الشهيّة النهمة... قصص الولائم والحشيش والحمية النباتية في المجتمعات الإسلامية

السبت 9 نوفمبر 201907:40 م

الكتاب الذي نحتفي به اليوم هو "الشهيّة النهمة: الطعام مؤشّرًا للثقافة في الشرق الأوسط وأبعد" إصدار دار نشر بريل الهولنديّة المرموقة، وإعداد البروفيسور كيريل ديمترييف، من جامعة سانت أندروز والبوفيسورة وجوليا هاوسر  من جامعة كاسل، والبروفيسور بلال الأورفه لي، رئيس دائرة العربية ولغات الشرق الأدنى، وأستاذ كرسي الشيخ زايد في الجامعة الأمريكية في بيروت

يتناول الكتاب موضوعاً يهمنا جميعاً هو الطعام، ويغطيه على عدة مستويات بشكل مثير للإعجاب من حيث جودة وعمق البحث الذي يمتد على 15 فصلاً، اختارت منها  الباحثة والكاتبة نوال نصر الله، خمسة فصول تعنى بالعالم العربي، نقدمها في هذا المقال. 

1- فصل "دور الموائد الاجتماعية في صقل الهوية الاجتماعية المترابطة"

يتحدّث في هذا الفصل طارق أبو حسين عن تناول الطعام كحالة اجتماعية، فيذهب بنا إلى دمشق أواخر العهد المملوكي وأوائل الحكم العثماني، ليستطلع معنى أن يكون المرء فرداً ضمن جماعة من العلماء الذين عزلوا أنفسهم عن النخب المدنية من غير المتعلمين، والنخب العسكرية والإدارية، عبر طقس الموائد والمحادثات التي جرت كجزء من آداب الطعام.

وبرغم ندرة المصادر المتعلقة بالموضوع إلا أن الفصل نجح في تتبعها وتحريها بدقة، فاستعان بمصادر هامة عن فن المآدب الفاخرة، تتناول الموضوع بطرافة لا تخلو من السخرية أحياناً، كأعمال العلامة المؤرخ الدمشقي شمس الدين بن طولون من القرن 16، في كتاب "مفاخرة الخلان في حوادث الزمان" الذي يتحدث فيه عن وقائع المناسبات التي حدثت في زمنه، وكتاب "فص الخواتم" الذي يتناول الأنواع المختلفة للمآدب والولائم. كما يكمل بحثه عن الممنوع والمسموح ضمن آداب الطعام اللائقة في المجتمعات الرفيعة، في كتابي "آداب المؤاكلة" و"آداب العشرة وذكر الصحبة والاخوة" لأبي البركات الغزي.

يصف ابن طولون إحدى هذه الاجتماعات بقوله:

"استضاف المجموعة صديق لهم لقضاء النهار، وقدّم لهم أولاً بعض المشمش الذي جيء به إلى دمشق من مدينة حماة شمال سوريا. بعيد ذلك بقليل جلسوا إلى مائدة الغداء، لتقدم لهم آخر العصر أصناف أغنى من الطعام. بين الوجبات، أمضى الرجال وقتهم بمشاركة الشعر والأدب ونصوص دينية متنوعة. ألقى واحد من الضيوف مقطعاً مختصراً من كتاب فضائل الشام، وقام بعد ذلك ضيف آخر بإنشاد المقطع على نغم موسيقي".

ويذكر ابن طولون أن الجميع تأثروا عميقاً لإنشاده، حتى أن بعضهم اغرورقت عيناه بالدموع.

ولهذا الحدث مدلولات توضح الارتباط العاطفي لهؤلاء العلماء بمدينتهم، كما يظهر اعتزاز جلي بالهوية المحلية في كتاب ابن طولون "القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية"، حيث يصف تاريخ الحي الدمشقي الذي ترعرع فيه ويعدّد الفواكه والخضار واللذائذ المطبخية التي اشتهر بها الحي.

ويخص بالذكر طبقاً شائعاً في كل أنحاء المشرق العربي اليوم هو (لحم على عجين) كما يسميه الكتاب، ويؤكد على نسبه للصالحية. وبحسب العلامة والمؤرخ ابن المبرد -الذي ألف كتاب الطباخة- فإنه لا يجب تقديم طبق اللحم على عجين لضيف من الصالحية ما لم يطهى في الصالحية نفسها، وإلا فما على المضيف إلا ملامة نفسه.

2- فصل "الالتهام"... الأطباق التقليدية والجديدة

يتناول كريستيان ساسمانهوزن الموائد كطقس اجتماعي من زاوية مختلفة وهي دور الأجواء المرافقة للمأدبة ومدلولاتها الاجتماعية في أواخر الحكم العثماني لسوريا. حيث بدأت الممارسات الطعامية تتغير في هذه الفترة بشكل سريع مع بدايات الحداثة، حين وفر الانفتاح على الغرب تنوعاً هائلاً من الأنماط الأوربية لحاجيات المطبخ وأدواته بأسعار منطقية.

ويمكن سبر هذا التطور السريع ليس فقط من خلال مراجعة الأطباق، ولكن أيضاً ما رافقها من لوازم حضارية وممارسات حديثة وأحاديث، وبخاصة تلك التي روجت لها المجلات المنتشرة، كمجلة المقتطف الصادرة في بيروت. عنيت هذه المجلة بأعمدة تعليمية عن التدبير المنزلي وآداب المائدة اللائقة وإتيكيت الطعام، مستهدفة شريحة الأثرياء ومتوسطي الدخل ممن يستطيعون استبدال الأدوات المتعددة الوظائف بالأثاث المطبخي الحديث والمتخصص.

وقدمت لقرائها في ذلك الزمن ما قدمته في العصور الوسطى كتب الغزي ومعاصروه، فواكبت قراءها الحصريين بالجديد من الأطباق والاصطلاحات، كتعريفهم بالخبز الأبيض أو الإفرنجي بدلاً من خبز القمح الكامل. لكننا في نظرة متفحصة للمشهد الحداثي للموائد في ذلك الوقت، نجد أنه رغم حماسة المقتدرين لمواكبة التطور واقتناء الحديث من الأدوات والأثاث، لم يتوقف تقديم الأطباق الشرقية التقليدية واعتبرت الأطباق الجديدة مكملات أو إكسسوارات للمائدة.

3- فصل "تقشير البصل طبقة بعد طبقة"

ما الذي يشي به البصل والثوم عن المجتمعات الإسلامية؟ تم منعهما في المساجد إن لم يكونا مطهوين، ونقلت عن النبي أحاديث يشير فيها إليهما بالخبيثين، كما لم يكونا مقبولين كصدقة لأنه لا يمكن تناولهما نيئين

ما الذي يشي به البصل والثوم عن المجتمعات الإسلامية؟ تجيب ياسمين أمين عن هذا التساؤل، في فصل يطرح وجهات نظر متعددة ونقاشات مطروحة، ليس فقط في النصوص الأدبية والطرائف والكتب والمقالات الطبية، بل أيضاً في الأحاديث النبوية.

فبالرغم من أن هذين المكونين يبلغ قدمهما قرابة ألف سنة، ويعدّان من ضروريات المطبخ وحتى الغذاء، حيث تغنّى بفوائدهما الأطباء كالرازي والجزار وغيرهما، كانا مكروهين اجتماعياً وفُضّل اجتنابهما والسبب في ذلك يعود لرائحتهما اللاذعة.

فمثلاً تم منع كل من البصل والثوم في المساجد إن لم يكونا مطهوين، ونقلت عن النبي أحاديث يشير فيها إليهما بالخبيثين، كما لم يكونا مقبولين كصدقة لأنه لا يمكن تناولهما نيئين. ثم يتحول مسار الفصل إلى الحديث عن الطرائف والأشعار التي رويت عن البصل والثوم، كالمثل المصري القائل "بصلة المحب خروف"، أو المثل الذي يلام فيه من يتنكر لأصله وجذوره "أبوك البصل وأمك الثوم منين تجيب الريحة الحلوة يا مشؤوم".

ويخلص الفصل إلى أنه سواء كانا مكروهي أو محمودي الفوائد، حري بالذكر فضلهما على الفن المعماري الذي استوحى شكل القباب من البصل والثوم، مثل القبة البصلية في الكنائس الروسية، أو تاج محل في الهند، والتي يشاع انها تأثرت بفن العمارة الإسلامية في كل من سمرقند وإيران وحتى سامراء في العراق.

4- فصل "الحشيش والطعام"

يتناول دانيلو مارينو مكوناً آخر في هذا الفصل وهو الحشيش، أو بذور نبات القنب، أو الماريجوانا التي كانت معروفة في الشرق الأدنى بفوائدها الاستطبابية، كما ذكرت في سجلات الأعشاب. وسميت باللغة الأكادية القديمة في بلاد ما بين النهرين "قانيبو"، وهي الكلمة الأصل التي اشتقت منها إلى العربية كلمة قنب. وفي العصور الوسطى أصبحت معروفة بخواصها الإدمانية التي تستحق التغريم، كالنبيذ والدعارة، التي جاءت كلها ضمن فئة المنكرات، بحسب ما روى المقريزي عن عهد المماليك في القاهرة في القرن الثالث عشر.

استهلاك الحشيش في القاهرة في القرن الثالث عشر لم يكن أمراً مكروهاً في بدايته، بل تروي القصص المعاصرة أن الصوفيين كانوا أول من استعملها وأشاروا لها باسم الحشيش والمعجون واستبدلوا النبيذ بها... 

لم تزل أسباب اتباع المعرّي لحمية نباتية غير معروفة، البعض يرجح تأثره بالهندوسية والبيزنطية. ولكن العالم الإسلامي عرف الحمية النباتية الخالية من اللحوم  بفضل النظرية الغالينية في الطب، وأيضاً الصوم الكبير في المسيحية، وكانت جميعها تدعى بالأطعمة المزورة أو  الـ"مزورات"

غير أن استهلاك الحشيش في المنطقة لم يكن أمراً مكروهاً في بدايته، بل تروي القصص المعاصرة أن الصوفيين كانوا أول من استعملها وأشاروا لها باسم الحشيش والمعجون واستبدلوا النبيذ بها. ويستعين الفصل بكتاب "راحة الأرواح في الحشيش والراح" الذي ألفه تقي الدين البدري في القرن الخامس عشر، ليتحدث عن طرق تحضير الحشيش واستهلاكه، حيث لم يكن تدخينه شائعاً، بل كان يتم تناوله كحبوب أو ضمن وصفات محلاة.

والبدري هو أول من جمع قصائد وقصص عن الحشيش أو بوحي من تأثيره، فقدم صورة الحشاش التي اقتبس منها أدب الطرائف. تتضمن جميع قصص البدري الطعام في جلسات الحشاشين وخاصة الحلويات، الذين عبروا عن أحلامهم بأرض مصنوعة من الحلويات والتي يشبهها مارينو بالقصص الغربية مثل "أرض الكوكايين" أو منزل الحلوى في قصة "هانسل وغريتل".

5- فصل "المبشر والمهرطق"

يتطرق كيفين بلاكينشيب في هذا الفصل إلى الفيلسوف والشاعر أبي العلاء المعري، الذي عاش في شمال سوريا في العهد العباسي خلال القرن الحادي عشر، والذي امتنع عن تناول اللحوم ومنتجات الحيوانات من ألبان وبيض وعسل، أو ما أسماه "صوم الدهر" ويعرف اليوم بالنظام النباتي. فكيف كان هذا ممكناً في وقت اعتبر اللحم فيه أساسياً واعتبرت الأطباق الخالية منه مزورات أو أطعمة مزورة لا يتم تناولها إلا في الصوم الكبير في المسيحية أو من قبل المرضى؟

للإجابة، يشير بلاكينشيب إلى الجدل الذي قام في الموضوع بين المعري والمؤيد في الدين الشيرازي (1078)، شاعر ومفكر فارسي ومبشر بالمذهب الفاطمي في القاهرة. وفي الحوار بينهما، ينتقد المؤيد حمية المعري الغذائية بينما يدافع عنها الأخير على أسس أخلاقية تنادي بحق الحيوانات والأحياء البحرية في الحياة، وحق الطيور بحريتها، وحق النحلة الدؤوب بحصاد عسلها:

فَلا تَأكُلَن ما أَخرَجَ الماءُ ظالِماً

وَلا تَبغِ قوتاً مِن غَريضِ الذَبائِحِ

وَأَبيَضَ أُمّاتٍ أَرادَت صَريحَهُ

لِأَطفالِها دونَ الغَواني الصَرائِحِ

وَلا تَفجَعَنَّ الطَيرَ وَهيَ غَوافِلٌ

بِما وَضَعَت فَالظُلمُ شَرُّ القَبائِحِ

وَدَع ضَربَ النَحلِ الَّذي بَكَرَت لَهُ

كَواسِبَ مِن أَزهارِ نَبتٍ فَوائِحِ

ويخلص الفصل إلى أن أسباب اتباع المعري لهذه الحمية لم تزل غير معروفة، إلا أن احتمالات لا تزال قيد البحث ترجح تأثره بالهندوسية والبيزنطية. لكن الحمية النباتية الخالية من اللحوم عرفت في العالم الإسلامي بعد النظرية الغالينية في الطب، والتي وصفت أطباقاً نباتية للمرضى اعتقد أنها أيسر في الهضم، وأيضاً في الصوم الكبير في المسيحية، وكانت جميعها تدعى بالأطعمة المزورة "مزورات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard