتداء النقاب، لخدمة أهدافهم الانتخابية"... عالم اجتماع فرنسي يطرح "الحل" لأزمة بلاده مع "التطرف الإسلامي" قائلاً إن ساستها "يثيرون حرباً لا طائل من ورائها"

وبينما يتفق الكثيرون على خطورة "تفشي التطرف إلكترونياً"، يرى عالم الاجتماع الفرنسي رافاييل ليوغيير أن العلاج يتطلب أكثر من ذلك، مشيراً إلى "ضرورة أن يتوقف الساسة (في فرنسا) حالاً عن صب المزيد من الزيت على النار في كل المسائل المتعلقة بالتطرف والمثيرة للجدل مثل ارتداء النقاب أو البوركيني لخدمة أهدافهم الانتخابية".

وأضاف: "إنهم يعطون الذرائع لهؤلاء الذين يريدون النيل من مجتمعنا ويثيرون حرباً لا طائل من ورائها".

مقاطعة فرنسا

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي في البلدان العربية والإسلامية، اشتدت الدعوات إلى مقاطعة فرنسا من منتجات (غذائية وتجميلية وماركات عالمية) ولغة وثقافة وغيرها عبر وسوم عديدة، أبرزها: #قاطعوا_المنتجات_الفرنسية و#إلا_رسول_الله_يافرنسا و#فرنسا_تسيء_لنبي_الأمة.

وأعلنت جملة من الجمعيات التعاونية في الكويت مقاطعتها المنتجات الفرنسية تفاعلاً مع الدعوات.

ترافقت مع هذه الدعوات بيانات إدانة واستنكار رسمية من كيانات بارزة، بينها وزارة الخارجية الكويتية ومنظمة التعاون الإسلامي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard