عاد كـ"رمز" للخصب... كيف نعلم من مراثي الإله تموز أنه رحل إلى العالم السفلي بلا عودة

الأربعاء 21 أكتوبر 202006:57 م

يقدم المؤرخون قصة نزول الإله الراعي تموز، إلى العالم السفلي التي كانت زوجته الإلهة إنانا، أو عشتار، سبباً لها، ويستعرضون الألواح المسمارية بنسخها المتعددة، السومرية والأكادية والبابلية والآشورية ومنهم فراس السواح، وعلي القيم وفاضل عبد الواحد. ومن الغريب أن تأكيد المؤرخين على عودته إلى الحياة ليصبح "عيداً يجدد الحياة والخصب!" يخلو من أي عرض لنص أسطوري أو قصيدة مسمارية، ما يخالف الطريقة العلمية التي اعتمدوها في الحديث عن نزوله.

فكيف عاد الإله تموز؟ وهل كانت عودته رمزاً، ليس أكثر، لتجدد الربيع أو الخصب؟ وإذا لم يكن ثمة نص مسماري يتحدث عن عودته، فما هي إذن رمزية نزوله إلى العالم السفلي، وبالاعتماد على النصوص المسمارية ذاتها؟  

من هو الإله تموز؟

 في الصياغة السومرية يسمى دموزي، ويتكون من مقطعين صوتيين "دمو" أي ابن و"زي" البار أو الطيب "الابن البار"، وله ألقاب عديدة، منها: "لوجال كورا" أي ملك الجبل، "لوجال كي باد دو"، أي ملك الأرض البعيدة، "لوجال ساج نو جي"، أي ملك أرض اللاعودة. ويؤكد الباحث والمؤرخ العراقي نائل حنون، في كتابه "الحياة والموت في حضارة بلاد الرافدين" (2018)، أن هذه الألقاب جميعها من أسماء العالم السفلي حيث يقيم الأموات.

وقد حمل الإله تموز ألقاباً أخرى في اللغة الأكادية منها: "ريئو" أي الراعي، "ريئوشا أرصيتي" أي راعي الأرض، "بيل شوبات ريئي" أي سيد مأوى الراعي. وألقابه بذاتها تصف مسؤوليته المتعلقة بعمل الراعي ولا تتعلق بالخصب أو الزراعة، وكلمة أرصيتي التي تترجم بشكل سطحي "الأرض"، تعني حرفياً العالم السفلي وباطن الأرض عموماً، فتكون الترجمة الدقيقة للمصطلح الأكادي "ايلي شميي وأرصية"، آلهة السماء والعالم السفلي كما تقدمه الترجمات المحترفة، وليس آلهة السماء والأرض كما كان متبعاً في بعض الترجمات.

المسؤولية الكونية للإله الراعي

عند مراجعة النص السومري "أنكي وتنظيم الكون" وبعد التخلص من الآلهة القديمة وخلق الكون، يقوم أنكي بتوزيع المسؤوليات على الآلهة"، وبما يتعلق بشؤون الخصب والإنتاج، وزع المسؤولية على عدد من الآلهة على الشكل التالي: نهرا دجلة والفرات كانا بعهدة أنبيلولو. مياه الأمطار بعهدة الإله إشكر أو أدد أو حدد. الإلهة أشنان مسؤولة عن الحقول والغلال. الإله سموقان عن الجبال وما تنتجه. وثمة إله يسمى لخار، ورد اسمه في أدب المناظرة، كان مسؤولاً عن الماشية وحظائرها.

لأن الإلهة أشنان والإله لخار يحتاجان إلى قوى مساعدة، أنزل أنكي إليهما إلهين يتفاعلان مع وظيفتيهما المتعلقة في الحقول والغلال من جهة، والماشية وحظائرها من جهة أخرى وينوبان عنهما. اختار لهذه المهمة، إنكيمدو إلهاً فلاحاً وسلمه المحراث والفدان وهيأ له الحقول، ودموزي إلهاً راعياً يشرف على الحظائر ويرعى القطعان، بعد أن قام أنكي بنفسه بإقامة تلك الحظائر ووفر الحليب والسمن والمراعي.  

إن اشتراك هذين الإلهين بمهمة الماشية والحظائر "لخار ودموزي" لا يسمح بحدوث خلل في القوى الإلهية المتعلقة بالماشية والرعي، ففي حال نزول أحدهما إلى العالم السفلي، يحل البديل، وهو ما نعرفه تماماً من أساطير نزول تموز إلى العالم السفلي، وعدم ذكر ما يخلّ في الكون عند نزوله. هو خلل، لو وجد، كان لابد، منطقياً، أن يكون هناك نص صريح عن عودة هذا الإله لعودة التوازن إلى الكون.

العالم السفلي: غياب الإلهين أنانا وتموز

ترد في النصوص الأسطورية السومرية والأكادية قصة العلاقة التي جمعت تموز وإنانا، وهي حسب الترتيب القصصي تقع في سبع مراحل عددها الدكتور نائل حنون في كتابه وترد أيضاً عند المؤرخ العراقي فاضل عبد الواحد في كتابه "عشتار ومأساة تموز" (1999).

تصف المرحلة الأولى، وقوع الإلهين في الغرام ونشوء الحب، وخوف إنانا من احتمال انفضاح أمر هذا الحب، ويلحقه مقطع يعبر عن فرح إنانا، بعد أن أسرّ لها بعزمه على مفاتحة أمها بأمر الخطبة.    

الثانية، تتعلق بفترة خطوبتهما ولقاء دموزي وإنانا في بيتها وبموافقة أمها. وتظهر القصة حرص الأم على أن تترك ابنتها أثراً طيباً في نفس خطيبها، بالتزين والظهور بمظهر لائق أمامه. أما الثالثة، فهي قصيدة سومرية تحرص فيها إنانا على أخذ موافقة أبيها على علاقتها بدموزي، فقد بعثت له برسول ليفاتحه بهذا الشأن، قبل أن تختلي بحبيبها في معبد أي، في مدينة الوركاء.

في النص الرابع، قصيدة تتحدث عن تنافس الإله الفلاح إنكيمدو والإله الراعي دموزي، على طلب يد إنانا التي كانت تفضل الإله الفلاح، رغم حبها المعروف لدموزي، ويتبارى الإلهان باستعراض ما يستطيع كل منهما أن يقدمه لو ارتضته زوجاً. وقد تنازل أخيراً الإله الفلاح، عن طلبه لصالح الإله الراعي.    

في النص الخامس، قصيدة سومرية تتضمن مشادة كلامية بين الخطيبين، بسبب تفاخر إنانا بنسبها الرفيع وانتقاصها من مكانة دموزي. وتقول إنه لولا أمها ننجال وأختها سيدة القصب المقدسة، أرشكيجال، وهي حاكمة العالم السفلي، وأبيها ننا، إله القمر، لظل هو متشرداً في الدروب والسهول لا قيمة له. و تنتهي القصيدة بتهدئة دموزي لإنانا وعودة العلاقة إلى صفائها.

في غياب الإلهة إنانا عن العالم العلوي ووقوعها أسيرة في العالم السفلي، يتوقف الفعل الجنسي على الأرض، في حين لا نقرأ أي أثر مشابه لغياب الإله تموز في رحلته إلى العالم السفلي

في النص السادس قصائد تتحدث عن إنانا باعتبارها أرملة لعوب، تتنقل بين عشاقها بعد نزول زوجها إلى العالم السفلي، وفي السابع، نقرأ الأسطورة السومرية الشهيرة والنسخة الآشورية اللتان تتحدثان عن نزول إنانا المتهور إلى العالم السفلي، ووقوعها أسيرة بيد اختها أرشكيجال، حاكمة ذلك العالم، ولا ينقذها منها سوى تدخل الإله أنكي، بعد امتناع إله الهواء إنليل وإله القمر ننا، والدها، عن المساعدة.

كما يظهر في هذا النص تأثير غيابها عن العالم العلوي بعدم حصول الفعل الجنسي بين الحيوانات والبشر. 

وفي النسخة السومرية تخرج إنانا من العالم السفلي بشرط تقديم بديل عنها. تختار أثناء تجوالها زوجها دموزي الذي لم يظهر الحزن عليه أثناء غيابها، فتسلمه إلى الشياطين المرافقين لها. طبعاً لا نقرأ أي أثر لغيابه، يشابه تأثير نزول زوجته إلى العالم السفلي.

يتضح من القصائد والنصوص التي تحدثت عن العلاقة بين هذين الإلهين نقطتين هامتين، من جهة، تعبر هذه القصائد والأساطير عن طبيعة المشاكل في الحياة الزوجية، من الحب إلى الخطبة إلى الزواج إلى الترمل، بكل تجلياتها الإيجابية والسلبية. ومن جهة أخرى نرى أن زواجهما لم يأخذ أي بعد كوني في عقائد الشرق الأدنى القديم، بما يمثله الإلهان من اختصاص ومسؤولية محددين. وبينما ظهر أثر غياب إنانا في النصوص واضحاً، لا نقرأ عن أثر غياب تموز في أرض اللاعودة.

النص الغامض والصريح جداً

يفترض عدد من المؤرخين، أن الإله تموز عاد من العالم السفلي لتكون عودته مناسبة لاحتفال مدته ثلاثة أيام، بالرغم عدم وجود أي نص يتحدث أو يلمح إلى عودته إلى العالم العلوي، ليكون تجدد الحياة والخصب بحسب الفرضية التاريخة. ثمة نص آشوري اعتبره المؤرخون غريباً وغامضاً لدى ترجمته، لأن دلالته تنفي العودة بشكل واضح. ويستعرض الدكتور حنون هذا النص، وهو ذات القصة المعهودة لهبوط عشتار إلى العالم السفلي وتأثير غيابها فيه، ولكنه ينتهي باثني عشر سطراً يرد فيها ذكر تموز، وبدون التعرض لقصة نزوله.

ترجم حنون تلك السطور: "لدموزي، زوج صباها/ حمم بالماء الطاهر، ادهن بالزيت الطيب/ لبسه ثوباً أحمراً، ليعزف بناي من اللازورد/ ليغيرن السرايا مزاجه/ بيليلي تضع حليها/ حضنها ممتلئ بأحجار العين/ سمعت عزف أخيها، بيليلي .... حليها/ أحجار العين التي تملأ/ أخي الوحيد لا يقسو علي/ في اليوم الذي يعلو فيه دموزي إليَّ، يعلو معه إليَّ ناي اللازورد وخاتم العقيق/ ليعلو الموتى ويشموا البخور".

اعتبرت هذه السطور غامضة، لأن وجود تموز فيها كإله في العالم السفلي، وبدون الذكر المعتاد في النصوص للمقطع الخاص بنزوله، أمر لا يتوقعه المؤرخون وهم المتحدثون بعودته، فالقصة بذلك فقدت انسجامها. وذكر اسم بيليلي، وهو أحد ألقاب اخته الإلهة جشتن أنّا، مقيمان دائمان زادا من إرباكهم.

لا تلمح النصوص السومرية إلى عودة الإله تموز إلى العالم العلوي ليكون تجدد الحياة والخصب فيه، بحسب الفرضية التاريخية التقليدية، وإنما تدل القصائد على إقامته الدائمة في العالم السفلي كإله فيه

يفسر الدكتور نائل غرابة هذا النص بكامله، أن عشتار هبطت إلى العالم السفلي لرؤية تموز أو لمحاولة إخراجه منها، ولكن بعد إنقاذها من البقاء في ذلك العالم، تلتفت أرشكيجال (حاكمة العالم السفلي) إلى رسولها نمتار وتوجهه إلى العناية بتموز وتلطيف وجوده في هذا العالم، وهي السطور التي ذكرت أعلاه، وربما نكاية بعشتار ومحاولتها المتهورة.

مراثي الإله تموز

إن نصوص الرثاء في حضارة بين النهرين كثيرة، من رثاء مدينة إلى ملك أو إله أو معبد. والقصائد التي ترثي الإله دموزي، والمدونة على لسانه أو لسان أخته جشتن أنا (كرمة المساء) التي أصرت على اللحاق بشقيقها، وحتى على لسان زوجته إنانا، حزناً على زوجها، أو رثاء الملوك الموتى الذين يكون دموزي بين مستقبليهم في العالم السفلي، إنما تدل على بقائه هناك وعدم عودته.

تدل مراثي الإله تموز على اليأس وفقدان الأمل من العودة إلى العالم العلوي، حيث يقول النص: ما أنا بقادر على إجابة أمي التي تبكي عليّ/ وجعلت للنحيب صدى في السهل/ فما أنا بعشب يمكن أن يطلع لها/ وما أنا بماء يمكن أن ينبع لها

تدل مراثي تموز على الحاجة الإنسانية إلى الحزن والبكاء لتفريغ الشحنات العاطفية في مواجهة الموت والفقدان، وهذا أحد جوانب مهمة وجود تموز في العالم السفلي. وهي نصوص استعرضها الباحث حكمت بشير الأسود، في كتابه "أدب الرثاء في بلاد الرافدين" (2008)، ولا يوجد بينها نص واحد، رغم كثرتها وتنوع شخصيات النادبين، يتحدث تلميحاً أو تصريحاً إلى عودة تموز.

وثمة قطعة من أسطورة سومرية تنبه لغرابتها ثوركلد ياكوبسن، تذكر على لسان دموزي: "ما أنا بقادر على إجابة أمي التي تبكي علي في السهل/ وجعلت للنحيب صدى في السهل/ وما من جواب لها/ فما أنا بعشب يمكن أن يطلع لها/ وما أنا بماء يمكن أن ينبع لها/ ما أنا بعشب يطلع في السهل/ ما أنا بعشب جديد ينمو السهل.

رغم أن المؤرخ والأثري الدنماركي، المختص في تاريخ بلاد الرافدين، ثوركيلد ياكوبسن أقر في بحثه "عن رمزية تموز" أن وضوح هذه الأسطر لا يتحدث عن إمكانية مرحلة جديدة، ولا يوجد فيها إصرار للتجدد أو أمل جديد، لكنه بقي متردداً لما يعتقد به مع باحثين آخرين، "بوجوب" قيامة تموز بصفته إلهاً للخصب.  

رمزية الإله تموز

يستنتج الدكتور نائل من النصوص السومرية المتعلقة بنزول عشتار، أن شهر آب اعتبر "شهر رحلة إنانا"، وبحسب مدة انتظار رسولها ننشوبر، ليبدأ المساعي في خلاصها (ثلاثة أيام)، ومدة بقائها في العالم السفلي التي تزيد عن عشرة أيام أو أسبوعين على أبعد تقدير، يصبح في مقدورنا توقع عودتها في آخر آب أو بداية شهر أيلول. يوصف شهر أيلول في النصوص السومرية بأنه "عيد الإله دموزي".

وسبب ذلك أن الشهرين التاليين له (تشرين الأول والثاني) موسم رئيسي لتكاثر القطعان، والموسم الثاني في شهري شباط وآذار، هما موسمان لازالا مستمرين حتى الآن في بلاد ما بين النهرين. لهذا كان متوقعاً أن تشاهد إنانا زوجها غير مكترث لغيابها، وحسب النص السومري: يحيا في عيد وقد "جلس على عرشه" وكان "مرتدياً ثياباً بهية".

إن عدم وجود نص يتحدث صراحة أو تضميناً عن موضوع العودة، سمحت للباحث حنون بالقول في الطبعة الثانية من كتابه "عقائد الحياة والخصب في الحضارة العراقية" (2018): "إن السومريين اعتبروا دموزي أحد آلهة العالم السفلي صفته الثابتة. وضعوا أو صاغوا له المظهرين الأول والثاني (الإله الراعي وحبيب إنانا وزوجها) ليبرروا نزوله إلى العالم السفلي وصيرورته من آلهته".

بمعنى آخر، أصبح دموزي زوجاً لإنانا لأنه كان راعياً، ولأنه زوج إنانا أصبح من آلهة العالم السفلي. يتابع نائل حنون: "أما البابليون والآشوريون فقد عرفوا المظهر الثالث في معتقداتهم (أحد آلهة العالم السفلي) ولم يعيروا اهتماماً للمظهرين الأولين في نصوصهم المكتوبة".

يرمز موت الإله تموز وحلوله في العالم السفلي إلى فناء نمط عمل وإنتاج هو الرعي وحياة البداوة، لصالح الاستقرار المتمثل بالإله الفلاح إنكيمدو الذي أصبح إله الحرب بعد ننيورتا والبطل الذي يحمي الأرض

وبهذا تغدو رمزية موته واضحة ومبررة، فهو يرمز إلى خسارة نمط عمل وإنتاج (رعي الأغنام والبداوة) تطورياً مقابل الإله الفلاح إنكيمدو (الاستقرار)، خاصة إذا علمنا أن إنكيمدو ذاته أخذ دوره فيما بعد إله الحرب ننيورتا، ما يدل على مكانة الفلاح لتحقيق الأمن المعيشي للدول، وكونه البطل الذي يستعد لخوض الحرب لصالح الدولة وقت اللزوم. خاصةً أن دول ذلك العصر كانت تخوض حروبها في وقت انتهاء العمل الزراعي، وتنتهي حروبها عند بداية استحقاق عمل زراعي آخر.

في أحد القصائد، يشير الإله دموزي إلى أن أمه الإلهة سرتر وأبوه الإله أنكي (سيد الأرض)، ولأننا نعرف تمام المعرفة اسم زوجة الإله أنكي، ننخرساك، وأولاده، ودموزي ليس بينهم، فهو باتفاق المؤرخين غامض الأب، ونسبته هذه هي من باب الأبوية الأدبية. لمن إذا يكون دموزي ابناً باراً؟

أعتقد انه الابن البار لأمه، لأنه باختصاصه "الرعي" من بقايا النظام الأمومي السابق للنظام الأبوي، الذي بدأ مع تحول القرى الكبيرة إلى مدن. فالعادة في النظام الأمومي أن الأم معروفة حكماً بالولادة، والأب في النظام الأمومي لا أهمية له. فيكون ذكره الحزين وأخته التي لحقته بالضرورة في العالم السفلي، شكلاً من ملامح فناء النظام الأمومي، التي وصلتنا مضمنة، كالعديد من التلميحات في أساطير الشرق الأدنى، لتجسد معنى نهاية نمط إنتاج وثقافته، والحاجة الإنسانية لمواجهة الموت والندب لكل محزون يريحه البكاء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard