"شيء من لا شيء"... الخلق من العدم من سومر ومصر إلى ستيفن هوكينغ

الاثنين 11 مايو 202005:44 م

أعاد الفيزيائي ومروّج العلم الشهير الراحل ستيفن هوكينغ (1942-2018)، في اللقاء المتلفَز الأخير الذي أجراه معه زميله الفيزيائي نيل ديغراس تايسون، خريف 2017، وبثّته "ناشونال جيوغرافيك" قبل أقل من أسبوعين على وفاته، تأكيد ما طرحه في كتابه "التصميم العظيم"، الصادر عام 2010، من أن "لا شيء كان قبل الانفجار العظيم".

نجد في نظرية هوكينغ المثيرة للجدل حول ما كان قبل الانفجار العظيم صدى لسرديات الخلق من العدم التي ظهرت في عدد من الأنساق الفكرية، الفلسفية والدينية التي احتضنتها منطقتنا.

الشرق الأدنى القديم والعالم الكلاسيكي

اعتقدت ثقافات الشرق الأدنى القديم والثقافة الإغريقية-الرومانية الكلاسيكية بأن خلق العالم تم على يد إله أو مجموعة آلهة، انطلاقاً من مادة بدئية أزلية اصطُلِح على تسميتها بـ"العَماء" (Chaos)، اعتماداً للمصطلح الذي استخدمه الشاعر الإغريقي هيسيود (توفي في القرن السابع قبل الميلاد) في كتابه "أنساب الآلهة".

غير أننا نجد ما يدعم اعتقاد هذه الثقافات في مراحل من تاريخها بالخلق من العدم وليس من مادة سابقة الوجود.

ففي مطلع أسطورة سومرية تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، نقرأ أنّ آن، كبير الآلهة وإله السماء، خلق القمح والماشية ممثلين بالإله لهار والإلهة أشنان بعد إنجابه الآلهة الكبار، الأنوناكي، على ما يورده فراس السواح في كتابه "مغامرة العقل الأولى".

فيما أسّست ميثولوجيا الخلق في مدينة ممفيس المصرية القديمة لمفهوم الخلق بالكلمة، إذ إنها أرجعت فعل الخلق إلى بتاح، إله الحِرَف، الذي تصوّرَ العالم في قلبه (اعتقد المصريون أن القلب مقر التفكير) وبعثَ فيه الحياة حين سمّاه بلسانه، ليخلق بالكلمة الآلهة والموجودات جميعاً.

العالم الهيلينستي... التكوين وآباء الكنيسة

كانت الفلسفة الهيلينستية أول مَن شكّك برواية الخلق الكلاسيكية وراحت تجادل بأن "المحرّك الأول" الذي اقترحه أرسطو لا بد أن يكون قد خلق العالم من العدم.

وأتت أولى محاولات التوفيق بين الفلسفة اليونانية وروايات العهد القديم من الكتاب المقدّس على يد فيلو السكندري (توفي 50 م)، في سياق اليهودية الهيلينستية، فقد ساوى بين يهوه، الإله الخالق العبري، والمحرّك الأول لأرسطو.

نقرأ في الآية الأولى من سفر التكوين، أول أسفار العهد القديم، "في البدء خلق الله السماوات والأرض"، غير أن الفعل العبري المستخدَم "بارا" أقل وضوحاً من ترجمته المعتمَدة ويُعْنى بتنظيم الإله للعالم (توزيع الأدوار والأقدار) أكثر مما بخلقه المادة. يدعم ذلك ما نقرأه في الآية التي تليها من أن "على وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه"، والغمر المشار إليه هنا هو المياه البدئية المحيطة بالكون والمشارِكة للإله في أزليته على ما نعلمه من ميثولوجيات الشرق الأدنى القديم.

مع بداية القرن الثاني، أخذ آباء الكنيسة يعترضون على المفاهيم الواردة في ميثولوجيات الخلق قبل-المسيحية، والغنوصية التي تنسب فعل الخلق إلى إلهٍ أدنى انطلاقاً من عَماءٍ سابق الوجود، ليصبح الخلق من العدم اعتباراً من بداية القرن الثالث عقيدة مركزية في اللاهوت المسيحي تجد ما يدعمها في العهد الجديد من الكتاب المقدّس حيث نقرأ "بالإيمان نفهم أن العالَمِين أُتقِنت بكلمة الله، حتى لم يتكوّن ما يُرى مما هو ظاهر" (عبرانيين 11:3) و"لأنك أنت خلقت كل الأشياء، وهي بإرادتك كائنة وخُلِقت" (رؤيا 4:11)، وهو ما سيتلقّفه المفكرون اليهود.

"شيء من لا شيء"

في كتابه المدوَّن باللغة العربية في القرن العاشر، "كتاب الأمانات والاعتقادات"، يجادل الربّي والفيلسوف اليهودي سعديا غاؤون (882-942) بأن "العالم أتى إلى الوجود من العدم"، مؤسّساً على جملة غامضة وردت في "كتاب التشكيل"، أول الكتب الباطنية اليهودية، تقول إن الله "جعل 'آين' الخاص به 'يش'"، لتُعتمَد خلال القرن الحادي عشر صيغة الخلق "يش مي آين" وتعني "شيء من لا شيء"، والتي سيقرّها الربّي والفيلسوف اليهودي ابن ميمون (القرن 12)، وستؤسّس عليها الكابالا روايتها للخلق.

أسست ميثولوجيا الخلق في مدينة ممفيس المصرية القديمة لمفهوم الخلق بالكلمة، إذ إنها أرجعت فعل الخلق إلى بتاح، إله الحِرَف، الذي تصوّرَ العالم في قلبه (اعتقد المصريون أن القلب مقر التفكير) وبعثَ فيه الحياة حين سمّاه بلسانه، ليخلق بالكلمة الآلهة والموجودات جميعاً

تعلّم الكابالا، المدرسة الباطنية اليهودية التي تعود جذورها إلى إسبانيا وجنوب فرنسا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، أن للوجود مستويات عشرة تعرَف بـ"السيفيروت"، أو التجلّيات الإلهية، ندرك من خلالها الله غير الموصوف أو المحدود، وأن أول هذه "السيفيروت" انبثقت عن "آين"، أو العدم، الذي كان قبل الخلق، ليكون الخلق بذلك "شيئاً من لاشيء" من منظور المخلوق و"لاشيء من شيء" من منظور الله، على اعتبار أن لله فقط الوجود المطلق.

"كن! فيكون"

لا يوجد في القرآن سوى آية واحدة تصف الحالة السابقة للخلق، على ما يذكره فراس السواح في كتابه "الرحمن والشيطان"، هي {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وكان عرشه على الماء} (هود 7).

فقبل ظهور العالم، لم يكن سوى الماء والعرش وخالقهما. ويورد المؤرّخ والمفسّر الفارسي الطبري (توفي 923 م) في كتابه "تاريخ الأمم والملوك" تفسيراً لهذه الآية ينسج على منوال القَصَص التوراتي: "إن الله تعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئاً غير ما خلق قبل الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخاناً، فارتفع فوق الماء فسما عليه فسمّاه سماءً. ثم أيبس الماء فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين".

يصف القرآن ما قبل الخلق، في آية {خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} ويفسرها الطبري بقوله: لما أراد الله أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخاناً، فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين

غير أننا نجد في مواضع أخرى من القرآن صدى لميثولوجيا الخلق المصرية التي تُرجِع فعل الخلق إلى فكر الإله وكلمته الخالقة حيث نقرأ "وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن، فيكون" (البقرة 117).

هكذا، كانت عقيدة الخلق من العدم مركزية في الديانات الإبراهيمية الثلاث، حتى أن ابن ميمون اعتبرها المفهوم المشترك الوحيد بينها.

هوكينغ والانفجار العظيم

يُجمِع المجتمع العلمي اليوم على القبول بنظرية الانفجار العظيم كتفسيرٍ لنشأة الكون المنظور، وهي نظرية تُرجِع هذا الكون إلى نقطة لامتناهية الحرارة والكثافة تعرَف بـ"المتفرّدة"، نشأ الكون عنها قبل 13.8 مليار سنة، أخذ خلالها بالتوسع وصولاً إلى حجمه الحالي مشتملاً على حوالي مئة مليار مجرة، غير أنه يفشل في الإجماع على ما كان قبل الانفجار العظيم.

يتفق هوكينغ مع القديس أوغسطين (354-430)، الذي سُئِل عما كان يفعله الله قبل خلقه الكون فأجاب "بما أن الله خلق الوقت عندما خلق الكون لم يكن هناك 'قبل'"، مؤكداً عدم اعتقاده بوجود الوقت قبل الانفجار العظيم، غير أنه يختلف مع أوغسطين في اعتقاده بأن "لا شيء كان قبل الانفجار العظيم". ويؤكد أن الكون، وفقاً لنظريته، "لن يكون قد خُلِق أو دُمِّر (نتج عن دمار كون سابق)، الكون فقط سيكون"، نافياً بذلك الحاجة إلى خالق.

تدعم نظريةَ هوكينغ ظاهرةٌ موثَّقة تعرف بـQuantum Tunneling، حيث يمكن للجسيمات دون-الذرية أن تظهر في عدة مواضع في الوقت نفسه، وبما أن الكون بكامله كان دون-ذري لحظة الانفجار العظيم سيكون بإمكانه الظهور فجأة حيث لم يكن من قبل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard